وصلت الى مطار ابوظبي فجر يوم الجمعة السابع عشر من ابريل 1987 وكان مندوب العلاقات العامة بصحيفة الفجر يقف في صالة الاستقبال رافعا بيده ورقة بيضاء كتب عليها اسمي، كان استقباله حارا وهو يصافحني ويقول لي "الحمد الله على السلامة، كيف كانت الرحلة؟»
اجبته مبتسما: الحمد لله .. مريحة وأنا بشوق لمشاهدة ابوظبي. والتعرف على الزملاء في الصحيفة التي سأعمل فيها.
الساعة كانت تشير الى الرابعة صباحا، خرجنا من المطار وركبت السيارة، وطوال الطريق الى مكان إقامتي كان الطريق منارا والأشجار والورود على جانبي الطريق، سألت مرافقي: أين الصحراء؟ وأين الرمال الذهبية؟
ضحك وقال: لا تستعجل نحن الآن في المدينة والصحراء من خلفها والبحر من أمامها وأنت في وسطها.
وصلنا أمام مبنى للشقق المفروشة يحمل اسم (حبارى هاوس). حملت حقيبتي وتوجهت الى شقتي في الطابق الثالث، وودعني مرافقي على أمل اللقاء بعد الظهر في مقر الصحيفة.
مرت ساعات وأنا في سبات عميق، استيقظت وكانت الساعة تشير الى الحادية عشرة صباحا. ما إن فتحت باب المبنى حتى أحسست بلفحة هواء ساخن لم اعتد عليه في حياتي، أغلقت الباب وتلفت حولي، وتساءلت ما هذا؟ هل يوجد حريق؟ أم ماذا!
عدت ثانية وفتحت الباب وخرجت إلى الشارع مسرعا وملوحا بيدي لسيارة أجرة، توقف السائق، فتحت الباب جلست في السيارة وكانت مكيفة، طلبت منه أن يتوجه إلى صراف لتبديل "الشيك" لأنني لا أحمل دراهم. هز رأسه يمينا ويساراً، وانطلق بسيارته وهو ينظر إليّ من المرآة التي أمامه وقال: أنت جديد؟ أجبته نعم أنا جديد في أبوظبي.
توقف أمام محل صغير، أخذ من يدي "الشيك" وذهب، وأنا في السيارة أسمع أغاني هندية من راديو السيارة، عاد السائق والعرق يتصبب منه
وقال: (الحين كله تسكير في صلاة، أنت معلوم). أجبته: طبعا معلوم ويمكن أن نذهب الى الجامع وبعد الصلاة أعطيك الفلوس، أو تأتي الى مكان إقامتي (حبارى هاوس) وسأعطيك الاجرة. وذكرت له رقم الشقة. اشار لي بالنزول من السيارة لأن الجامع قريب وحان موعد صلاة الجمعة.
المسافة التي مشيتها من موقف السيارة حتى الجامع كانت كفيلة بأن تجفف دماغي من السوائل التي فيه. الشمس تتربع في السماء وحرارتها تصل الى نحو 40 درجة.
العرق بدأ يتصبب من جبيني وأحسست بأنني أعوم بعرقي، هذه المرة الأولى التي أمشي فيها تحت أشعة شمس حارقة.
كلما اقترب من الجامع أجد الرجال والشباب وكأنهم هامات بيضاء يرتدون الجلابيات البيضاء وعلى رؤوسهم الغترات البيضاء، وتتربع عليها العقل السوداء. هنا حسدت هؤلاء على ارتدائهم لهذا اللباس الفضفاض وهذه الرايات التي تحمي رؤوسهم من أشعة الشمس الحارقة. انتهت الصلاة وخرجت من الجامع متجها نحو الشارع عسى أن التقي بالسائق، لكنني فوجئت بتجمهر المصلين في الساحة بالقرب من الجامع وفي وسط الساحة سرير حديدي بدون فراش وقفت تحت شجرة، وسألت احد الشباب الواقفين وعليه ملامح عربية، ماذا يجري هنا؟
أجابني: الآن سيتم جلد عدد من السجناء.
