كأس العالم 2018

فكرة شعرية أغرت المتمكّنين من الشعراء

التفاؤل.. أمل نابت على ضفاف نهـر الإيمان

انفتحت الثقافة العربية على أشكال أدبية متنوعة، مثَّلت مساحات حرَّة للتعبير الإبداعي، ومع ذلك، ظل الشعر ديوان العرب وفنَّهم الأول، الذي حفظ لغتهم وخلَّد أخبارهم وبصمتهم الثقافية المميزة، فكان ولا يزال مسرحاً يُظهرون فيه قدراتهم البلاغية المتفاوتة، وبراعاتهم التصويرية المدهشة. وفي هذا الشهر المبارك، تصطحب «البيان» قارئها إلى عوالم نصوص شعرية، خاصة، ترتسم فيها روعة البلاغة لنحلق معها في فضاء البيان الأدبي.

تلك الومضة التي تشع في نفسك حالَما تسودُّ في عينيك ملامح الدنيا، فتعلم أن وراء الظُّلمة الحالكة شموساً لن تغيب، وترى في الأفق البعيد أبواب رحمة لا حصر لها، وتكاد تتلمَّس أحداث المستقبل المشرق ووقائعه، هي إحساس من الأمل النابت على ضفاف نهر الإيمان، يجعلك تنفض عن قلبك غبار اليأس، وتتقبَّل الحياة كما هي، وترضى بالأقدار المحتومة تسليماً بحكمة مصرِّفها.

شعرنا العربي صورة طبق الأصل من واقعنا المعيش، فيها مثل ما في الحياة من ألوان زاهية وقاتمة، وجوانب ناصعة وأخرى بها رتوش، ولعل في هذا دليلاً دامغاً على الصدق الفني الذي تميز به معظم شعرائنا على امتداد التاريخ، حتى إننا لنرى كثيراً منهم ينظمون الشعر كأنهم يتكلمون، ويُصوِّرون لحظات فرحهم كأنهم يضحكون، ويُعبِّرون عن مآسيهم كأنهم يبكون، ونلمح في أعمالهم البديعة قدرة عالية على البوح والتغني، نكاد لها أن نجزم بأنهم لم يعانوا في صياغتها، كما لا يعاني أحدنا في وصف شعوره بعفوية وبساطة.

ولقد كانت فكرة التفاؤل أحد الموضوعات الشعرية التي أغرت أولئك الشعراء المتمكنين، وربما حدا بهم إلى معالجتها شعرياً إيمانُهم بواجب الشاعر تجاه مجتمعه، ودوره الأصيل في الارتقاء بأخلاق أفراده نحو كل ما يسمو بالنفس البشرية، ويغرس فيها طباعاً راقية نبيلة.

وممن طرقوا هذا الغرض الشعري وتناولوه على نحو يجمع بين العمق وسهولة المأخذ، الشاعر اللبناني أحد شعراء مدرسة المهجر إيليا أبو ماضي، والحق أنه أفرد له نصوصاً عدة، تفنَّن من خلالها في عرض الموضوع برؤى مختلفة، تتعدد في أساليبها التعبيرية في حين تتفق في قوة الشاعرية، بحيث تضع قيمة التفاؤل في مُتناوَل كل قارئ بصرف النظر عن مستواه الثقافي، وعسانا نُحسن الاختيار من بين أشعاره الغزيرة عندما نلمس في قصيدته «ابتسم» تميزاً يجعلها ذات روعة خاصة ومذاق فريد، ويكمن ذلك في جودة نظمه لها في هيئة حوار بينه وبين أحد المتشائمين، الذي يطيل في استعراض أسباب الحزن والأسى، ليُبطلها الشاعر واحداً تلو آخر، ويدعوه إلى الابتسام في كل الظروف والأحوال:

قالَ: «السماءُ كئيبةٌ»، وتجهَّما

قلتُ: ابتسمْ، يكفي التجهُّمُ في السَّما

قالَ: الصِّبا ولَّى، فقلتُ لهُ: ابتسمْ

لنْ يُرجعَ الأسفُ الصِّبا المتصرِّما

قالَ: التي كانتْ سمائي في الهوى

صارتْ لِنفْسي في الغرامِ جهنَّما

خانتْ عهودي بعدما ملَّكتُها

قلبي، فكيفَ أُطيقُ أنْ أتبسَّما؟

قلتُ: ابتسمْ واطربْ، فلو قارنتَها

قضَّيتَ عُمرَكَ كلَّهُ متألِّما

هذه الانسيابية في التعبير ذات الأسلوب السهل الممتنع، تقابلها طرافة ذات حسٍّ ساخر، تتجلى لدى الشاعرة العراقية إحدى روَّاد قصيدة التفعيلة نازك الملائكة، إذ تطرح عبر نصٍّ بعنوان «خمس أغانٍ للألم»، مجموعة من التساؤلات، تحاول بها إيجاد حلول تُنهي ما يقاسيه البشر من الهموم والآهات، وبينما يقدِّم إيليا أبو ماضي إجابات شافية وحلولاً سريعة للمتألمين، تضع نازك نفسها ضمن من يكابدون الأحزان، بصفتها شاعرةً طغى التشاؤم على كثير من نصوصها، وتفكِّر معهم فيما يعتريهم جميعاً، لترسم بدعابة ورشاقة أدبية سبيلاً للسعادة والرضا:

أليسَ في إمكانِنا أنْ نغلبَ الألمْ؟

نرجئُهُ إلى صباحٍ قادمٍ أو أمسيهْ؟

نشغلُهُ؟ نُقنعُهُ بلعبةٍ؟ بأغنيهْ؟

بقصةٍ قديمةٍ منسيةِ النَّغمْ؟

يا إصبعاً أهدى لنا الدموعَ والنَّدمْ

مَنْ غيرُهُ أغلقَ في وجهِ أسانا قلبَهُ؟

ثمَّ أتانا باكياً يسألُ أنْ نُحِبَّهُ؟

ومَنْ سواهُ وزَّعَ الجِراحَ وابتسَمْ؟

تعليقات

تعليقات