النرجس والورد.. ملامح جمال وعبير تغنى بها الشعراء

النرجس والورد

انفتحت الثقافة العربية على أشكال أدبية متنوعة، مثَّلت مساحات حرَّة للتعبير الإبداعي، ومع ذلك، ظل الشعر ديوان العرب وفنَّهم الأول، الذي حفظ لغتهم وخلَّد أخبارهم وبصمتهم الثقافية المميزة، فكان ولا يزال مسرحاً يُظهرون فيه قدراتهم البلاغية المتفاوتة، وبراعاتهم التصويرية المدهشة. وفي هذا الشهر المبارك، تصطحب «البيان» قارئها إلى عوالم نصوص شعرية، خاصة، ترتسم فيها روعة البلاغة لنحلق معها في فضاء البيان الأدبي.

 

الجمال قيمة عليا تتفق عليها عقول البشر، وتؤمن بها إيمانها بالحق مقابل الباطل، وتميل أهواء القلوب إليها بلا نصيحة أو إرشاد، هو الفطرة التي ارتضتها النفوس قبل أن تخرج إلى الوجود، وهو الحقيقة التي تحكم بها من دون بيِّنة ولا برهان، ولكنْ تبقى صور الجمال في العيون عصيَّةً على الإحصاء، وتظل تفاصيله مركَّبةً من عناصر لا يمكن حمل الآراء فيها على تصوُّر واحد.

لم يكن شعراؤنا العرب بمنأى عن هذه الجدلية المحيِّرة تجاه قضية الجمال وتعدد صوره، فها هي رؤاهم الإبداعية، التي خلَّدتها صفحات التراث الأدبي، تمثل أمامنا شاهدةً على تنوُّع فلسفاتهم في فهم الروعة الجمالية وطرائق تعاطيهم لها شعريّاً، ولأن العقل بمنطقه الصارم وقواعده الجافة ليس طرفاً في مثل هذه النزاعات، كان لزاماً على الشعراء أن يجنحوا في معانيهم التي انتهجوها في نصوصهم العالية إلى الاعتماد على حُجج حسيَّة، تُعلي من شأن الجمال الذي صوَّروه وفق خيالاتهم، من خلال تأويلات تضع الفكرة العاطفية في هيئة منطق عقلي، وهنا برزت قدراتهم التخييلية التي تسحر الألباب بعيداً عن مدى اتفاق أي منَّا مع ما طرحوه في أشعارهم البديعة.

وخلال رحلة البحث في دواوين الشعر العربي الحافلة بما يدعو إلى الزهو والافتخار، نقع على قطعة شعرية لشاعرنا العباسي ابن الرومي، هي خير مثال على ما نحن بصدده، تنتظم ضمن ما عُرف في ثقافتنا الأدبية بـ«النَّوريات»، وهي أن يخصِّص الشاعر مقطَّعة أو قصيدة في وصف زهرة، على ألَّا يكون الوصف جزءاً من أوصاف أخرى كالروض أو نحو ذلك، وفي هذا النص الراقي يفضِّل ابن الرومي النرجس على الورد، مُظهراً، حسب رؤيته الخاصة، أمارات فضل إحدى الزهرتين على الأخرى:

خَجِلَتْ خدودُ الوردِ مِن تفضيلِهِ

                            خجلاً تورُّدُها عليهِ شاهدُ

لمْ يخجل الوردُ المورِّدُ لونُهُ

                            إلا وناحلُهُ الفضيلةَ عاندُ

فصلُ القضيةِ أنَّ هذا قائدٌ

                           زهرَ الرياضِ وأنَّ هذا طاردُ

ولا يقنع الشاعر بما يعرضه من وحي أفكاره السابحة في سماوات الخيال الواسع، بل يصطحبنا في جولة وصفية لا نعود منها إلا وقد سلَّمنا له بما يدَّعي، وخفضنا رؤوسنا إقراراً بقبول ما يزعم، يرسم فيها بأدوات بلاغته السامقة ملامح الجمال التي رآها بعيني بصيرته الشعرية الثاقبة، ليطبع في مخيِّلتنا حقيقة نكاد نراها بأُم أعيننا:

للنرجسِ الفضلُ المبينُ وإنْ أبى

                          آبٍ وحادَ عن الطريقة حائدُ

مِن فضلِهِ عندَ الحِجَاجِ بأنَّهُ

                          زهرٌ ونَوْرٌ وهْو نبتٌ واحدُ

يحكي مصابيحَ السماءِ، وتارةً

                          يحكي مصابيحَ الوجوهِ تَراصَدُ

ينهى النديمَ عن القبيحِ بلحظِهِ

                         وعلى المدامةِ والسماعِ مُساعدُ

أينَ العيونُ مِن الخدودِ نفاسةً

                         ورياسةً لولا القياسُ الفاسدُ؟

إن المقدرة الشعرية في الوصف التي يفوح عبيرها من خلال هذه الأبيات تُحدث صدى عميقاً في نفوسنا، وتروي أحاسيسنا بما حفلت به من جزالة ألفاظ ورقَّة معانٍ وروعة تصوير، إلا أنها انعكست في نفوس شعرائنا العرب تحفيزاً واستنهاضاً على أن يأتوا بما يعارضها في الجودة وعلوِّ الشأن، فكان أبو الحزم بن جهور ممن برز مدافعاً عن الورد ومفضِّلاً له على النرجس، فقال:

الوردُ أحسنُ ما رأتْ عيني وأَذْ

                        كى ما سقى ماءُ السحاب الجائدُ

خضعتْ نواويرُ الرياضِ لحسنِهِ

                        فتذلَّلتْ تنقادُ وَهْيَ شواردُ

وإذا تبدَّى الوردُ في أغصانِهِ

                       يزهو، فذا ميتٌ، وهذا حاسدُ

وإذا أتى وفدُ الربيعِ مبشراً

                      بطلوعِ صفحتِهِ فنِعْمَ الوافدُ

وإذا تعرَّى الوردُ مِن أوْراقِهِ

                      بقيَتْ عوارفُهُ فهنَّ خوالدُ

تعليقات

تعليقات