هذا العنوان قد يوحي ببداية حكاية لشخص تعود السير بجوار الحائط بعيداً على المشاكل، وعلى أن تكون علاقته بالمجتمع خارج المنزل محصورة في عمله الذي اعتاد كل يوم الذهاب إليه والعودة منه، ولكن فجأة حدثت له مشكلة غيرت مجرى حياته.

والحقيقة أن الواقع مختلف، ووجه الشبه الوحيد يكمن في جزئية الطريق من بيتي إلى مقر عملي الذي تعودت السير فيه لما يزيد على 32 عاماً حدث خلالها متغيرات عديدة.

صحيح أنها تعلقت بطريق واحدة، لكنها تحمل الدلالات على حجم التغير الذي صاحب مدينة دبي كجزء من مجتمع أكبر هو دولة الإمارات، وتجيب عن السؤال الذي يراود الكثيرين وهو.. لماذا هذا الانبهار العالمي بتجربة دولة الإمارات؟

عندما قدمت إلى دبي في 17 أبريل من عام 1980 للعمل في جريدة "البيان" وكانت تمر بمرحلة التأسيس، أقمت في فندق بديرة يدعى "أكسلسيور"، وهو لايزال موجوداً ولكن باسم آخر.

كانت دبي وقتها مدينة صغيرة ناشئة محدودة، وأحياؤها السكنية موزعة على عدة مناطق تفصلها مساحات رملية، ولارتباطي بالمنطقة وإلمامي بها اخترت السكن فيها بالرغم من بعدها عن موقع الجريدة في شارع الشيخ زايد مسافة 18 دقيقة بالسيارة.

من هذا الرقم يمكن معرفة بعض ملامح الماضي القريب، فنظراً لقلة عدد السيارات وقاطني دبي والقادمين إليها يومياً من خارجها مقارنة مع الواقع الحالي، كان من السهل على أي شخص تحديد الفترة الزمنية التي يحتاجها للوصول إلى أي مكان بالدقيقة، وبالرغم من هذا الفارق الشكلي كان كل شيء متوفراً. فلم نكن نعاني أي نقص سواء في الاحتياجات الشخصية أو الأسرية أو المنزلية، حيث كانت دبي شأنها شأن كل إمارات الدولة تتمتع بوفرة في كل مظاهر الحياة العصرية في هذه الحقبة الزمنية.

خلال هذه السنوات صاحب الطريق، من بيتي في شارع صلاح الدين إلى مقر الجريدة، تغيرات كثيرة وكبيرة، لو سجلتها في صور وعرضتها من خلال شريط متحرك لأصيب كل من يشاهدها وأنا منهم بالدهشة والانبهار. على سبيل المثال المنطقة القصيرة من موقع سينما دبي إلى جسر آل مكتوم في الثمانينيات، وما أصبحت عليه في التسعينيات ثم ما هي عليه الآن.

حيث كان فيها عدد قليل من المنازل التي لا يتعدى ارتفاع أعلاها الأربعة أدوار، ومبنى من دورين عبارة عن مشغل لصناعة الحلي من الذهب والألماس، و(شبرات) مخازن لبعض المنتجات أو الورش، ويفصل بين هذه المنشآت مساحات رملية مختلفة.

من لم يعش هذه المرحلة، لو شاهد ثلاث صور منفصلة للمنطقة في الحقب الثلاث لن يجد فيها ما يظهر أو يدل على أنها نفس المنطقة، والحال نفسه بالنسبة للمنطقة من جسر آل مكتوم الذي مر بأكثر من مرحلة تطوير وتوسعة وتغيير حتى دوار المركز التجاري، والتي ليس بمقدور أحد تخيل ما مرت به من تغيرات بالرغم من بعض الثوابت القليلة ناحية منطقة الكرامة.

أما المنطقة من دوار مركز دبي التجاري إلى موقع جريدة "البيان" قبيل حديقة الصفا، فتلك حكاية أخرى يمكن ضمها إلى عجائب رحلات السندباد أو ألف ليلة وليلة أو كليلة ودمنة أو ما شئت من قصص العجائب والغرائب. فلا اعتقد أنه بمقدور بشر تخيل ما مرت به هذه المنطقة من تحديث وتقبله بسهولة.

فحتى وقت قريب كانت هذه المنطقة عبارة عن أرض تغطي الرمال المساحة الأكبر منها، تماماً مثل منطقة مرسى دبي التي كانت كلها صحراء ربما تقطنها العقارب والسحالي قبل أن تتحول إلى منطقة تحاكي نمط القرن القادم. كلما عادت بي الذاكرة إلى ما كانت عليه هذه المنطقة وما تحتويه الآن من ناطحات سحاب تجذب عشاق الحداثة من كل بقاع الكرة الأرضية، أجدني أهز رأسي عجباً وإعجاباً لما مرت به من تغيير، وأسأل نفسي كيف ومتى حدثت كل هذه النقلة التي تحتاج الدول إلى سنوات كثيرة حتى تبلغها؟.

أذكر أنني في الثمانينيات كثيراً ما كنت أخرج من البيت في الصباح وأركب سيارتي متوجهاً إلى العمل، وفجأة أجد نفسي قد وصلت إلى الجريدة من دون أن أدري أي طريق سلكت وأي إشارة التزمت بها أو تجاوزتها من دون وجه حق، لا أذكر أي شيء حدث في طريقي الذي يبلغ 15 كيلومتراً تقريباً، لا أتذكر أي شيء لفت انتباهي أو شدني إليه، لماذا؟ لأن معظم مساحات الطريق خالية من البنايات والمنشآت ومتشابهة في شكلها وما بها من بنايات حفظتها عن ظهر قلب، حتى انها لم تعد تجذب نظري.

أما الآن فأنت تجد نفسك مسلوب الإرادة ومجبراً على أن تحول عينيك ذات اليمن تارة وأخرى ذات الشمال لمتابعة كل ما هو جديد حولك، البنايات والمحال مختلفة ومتجددة، والناس والسيارات الكثيرة الحديثة والجذابة المارة على جانبيك تناديك وتسألك الاستمتاع بمشاهدتها.

هذه هي دبي.. دانة الدنيا.. لؤلؤة الخليج.. قلب الجزيرة النابض.. عاصمة الرياضة في الشرق الأوسط.. قبلة السياح في العالم.. اختر ما يناسبك وما شئت، فهي بعض أسماء وألقاب أطلقت على هذه المدينة، الأيقونة التي أسرت بجمالها وأمنها كل عشاق الحياة والتطور.

ما سطرته هنا ما هو إلا لمحات سريعة لمسيرة 32 سنة، جمعتني بشوارع وأحياء دبي، التي كانت ثم أصبحت. تبرهن كل يوم أنها لا تنتظر الحدث وإنما تصنعه. وتؤكد للعالم أنها لن ترضى إلا أن تكون الرقم واحد.

متغيرات

الآن كل واحد فينا لم يعد مخيراً كل الوقت، فإن كنت مخيراً في سلك الطريق الأمثل الذي يصل بك إلى ما تريد، فأنت مسير في متابعة ما حولك من متغيرات أصبح من الصعب عليك معرفة القديم من الجديد فيها، حتى وجوه الناس اختلفت، والجنسيات تضاعفت، والمعروضات من مختلف دول العالم تنوعت، والاختيارات تغيرت، والأفكار تطورت.