لم أصدق ما قاله وأردفت: ماذا قلت؟
أجابني وهو يضحك: الآن سترى.
وقف رجل ملتح وبدأ يوجه كلامه للواقفين في الساحة: وصل الى مسمعي كلمات من العبارات التي يرددها، منها الزاني والزانية، ...شارب الخمر .. وبالفعل وصلت سيارة خرج منها شرطي، توجه إلى الباب الخلفي للسيارة، فتحه وأمر أحد الرجال بالنزول، والتوجه نحو السرير. كان يرتدي بيجاما زرقاء وعلى ظهر السترة دائرة حمراء تميز النزلاء في الاصلاحيات عن غيرهم.
تمدد السجين على السرير الحديدي، بطنه الى الأسفل وظهره الى الأعلى، ووقف أربعة من رجال الأمن على جانب السرير يحمل كل واحد منهم عصا رفيعة وطويلة من الخيزران.
ثمانون جلدة، تلقاها السجين المتمدد على السرير أمام الناس المتحلقين في الساحة. كي يكون عبرة لمن يعتبر. قلت للشاب الواقف بجانبي، يا أخا العرب أنا وصلت الى ابوظبي فجر اليوم ولا أدري كيف أعود الى مقر إقامتي ولا أحمل دراهم! هل يمكن أن تساعدني في صرف الشيك كي أتمكن من الركوب في سيارة أجرة؟ ضحك الشاب وقال: ولا يهمك سأوصلك الى مقر إقامتك.
توجهت معه الى سيارته بالقرب من الجامع، بينما تتوالى عمليات الجلد الى من كانوا في سيارة السجن.
شكرت الشاب العربي على شهامته ونخوته في نقلي إلى مقر إقامتي.
دخلت الشقة وأسرعت في خلع جميع ملابسي كي أستحم وأغسل جسدي من العرق الذي تصبب منه، وقفت تحت الدوش وأمامي حنفيتان الأولى زرقاء والثانية حمراء، وبما أنني استحم يوميا بالماء البارد، مددت يدي الى الحنفية الزرقاء وفتحتها، وإذا بماء ساخن جدا ينصب على جسدي!
أغلقتها بسرعة وقلت في نفسي يبدو أن خطأ ما في توزيع اللون بين الحنفيتين، ومددت يدي ثانية وفتحت الحنفية الحمراء، وإذا بماء يغلي ينصب على رأسي، صحت بأعلى صوتي، ما هذا في الخارج الجو نار وفي الداخل الماء حار. كيف يعيش هؤلاء الناس. تمددت على السرير ونمت بلا حراك.
كانت الساعة تشير إلى الخامسة بعد الظهر حينما رن جرس الهاتف بالقرب من وسادتي، رفعت السماعة وإذا بصوت رجل يقول:
الحمد الله على السلامة أنا محمد غباش مدير التحرير وسنجتمع بعد ساعة في مقر الصحيفة. أجبته: الله يسلمك يا استاذ لكن برجاء حار هل توجد طائرة اليوم إلى دمشق؟
أجاب مستغربا: خير إن شاء الله؟
سردت له ما حصل معي منذ خروجي من المبنى وحتى عودتي إليه.
مادة دسمة
ضحك محمد غباش وقال: أعيش هنا منذ ولادتي ولم أشاهد ما رأيته أنت اليوم، لكن هذا جيد وستكون مادة دسمة لكتابة مذكراتك ليوم وصولك إلى هنا. خذ سيارة أجرة واطلب منه التوجه إلى طريق المطار القديم جريدة الفجر وأنا سأكون في استقبالك وسأدفع للسائق.
وبالفعل بدأت العمل في الصحيفة منذ اليوم الأول من وصولي وبقيت أحداث هذا اليوم في الذاكرة أرويها لأصدقائي وأفراد أسرتي وللقراء أيضا.
