لم يكن صباح الثلاثاء الثامن من شباط من العام 1986 يوما عاديا، ذلك اليوم الشتائي البارد كان مفترق طريق في حياتي، إذ قررت بمحض إرادتي أن أحمل لقب مغترب. ومن حينه وأنا أحمل في ذاكرتي تداعيات وأحلام تناوشها ذكريات حياتي..

في ربوع الشآم مهد طفولتي وريعان شبابي، وعلى ضفاف الفرات في الميادين حيث مسقط رأسي وخانة ميلادي، كلما استدعيتها في مخيلتي ومن بين دفاتري وكتبي في ساعات خلوتي، طفرت من العينين دمعة تعاتب على استحياء أمنيات أعلل النفس بها في غربتي.

غناء أمي

خمسة وعشرون عاماً مرت مذ غادرت الوطن.. فذاك هو جبل قاسيون وعلى سفوحه بردى بفروعه السبعة يتماهى، وياسمين الشام يعانق الجدران، يعاتبني. وذكريات مع بنيات حيث نسيم الشوق يداعب خصلاتهن المدللة، وتلفح شمس ايلول وردا جوريا على وجناتهن.

وصباحات فيروز ترافقني إلى مدرستي، وتسكن طيات دفاتري وكتبي يأتيني صوتها ممزوجا بصوت أمي توقظني، تغني "ياجبل البعيد خلفك حبايبنا، بتموج مثل العيد وهمك متعبنا، اشتقنا للمواعيد، بكينا وتعذبنا، ياجبل البعيد قول لحبايبنا".

يومها لملمت أشيائي على عجل، أخفي حزني وقلقي عن عين أمي، وخطوات والدي تذرع البيت جيئة وذهابا، وعلى شفتيه تمتمة كلمات حيرى. دسست بين طيات ملابسي في حقيبة سفري دفتري الأزرق، مخزون ذكرياتي واسرار قصائد وجدي الماضي والآتي.

شددت الرحال ويداي المتعبتان تلوحان لأحبائي بخجل من على مقعد الطائرة التي أقلتني إلى شطآن الخليج، كنت احتضن ابني كنان ولم يتجاوز عمره عاما واحدا، وكانت أمه تنتظره حيث كانت قد سبقتنا للعمل في حقل التربية والتعليم. حطت الطائرة على أرض مطار ابوظبي، وعيناي الحائرتان تبحثان وسط الجموع عن مستقبل مجهول. وكما حنين النوق انكبت زوجتي على صغيرها تحضنه تقبله، تداعب خصلات شعره تمسح حبيبات العرق عن خده.

وعلى مدى الطريق من ابوظبي إلى مدينة العين، كانت السيارة تقطع الطريق مسرعة فيما عنين مكيف الهواء يصارع حرارة الجو، كنت انظر للطريق وقد ارتفعت كثبان الرمل ترسم لوحة ظللتها خيوط الشمس، وعلى الطرف الآخر انتصبت أشجار النخيل شامخة، وتناثرت حدائق وواحات تحكي إرادة الإنسان في مواجهة قسوة الطبيعة.

وشاخصات الطريق تحمل اسماء اجهل معانيها، مدينة العين، ندود وافلاج وبدع وقلاع وحصون، فتلك هي قلعة الجاهلي ومن هنا هيلي ومن هناك بدع بنت سعود، وهناك فلج هزاع، وتلك هي المربعة، وعود التوبة، وند الرصاص، والكويتيات، والنيادات، والمسعودي، والمناصير، وزاخر، ومزيد، والعين الفايضة، وذاك هو جبل حفيت، شامخ يعانق رسم من بانوا، اسماء ومعان ودلالات لمواقع ترسم ملامح حضارة عميقة الجذور.

أول يوم صحافي

في اليوم الأول من عملي محررا صحافيا في جريدة الفجر تلقيت دعوة من كلية العين العلمية لتغطية أحد الأنشطة، فاستقليت سيارة أجرة اوصلتني إلى مدخل المدرسة، حيث كان يجلس شابان يتحدثان على أحد الكثبان الرملية، عند وصولي نهضا بخفة ورشاقة وسألاني عن حاجتي، قلت اريد مقابلة مدير المدرسة، فاصطحباني بكل أدب، ولاحظت كلما مرا من أمام أحد الطلاب أو المدرسين وقفا لهما باحترام وألقيا السلام عليهما، حتى دخلنا غرفة المدير .

حيث شكر الطالبين، وعندما سألته عن موعد البدء قال لي: عندما يجهز الشيوخ، قالها بصفة الجمع، يومها لم أكن قد قابلت شيخا في حياتي بالمعنى المعروف لكلمة الشيخ، وبعد عدة دقائق حضر شخص وجلس في المقدمة فعرفت أنه أحد الشيوخ المنتظر قدومهم، وما كان ذلك الشيخ إلا أحد الشابين اللذين استقبلاني قبل قليل، واصبحا منذ ذلك من أعز الأصدقاء، أحدهما يشغل الآن منصبا قيادياً رفعياً، شرفني بعد عدة سنوات بمنحي كأسا تذكارية لأفضل تغطية صحافية، مازلت احتفظ به حتى الآن، والثاني ولّي منصبا أكاديمياً وطبياً مرموقاً.

بعد ذلك جاءت مناسبة مهمة في حياتي، وهي دعوة كريمة من الزميل محمد الجوكر، الذي كان يشغل منصب رئيس القسم الرياضي في جريد الاتحاد، عملت محرراً في جريدة الاتحاد، وحينما تأهل منتخب الإمارات لنهائيات كأس العالم في إيطاليا قمت بتغطية حفل استقبال المغفور له بإذن الله الشيخ زايد لنجوم المنتخب الوطني في قصر المقام، وكان ذلك واحداً من الأحلام التي تحققت، وكنت أحسبها لا تتحقق وأنها من المحال. لكنني بعد ذلك عملت مسؤولا للشؤون الإعلامية والثقافية في نادي العين الرياضي الثقافي لمدة ثلاث سنوات.

وكنت اثناءها أكتب مقالا اسبوعيا في القسم الرياضي بجريدة «البيان» تحت عنوان ( صباح الخير ياعرب) وقررت أن أعود إلى سوريا، وعند مراجعتي في جريدة «البيان» لاستلام مستحقات المقالات، علمت بحاجتهم إلى صحفي للشؤون المحلية في مكتب «البيان» في مدينة العين، فقابلت الأستاذ ظاعن شاهين مباشرة، وخلال دقائق تم الاتفاق بتعييني، فصرفت النظر عن المغادرة إلى سوريا.