الأول من فبراير العام 1979.. كان يوماً مشهوداً في حياتي؛ فمن مطار القاهرة، إلى حيث حطت بي طائرة شركة طيران الخليج في العاشرة مساء في مطار دبي الدولي. وبدأت رحلة امتدت لنصف عمري.

البداية من خبر صغير ورد في الأهرام المصرية العام 1966 بتصريح من هارولد ويلسون رئيس الوزراء البريطاني يشير إلى قرار الحكومة البريطانية الانسحاب من شرق السويس، استغربت وتابعت التفاصيل لأكتشف أن الانسحاب سيشمل "إمارات الساحل المتصالح" ومنها أبوظبي ودبي. استدعيت أرشيف الذاكرة..

أليست هذه البلاد التي تصدر طوابع البريد التي كنت أجمعها آنذاك مع أصدقاء المرحلة الإعدادية، والتي كانت تحمل اسماء تثير استغرابنا وقتها؟! نعم.. أبوظبي وتوابعها، ودبي، وأم القيوين وملحقاتها، الشارقة وتوابعها، وكانت الطوابع ملونة وبعضها فاخر.

هذه الطوابع التي أتت على الرسائل التي بعث بها المدرسون والأطباء المصريون إلى عائلاتهم في الحي الذي سكنته وبالطبع تسربت إلينا من أبناء هذه العائلات بعدما رصدناها مع ساعي البريد الذي كنا ننتظره خاصة في فصل الصيف، لنشبع هوايتنا بالاطلاع وجمع الطوابع من على الرسائل التي يوزعها الساعي على صناديق بريد بنايات الحي.

كانت هذه أول معلومات أتلقاها عن الإمارات في هذه السن، وأذكر أنني سألت شقيقي الأكبر عن فحوى الخبر واستعرض أمامي الخريطة ليريني "رأس الخيمة" المطلة على الخليج العربي.

مر عام وكان الموعد التالي مع الأهرام التي أوردت خبراً في صفحتها الأخيرة ولكن هذه المرة عن "شمشون العرب" الآتي من دبي والذي سيسحب سيارة مربوطة بشعره إلى أعلى هضبة الهرم، وستمر السيارة على يديه وقدميه من دون أن يصيبه أذى. وتجرني الأيام نحو الحلم. تأهلت وتدربت صحافياً جامعياً في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وأنهيت التجنيد الإجباري شأن الشباب المصريين.

وكلما اقترب وقت تسريحي من "الجيش" فكرت بمكان مستقبلي ورزقي؟ وأثناء أداء الخدمة العسكرية تم توظيفي صحافياً في الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، ولكن كان تطلعي للمستقبل دائماً خارج مصر، متأثراً بشقيقي وشقيقتي الكبرى حيث توجها إلى دولة الكويت.

أنهيت خدمتي العسكرية وقررت السفر وكانت الكويت المحطة الأولى، لكن لم يكتب الله لي فيها رزقا، ثم لاحت لي فرصة عمل في دبي. كان الشهر السادس بعد انهاء الخدمة العسكرية في ذلك اليوم فوجئ زملائي في العمل بقراري للحصول على إجازة بدون راتب للسفر، وحذرتني احداهن من الفشل، بسبب المقاطعة العربية لمصر بعد سفر الرئيس السادات إلى "اسرائيل"، لكنني أجبتها سيكون عملي في جريدة الاتحاد التي تصدر في الإمارات، وسأرسل لك اسمي مكتوباً في الاتحاد.. لا تقلقي.

ألم وأمل

وصلت إلى الإمارات وبداخلي آمال عريضة بتحقيق مستقبل و"حلم دبي". كانت البداية مريحة فقد تأمّن المسكن وباقي سبل الحياة اليومية، ولكن! العمل كان مؤلما نفسياً فقد حصلت على "وظيفة إدارية" بينما حلم الالتحاق بجريدة "الاتحاد" يراودني. في أواخر اغسطس 1979..

 وبسبب مشاكل في العمل رفعت سماعة الهاتف واتصلت بجريدة الاتحاد فرد علي شخص بادرته بأنني صحفي قادم من مصر وأرغب في العمل، فسألني عن اسمي، وسألته عن اسمه فطلبني لمقابلته بعدما أرشدني للذهاب إلى مبنى الجريدة في دبي ولأسأل عن الأستاذ نازك المحمدي.

استمرت المقابلة التي قال لي فيها (أنت تصلح للعمل معنا) ساعة تقريباً، قبل أن تظهر.. ولكن مرة أخرى! فهو لا يستطيع مساعدتي، وعليَّ أن أقابل رئيس تحرير الجريدة، وهو موجود يومي الأربعاء والخميس من كل أسبوع في دبي وباقي الأيام في مقر الجريدة بأبوظبي.

نقرت بجرأة

الخميس التالي تقدمت بجرأة ونقرت باب مكتب الأستاذ خالد.. فعرفته بنفسي، فأكرمني وسألني عن قصتي وكيف جئت؟ وأين عملت في مصر؟ وفي أي صحف مصرية تدربت؟ ومع أي صحافيين؟ وفي نهاية المقابلة طلب مني إعداد تحقيق صحافي وتقديمه له بعد ثلاثة أيام، فكان التحقيق عن السوق العقاري في دبي وأسباب تدني القيم الإيجارية للمساكن والمكاتب والمحلات والمستودعات.

سلمت التحقيق بعد الأيام الثلاثة، وفي الخميس التالي ذهبت لمقابلة الاستاذ خالد، وأنا واثق من نفسي وخائف من النتيجة وكأنه "امتحان" استقبلني بشوشاً، وسألني متى تستطيع أن تداوم معنا؟ فقلت اليوم.. فنظر في ساعته وقال اليوم 29 اغسطس فلتداوم اعتبارا من أول سبتمبر، اصعد الآن إلى الطابق الأعلى واسأل عن الاستاذ نازك.. هو من ستعمل معه.

10 رسائل

وفي الليلة نفسها كتبت أكثر من 10 رسائل بريدية، أولها كانت لأستاذي جلال الدين الحمامصي رئيس تحرير الأخبار المصرية الذي علمني الصحافة لأربع سنوات في كلية الاعلام بجامعة القاهرة، وعنونت الرسالة بجملة "ما أحلى الرجوع إليها" شارحاً له ولزملائي الصحافيين، وأصدقائي في رسائلهم قصة عودتي للالتحاق بالعمل كصحافي بعد شهور طويلة.

صحافة الإمارات

يبقى فضل الاستاذ خالد في اتاحة الفرصة لي للانطلاق في عالم صحافة الامارات.

ومع مرور الأعوام جاء نداء الرزق من عند صاحب الرزق كي أنتقل من مسؤول المحليات في جريدة "الاتحاد" العام 2005 ، إلى نائب رئيس قسم المحليات في جريدة "البيان".

إن طبيعة العمل كصحافي مكنتني من أن أكون شاهداً على "حلم دبي" وهو الحلم التنموي الحضاري الذي عايشت تنفيذه منذ أيام المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ومن بعده أيام خلفه المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، ثم الانجازات الكبرى التي حققها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.

 

مفاجأة حياتي

عندما هاتفت شقيقي، وكان قد ترك الكويت واتجه إلى سيدني بأستراليا، وسألني أتذهب إلى دبي؟ ولم أتردد بنعم، وبعد أسبوعين دق جرس باب البيت، وحين فتحته وجدت إحدى أكبر مفاجآت حياتي، رسالة من صديق أخي المقيم في دبي، وبداخل الرسالة عقد العمل وتذكرة السفر إلى دبي.