اتصف بها أبرز الشعراء منذ أقدم العصور

الحكمة.. عصارة أفكار صبغت قصائد أمير الشعراء

انفتحت الثقافة العربية على أشكال أدبية متنوعة، مثَّلت مساحات حرَّة للتعبير الإبداعي، ومع ذلك، ظل الشعر ديوان العرب وفنَّهم الأول، الذي حفظ لغتهم وخلَّد أخبارهم وبصمتهم الثقافية المميزة، فكان ولا يزال مسرحاً يُظهرون فيه قدراتهم البلاغية المتفاوتة، وبراعاتهم التصويرية المدهشة. وفي هذا الشهر المبارك، تصطحب «البيان» قارئها إلى عوالم نصوص شعرية، خاصة، ترتسم فيها روعة البلاغة لنحلق معها في فضاء البيان الأدبي.

 

الحياة في نظر الإنسان صفحات بيضاء، لا يرى سطورها قبل أن تُكتب، ولا يتنبَّأ بما في أفقها حتى يكون أمراً واقعاً، لكنَّ تسابق الليل والنهار، وتكرار الأحداث والوقائع، وتشابه الأشخاص والمشاهد، تُكسبه قدرة على فهم سنَّة الحياة، وتمنحه علماً خاصاً يتوقع به بعض ما يجري في الدنيا، وتزداد بصيرته حدَّةً ونفاذاً، فيبصر الأمور على حقيقتها، حينها يكون قد أوتي الحكمة.

لا يمكننا أن نحدِّد على وجه الجزم متى ظهر فن الحكمة في الشعر العربي؛ إذ نلحظ أن الحكمة كانت حاضرة في أشعار العرب منذ النشأة وعلى مر العصور الأدبية حتى عصرنا الحاضر، ولا عجب من ذلك إذا نظرنا إلى الشعر بوصفه عملاً فكرياً ينتج عن جهد عقلي، يسعى من خلاله الشاعر إلى تقديم عصارة تفكُّره في كل ما يحيط به، عندها نعلم أن الشعر والحكمة وجهان لعملة واحدة، ويؤيد ذلك ما نراه من تلاحم بين الشاعرية والحكمة في نصوص شعراء كثر، فرَّقهم الزمن وجمعهم الشعر، كزهير بن أبي سلمى ولبيد بن ربيعة وجرير والمتنبي وأبي العلاء المعري وأحمد شوقي.

ولقد تنوَّعت الطرائق التي يصوغ بها الشعراء حِكَمهم، فمنهم من يختتم قصيدته بأبيات معبَّأة بخلاصة تجاربه الحياتية، ويسوقها في صورة نصائح وإرشادات تأخذ بأيدي الناس إلى الطريق القويم، وينظمها على هيئة جُمَل شرطية مترابطة الأسباب والنتائج، كما صنع زهير بن أبي سلمى في ختام معلقته:

ومَنْ يَكُ ذا فضلٍ فيبخلْ بفضلِهِ

                          على قومِهِ، يُستغنَ عنْهُ ويُذمَمِ

ومَنْ هابَ أسبابَ المنيَّةِ يلقَها

                           ولو رامَ أسبابَ السماءِ بسُلَّمِ

ومهما تكُنْ عندَ امرئٍ مِنْ خليقةٍ،

                           وإنْ خالها تخفى على الناسِ، تُعلَمِ

ومن الشعراء من استعاض عن المقدمة الطللية التي جرى العُرف أن يفتتح بها الشعراء قصائدهم، بمقدمة حِكَمية، يضمِّنها خبراته في مُعاركة الحياة، والتغلغل في فهم طباع الناس وأخلاقهم، ووضع نقاط واضحة تعين السائر في طريق الدنيا على تلافي عقباتها، كما اشتهر ذلك في مقدمات شعر أبي الطيب المتنبي، ومنها قوله:

كفى بكَ داءً أنْ ترى الموتَ شافيا

                           وحسْبُ المنايا أنْ يكُنَّ أمانيا

تمنَّيْتَها لـمَّـا تمنَّيْتَ أنْ ترى

                           صديقاً فأعْيا أوْ عدوّاً مُداجيا

إذا كُنتَ ترضى أنْ تعيشَ بذلَّةٍ

                           فلا تسْتَعِدَّنَّ الحسامَ اليمانيا

فما ينفعُ الأُسْدَ الحياءُ مِنَ الطَّوى

                          ولا تُتَّقى حتى تكونَ ضَوارِيا

ويتفنَّن فريق من الشعراء في سَبْك حكمتهم ممزوجةً بمعانيهم الشعرية، فتقع في خضم صورهم وتخييلاتهم، لتؤازر أفكارهم المحلِّقة، وتضفي عليها مسحة من العقلانية والمنطق، وتبدو الحكمة آنذاك كإشارة تنبِّه المتلقي، وتربط بين عناصر النص الشعري، ونرى هذا متكرراً بكثرة عند أمير الشعراء أحمد شوقي، ولعل من أظهر الشواهد قصيدته المطوَّلة «كبار الحوادث في وادي النيل»، التي تخلَّلتها الحكمة في مواضع متعددة، فهو يسترسل فيها حاكياً أحداث التاريخ ووقائعه، بلغة تجمع بين تكثيف الشِّعر وسلاسة السرد، فيروي مثلاً ما عمَّ البلاد من الظلم والجهل والضلال بعدما هرمت الدولة الرومانية، قائلاً:

أظلمَ الشَّرقُ بعدَ قيصرَ والغرْ

                           بُ، وعمَّ البريَّةَ الإدجاءُ

فالورى في ضلالِهِ مُتَمادٍ

                          يفتكُ الجهلُ فيهِ والجُهلاءُ

وتولَّى على النفوسِ هوى الأَوْ

                          ثانِ، حتى انتهتْ لهُ الأهواءُ

فرأى اللهُ أنْ تُطهَّرَ بالسَّيْــ

                         ــفِ، وأنْ تغسِلَ الخطايا الدِّماءُ

وهنا يتوقف شوقي عن السرد، مؤكداً رؤيته للأحداث بحكمته البليغة، ومرسلاً مثلاً من أمثاله الشعرية الجديرة بالحفظ، ليُبرِّر قضية القتال التي يرى فيها خلاصاً من الظلم، وتضحيةً بالعناصر الفاسدة في المجتمع، في سبيل حياة طيبة نقية:

وكذاكَ النُّفوسُ وَهْيَ مِراضٌ

                        بعضُ أعضائها لِبعضٍ فِداءُ

تعليقات

تعليقات