تظل الفكرة سراً في فؤاد من أُلهم بها، كأنما هي سراب يتألق في أفقه البعيد، ويبقى يغمغم بها في محراب ذاته، عاجزاً عن كشفها وإغواء غيره بحبها المكنون بين جوانحه، حتى إذا تلبَّس شبح تلك الخاطرة بما يليق بها من اللفظ، حان أوان ميلادها، فأخذ صاحبها يرسم ملامح وجهها بما ينسكب من طرف القلم الذي يبدو برزخاً بين الوهم والحقيقة.
لعل هذا التصوُّر هو الذي أغرى كثيراً من شعرائنا العرب بأن يتخذوا من القلم موضوعاً شعرياً تتناوشه قرائحهم على تفاوت قدراتهم وعبقريات عقولهم، فمضى كل منهم بخياله الوثاب في تعاطي تلك الفكرة الأدبية على أنحاء متنوعة واتجاهات شتى.
فإذا بالشاعر العباسي حبيب بن أوس الطائي، أبي تمام، خلال مدحه محمد بن الملك الزيات، وزير المعتصم، يستهويه أن يتطرق إلى هذا الجانب الذي يميِّز شخصية الممدوح، الذي عُرف بعلمه باللغة والأدب ورسائله وكتاباته البليغة، لذا يتَّجه الشاعر بفكره إلى القلم ليبالغ في تصويره أيما مبالغة، ليكون ما يصوغه في مدح القلم مدحاً لصاحبه، فإذ بنا نرى القلم وقد استحال في يد أبي تمام شخصاً آخر وممدوحاً غير الممدوح:
لكَ القلمُ الأعلى الذي بشَباتِهِ
تُصابُ مِن الأمرِ الكُلى والمفاصلُ
لُعابُ الأفاعي القاتلاتِ لُعابُهُ
وأريُ الجنى اشتارتْهُ أيدٍ عواسلُ
له ريقةٌ طَلٌّ ولكنَّ وقْعَهَا
بآثارِهِ في الشرقِ والغربِ وابلُ
ويستغلُّ أبوتمام المفارقة الأولى بين فناء الفكرة وميلادها، معبراً عنها بالمفارقة بين العُجمة والفصاحة، فالقلم في خيال الشاعر كشأن كل الجمادات لا يُحسن خطاباً ولا يحير جواباً، لكنه إذا عزم الرحيل في طرقات السطور على متن يد الممدوح، وانهالت عليه الأفكار المتوالدة من الخواطر الحبلى بالتأملات والشجون، وجب على أطراف الأصابع طاعته، وانهزمت أمام سلطته الجيوش الزاحفة:
فصيحٌ إذا استنطقتَهُ وهْوَ راكبٌ
وأعجمُ إنْ خاطبْتَهُ وهْوَ راجلُ
إذا ما امتطى الخمسَ اللِّطافَ وأُفرغَتْ
عليهِ شعابُ الفِكرُ وهْيَ حوافلُ
أطاعتْهُ أطرافٌ لها وتقوَّضَتْ
لِنجواهُ تقويضَ الخيامِ الجحافلُ
لقد حفظت لنا صفحات التراث الشعري نماذج متعددة حاول أصحابها مضاهاة ما أبدعه أبوتمام في وصف القلم، منها ما حاوله ابن عبدربه الأندلسي في كتابه «العقد الفريد»، في قصيدته الرائية:
بكفِّهِ ساحرُ البيانِ إذا
أدارَهُ في صحيفةٍ سحرا
ينطقُ في عجمةٍ بلفظتِهِ
نُصَمُّ عنه ويُسمعُ البصرا
نوادرٌ تُقرعُ القلوبَ بها
إنْ تستبنْها وجدتَها صورا
إذا امتطى الخنصرين أذكر مِنْ
سحبانَ فيما أطالَ واختصرا
يخاطبُ الغائبَ البعيدَ بما
يخاطبُ الشاهدَ الذي حضرا
ترى المقاديرَ تستدفُّ لهُ
وتُنفذُ الحادثاتُ ما أمرا
ويُلاحظ أن ابن عبدربه سعى في صنيعه إلى استثمار معاني أبي تمام الشعرية، فالقلم عند الشاعرين يمجُّ ريقةً قليلة، لكنَّ أبا تمام استمد صورته من الطبيعة، فجعل الريقة عندما يمجُّها القلم طَلّاً، ثم تتضاعف فتصبح وابلاً، كما أن القلم عند أبي تمام ناطق فصيح إذا كتب، وأخرس أعجم إذا تُرك، أما ابن عبدربه فلم يعقد تلازماً بين الفصاحة والنطق، وبين العجمة والصمت.
فاختلفت الصورة عند الشاعرين، بينما حاز ابن عبدربه قصب السبق حينما شبَّه القلم بسحبان، ذلك الخطيب المفوَّه، فجاءت صورته واقعية أقرب إلى خيال المتلقي، أما قلم أبي تمام فبدت صورته غير متلائمة لعدم الانسجام بين القلم والفارس.
شذرات
انفتحت الثقافة العربية على أشكال أدبية متنوعة، مثَّلت مساحات حرَّة للتعبير الإبداعي، ومع ذلك، ظل الشعر ديوان العرب وفنَّهم الأول، الذي حفظ لغتهم وخلَّد أخبارهم وبصمتهم الثقافية المميزة، فكان ولا يزال مسرحاً يُظهرون فيه قدراتهم البلاغية المتفاوتة، وبراعاتهم التصويرية المدهشة.
وفي هذا الشهر المبارك، تصطحب «البيان» قارئها إلى عوالم نصوص شعرية، خاصة، ترتسم فيها روعة البلاغة لنحلق معها في فضاء البيان الأدبي.
