انفتحت الثقافة العربية على أشكال أدبية متنوعة، مثَّلت مساحات حرَّة للتعبير الإبداعي، ومع ذلك، ظل الشعر ديوان العرب وفنَّهم الأول، الذي حفظ لغتهم وخلَّد أخبارهم وبصمتهم الثقافية المميزة، فكان ولا يزال مسرحاً يُظهرون فيه قدراتهم البلاغية المتفاوتة، وبراعاتهم التصويرية المدهشة. وفي هذا الشهر المبارك، تصطحب «البيان» قارئها إلى عوالم نصوص شعرية، خاصة، ترتسم فيها روعة البلاغة لنحلق معها في فضاء البيان الأدبي.
مع دنوّ مطلع كل شهر هجري، تتشوف العيون إلى الأفق البعيد، مترقبةً طلعته المتلألئة، فإذا أصابت منظره في كبد السماء، استبشرت بقدوم شهر الصيام والرحمة والعتق من النار، أو ابتهجت بفرحة العيد السعيد، يرى كلٌّ فيه أحلامه وأمنياته، ويتأمل حسنه وجماله، ويحب أن ينظر إليه برؤيته الخاصة، لكنَّ القليل مَن يُحسن وصْف تصوُّراته ورؤاه، أو يجيد رسم تخيُّلاته بالكلمات البليغة.
تفنَّن شعراؤنا على امتداد تاريخ الشعر العربي في تناول الهلال بإبداعاتهم الراقية، وكان لكل شاعر منطقه الذي يعتمد عليه، مصوِّراً ما التقطته عينه من ملامح الروعة الخلَّابة. فهذا عبد الله بن المعتز، يبثُّ لنا في قصائد متعددة من شعره الغزير، صوراً متباينة للهلال، كلها خطرت في باله ووقعت في بؤرة شعوره في أحوال شتى وظروف متباعدة؛ فتارةً يتخيله زورقاً صُنع من الفضة الخالصة، يحثُّ السير في خضم أمواج عاتية، هي تلك الظلمة القاتمة التي تحيط بأرجاء السماء وجوانبها الشاسعة، ويخلع عليه من نسْج أوهامه البديعة صورة يجعله بها ممتلئاً بالعنبر الذي أتعب مسيره وأبطأ جريانه:
أهلاً بفِطرٍ قدْ أهلَّ هلالُهُ
فالآنَ فاغْدُ إلى الصِّحابِ وبَكِّرِ
انظرْ إليه كزورقٍ من فضةٍ
قد أثقلتْه حمولةٌ مِن عنبرِ
وتارةً أخرى، نراه يقع على تشبيه نادر، حين يعقد علاقة بين صورة الهلال، وقد لمع نوره حتى أوشك أن يفضح ستر الليل المسدل على الدنيا، وبين قلامة الظفر:
ولاحَ ضوءُ هلالٍ كادَ يفضحُنا
مثل القلامة قد قُدَّتْ مِن الظفرِ
وفي مشهد آخر، يتبدَّى الهلال من خلال شاعرية ابن المعتز وقد مزّق ثياب الظلام الدامس، كأنما هو منجل فضيٌّ، ومن حوله النجوم كزهور النرجس يحصدها واحدةً تلو أخرى:
انظرْ إلى حُسْنِ هلالٍ بدا
يهتكُ مِن أنوارهِ الحِنْدِسَا
كمنجلٍ قد صيغَ مِن فضةٍ
يحصدُ مِن زهرِ الدجى نرجسا
وإذا كان هذا الشاعر المشرقي قد امتاز بهذه القدرة العالية على التصوير، فإن بيئة الأندلس بطبيعتها الساحرة كانت ميداناً خصباً للمزيد من البراعات الشعرية التي لا حدَّ لها، وقد نبغ فيها شعراء مجيدون كثر كابن خفاجة الأندلسي، الذي يرسم هذه الصورة البهية للهلال في لحظة غروب الشمس:
واهتز عِطفُ الغصنِ مِن طربٍ بنا
وافترَّ عن ثغر الهلالِ المغربُ
فكأنه والحسنُ مقترنٌ بهِ
طوقٌ على بُردِ الغمامةِ مُذهَبُ
بينما يكتفي أمير الشعراء أحمد شوقي في العصر الحديث بأن يقف صوب الهلال متدبراً أحداث الدهر التي مرَّت منذ بدء الخليقة، كيف كانت؟ وأين جرت؟ وإلامَ انتهت؟ متعجباً من كرّ الليالي وتكرارها، وكأنه يرى في الهلال شاهداً على كل العصور:
سنونَ تُعادُ ودهرٌ يعيدْ
لعمرك ما في الليالي جديدْ
أضاءَ لآدمَ هذا الهلالُ
فكيف تقولُ: الهلال الوليدْ
نعدُّ عليه الزمانَ القريبَ
ويحصي علينا الزمانَ البعيدْ
على صفحتيه حديثُ القُرى
وأيامُ «عادٍ» ودنيا «ثمودْ»
ومِن عجبٍ وهْو جَدُّ الليالي
يُبيدُ اللياليَ فيما يُبيدْ
