مناجاة الله.. دلالات عميقة تألّقت بها أشعار الشافعي وأبي العتاهية

انفتحت الثقافة العربية على أشكال أدبية متنوعة، مثَّلت مساحات حرَّة للتعبير الإبداعي، ومع ذلك، ظل الشعر ديوان العرب وفنَّهم الأول، الذي حفظ لغتهم وخلَّد أخبارهم وبصمتهم الثقافية المميزة، فكان ولا يزال مسرحاً يُظهرون فيه قدراتهم البلاغية المتفاوتة، وبراعاتهم التصويرية المدهشة. وفي هذا الشهر المبارك، تصطحب «البيان» قارئها إلى عوالم نصوص شعرية، خاصة، ترتسم فيها روعة البلاغة لنحلق معها في فضاء البيان الأدبي.

 

الدعاء هو العبادة، وهو لحظة صدق لا يشوبها الكذب، حينها يدرك العبد حقيقة فقره إلى ملك الملوك، ويرى تلك الحقيقة مشرقةً أمام عينيه، كأنه لم يعرفها من قبل، أو حالت بينه وبينها فتن الدنيا وزخارفها البالية، فتفيض دموعه لتمحو آثار غفلته، وتنساب على لسانه كلمات تطرب لها الأسماع، وترقص لها القلوب، فكيف إذا انتظمت هذه الكلمات على أوزان الشعر وقوافيه؟!

لم يفُتْ شعراءنا العرب، خلال مسيرة الشعر العربي المجيدة، أن يُفردوا لمناجاة الله تعالى مساحات واسعة ملؤها الإبداع، يسطِّرون فيها تعلُّق أنفسهم، التي زكَّتها التقوى ورقَّقها الأدب، بالخالق الكريم سبحانه وتعالى، الذي لا يقطع التوبة عن عباده وإن ملُّوا من الاستغفار.

ولعلنا نبصر في نصوص المناجاة التي برع في نظمها أولئك المجيدون سمو الأدب الذي يرتقي بالمشاعر ويسمو بها في فضاءات التبتُّل والصفاء، ويدعوها إلى توحيد الله تعالى والإخلاص في العبادة وتجنُّب المعاصي والآثام، وهي أهداف نبيلة جاء بها الشرع، وأُسِّس عليها الشعر، لولا ما اعترى الشعراء من نزعات وشطحات حادت بهم عن المعنى الحقيقي للأدب.

وربَّما كان ديوان الإمام الشافعي حافلاً بأشهر القصائد والمقطعات التي تتناول مناجاة الله، ما يفرض علينا في هذه السطور ألَّا نتجاوزه دون أن نقطف زهرة من بستانه اليانع، ونتأمل علوَّ تراكيبه الفنية ذات الوضوح الدلالي والشاعرية المفرطة، إذ يمعن في الثناء على الله بما هو أهله، ويبالغ في وصف تقصير نفسه حتى يتهمها بالإجرام والقسوة، مما يجعل رجاءه لله بعد ذلك منسجماً في السياق، ومتلائماً مع ما ينشده من العفو والرحمة، ولا يهمل الاستدلال العقلي، فيعلل جرأته على الدعاء برغم كثرة ذنوبه بأن عفو الله إذا قورن بالذنوب ظل أعظم، وأن قدرته على مجاهدة الشيطان لا تشتد إلا بتوفيق من الله:

إليكَ إلهَ الخلقِ أرفعُ رغبتي

                         وإنْ كنتُ يا ذا المنِّ والجودِ مجرما

ولـمَّـا قسا قلبي وضاقتْ مذاهبي

                         جعلْتُ الرَّجا مني لِعفوكَ سُلَّما

تعاظمني ذنبي فلـمَّـا قرنْتُهُ

                         بعفوِكَ ربي كانَ عفوُكَ أعظما

وما زلتَ ذا عفوٍ عن الذنبِ لمْ تزلْ

                         تجودُ وتعفو مِنَّةً وتكرُّما

ولولاكَ ما يقوى بإبليسَ عابدٌ

                         فكيفَ وقد أغوى صفيَّكَ آدما؟!

على جانب آخر، يفتتح أبو العتاهية نصَّه بلغة حافلة بالإقرار بما وقع فيه من الذنوب التي تستوجب العذاب، ويقرن رجاءه بانعدام حيلته واحتياجه إلى فضل الله ومنِّه وكرمه، ويؤيد توبته بالندم المتكرر على ما زلَّت فيه قدمه، ويستعين على إبراز هذا الندم بالتصوير المعتمد على الكناية، حين يعبِّر عن ذلك بعضِّ الأنامل وقرْع الأسنان:

إلهي، لا تعذِّبني فإنِّي

                   مُقِرٌّ بالَّذي قد كانَ منِّي

وما لي حِيلةٌ إلَّا رجائي

                   وعفوُكَ إنْ عفَوْتَ وحُسْنُ ظنِّي

فكمْ مِنْ زلَّةٍ لي في البرايا

                   وأنتَ عليَّ ذو فضلٍ ومَنِّ

إذا فكَّرْتُ في ندمي عليها

                   عضَضْتُ أناملي وقرعْتُ سِنِّي

يظنُّ النَّاسُ بي خيراً وإنِّي

                   لَشرُّ النَّاسِ إنْ لمْ تعفُ عنِّي

تعليقات

تعليقات