الشكوى من الزمن.. هموم إنسانية جمعت الشعراء في ميدان البوح

انفتحت الثقافة العربية على أشكال أدبية متنوعة، مثَّلت مساحات حرَّة للتعبير الإبداعي، ومع ذلك، ظل الشعر ديوان العرب وفنَّهم الأول، الذي حفظ لغتهم وخلَّد أخبارهم وبصمتهم الثقافية المميزة، فكان ولا يزال مسرحاً يُظهرون فيه قدراتهم البلاغية المتفاوتة، وبراعاتهم التصويرية المدهشة. وفي هذا الشهر المبارك، تصطحب «البيان» قارئها إلى عوالم نصوص شعرية، خاصة، ترتسم فيها روعة البلاغة لنحلق معها في فضاء البيان الأدبي.

حياتنا تضاريس أحداث متباينة، ومشاعر لا تستقر على حال، فرح وحزن واشتياق وكآبة وانتشاء، كأنما هي أمواج متلاحقة لا ترسو على ساحل، ولا تتوقف عن الجريان صاعدة وهابطة، وعندما يصادفنا الأسى، نتصوَّر أن الواقع استحال عدماً، وأن عقارب الساعة ستكفُّ عن الدوران، وفي تلك اللحظة يضمحل إحساسنا بالأمل، وتتفلت من شفاهنا ألفاظ مُرَّة، ملؤها المبالغة في الحزن، لكنها مشحونة بالصدق.

على الرغم مما امتاز به شعراؤنا العرب من رجاحة عقل وتوقُّد ذهن ونفاذ بصيرة نجدها مشرقة في روعة ما نظموه من الأشعار البليغة، التي يظهر فيها أثر عمق التدبُّر في أحوال الحياة وسننها المطَّردة، فإن هذا كله لم يكن ليطمس ملامح إنسانيتهم الناصعة، بما تشتمل عليه من رهافة حسٍّ ورقَّة طبع، وميل إلى الوهن والضعف أحياناً من أهوال الحياة ومآسيها المضنية، مثل هذه العواطف المضطربة في نفوسهم أتاحت لنا ونحن نتذوق شعرنا العربي أن نطلع على جانب مختلف من قدراتهم الفنية له نكهته الخاصة، لنجد الشاعر وقد دنا إلينا من علو عبقريته الشعرية، يشاركنا ما نكابده في حياتنا في ساعات متباعدة وظروف مختلفة.

لحظة فارقة تُظلم فيها أجواء الدنيا في عينَيْ شاعر مُجيد من فحول شعراء العصر العباسي، هو أحمد بن الحسين، المكنى بأبي الطيب، الملقب بالمتنبي، في أثناء غربته في مصر بعيداً عن أهله وأصدقائه ونُدمائه، حيث بلغه أن قوماً نعَوْه في مجلس سيف الدولة بحلب، فتكالبت عليه الهموم، وأنطقته بنشيد من الآلام المتداخلة، والمشاعر المتشابكة، فنسمعه يتنقل من معنى إلى آخر، ذارفاً الدمعة إثر الدمعة، ومتردداً بين التجلُّد والخضوع، فها هو يكشف عن كبرياء نفسه واستعظام قدْرها الذي يراه فوق قدْر الزمن وقدرته، ويحثُّ نفسه ومن حوله على أن لا يعبؤوا بمتاعب الحياة التي لا يطول فرحها، ولا يُغيِّر الحزن فيها الأقدار، في حين تعمى عينه عن روعة الفتنة والجمال، رافضاً العيش في أوهام من الحب والغرام التي لا تساوي قلبه الذي لا يُشترى أو يباع:

بِمَ التعلُّلُ لا أهلٌ ولا وطنُ

                     ولا نديمٌ ولا كأسٌ ولا سكنُ

أريدُ مِن زمني ذا أنْ يُبلِّغَني

                     ما ليسَ يبلُغُهُ مِنْ نفسِهِ الزَّمنُ

لا تلقَ دهرَكَ إلا غيرَ مكترثٍ

                     ما دامَ يصحبُ فيهِ رُوحَكَ البدنُ

فما يدومُ سرورٌ ما سُرِرْتَ بهِ

                     ولا يردُّ عليكَ الفائتَ الحزنُ

تحمَّلوا حملتْكُم كلُّ ناجيةٍ

                     فكلُّ بَيْنٍ عليَّ اليومَ مُؤتمَنُ

ما في هوادجِكُمْ مِنْ مُهجتي عِوَضٌ

                     إنْ مُتُّ شوقاً ولا فيها لها ثمنُ

وإن تكن الأزمان والبلدان قد فرَّقت شعراءنا العرب، فإن الهموم الإنسانية المشتركة جمعتهم في ميدان واحد من البوح، فنُبصرهم يردد بعضهم أصداء بعض، ويطأ متأخرهم على وقع خطى السابق، فهذا ابن زيدون ينظر إلى الحمامة وينصت لهديلها، كأنها تعاني ما يعانيه:

هل تذكرون غريباً عادَهُ شجنُ

                         مِنْ ذِكْرِكُمْ وجفا أجفانَهُ الوسَنُ

يُخفي لواعجَهُ والشوقُ يفضحُهُ

                        فقد تساوى لديه السرُّ والعلَنُ

يا ويلتاه، أيبقى في جوانحِهِ

                        فؤادُهُ، وَهْوَ بالأطلالِ مُرْتَهَنُ

وأرَّقَ العينَ، والظلماءُ عاكفةٌ

                        ورقاءُ، قد شفَّها إذْ شفَّنِي حَزَنُ

فبِتُّ أشكو وتشكو فوقَ أيكتِها

                        وباتَ يهفو ارتياحاً بيننا الغُصُنُ

يا هل أجالسُ أقواماً أحبُّهُمُ

                        كنَّا وكانوا على عهدٍ فقد ظعنوا

تعليقات

تعليقات