مارك بلاين: أجندة دبي الفنية تحفّز التفاعل الإبـداعي بين ممثلي ثقافات العالم

نافذة على الآخر تُروى من خلالها شهادات شخصية ورؤى إنسانية، تسرد قصصها في زيارتها الأولى لمدنها العامرة بالعطاء، في نسيج متداخل يغزله الفرح، وتشد أطرافه ألوان التواصل الحضاري التي تعكس صورة مجتمع مترابط الصفوف، تسري في أوصاله طاقة الأمل واستشراف المستقبل النابعة من قلب الإمارات النابض باحترام الآخر.

حفزت الفعاليات الثقافية، التي تطرحها دبي عبر مبادراتها على مدار العام، مارك بلاين والعديد من الزائرين على زيارتها في جميع فصول السنة، نظراً لذلك الكم الهائل من المشاريع والفنون التي تدعم أنماطها العديد من الجهات القائمة على تلك المنظومة الغنية بالأفكار والأطروحات، التي تناقش القضايا المعاصرة برؤية شبابية معاصرة، نابعة من تمازج مجتمعها متعدد الجنسيات والثقافات، التي هي بمثابة منارة حضارية للتواصل العالمي.

جماليات البيئة

وفى السياق، يشير مارك إلى أنه من واقع عمله كفنان تشكيلي، وفي كثير من المعارض الفنية التي جاءت بالتزامن مع فترة إقامته في دبي عام 2018، تظهر مدى ارتباط الفنانين الإماراتيين والقيمين بطبيعة مجتمعهم المتداخل الثقافات، والإشارة إلى ذلك برمزية عالية، من خلال تحوير الموضوع محل العمل بما يتماشى وغايته التعبيرية، فبفعل الخيال المبدع، يستعيد ما اختزنه في ذاكرته عن هذه الإشكال ليجسدها في خامته، محاولاً التقرب أو الابتعاد عما شاهده، وتكون صلة الفنان بما يحيطه من خامات محكومة بخلق علاقة ترابطية مع شكل وبنائية الفكرة المبتغاة، مستغلاً الباعث التعبيري لهذه الخامة.

معارض تفاعلية

ويعتقد مارك أن زيارة مثل تلك الفعاليات تمنح المتلقي مساحة حرة، نكتشف من خلالها أنفسنا وتربطنا بشكل أو آخر بجذورنا، فالفنون هي جسر التواصل الذي يسهم في تقريب وجهات نظرنا وحكمنا على الأمور من منظور فلسفي عميق، للتعبير عن الذات من خلال ورش العمل المشتركة التفاعلية، التي هي محصلة تفاعل الفنانين مع الشكل ومحاور المضمون، المرتكزة على استنطاق الخامات، واستلهام كافة العادات والتقاليد، واحترام الآخر ومعقداته التي تحمل بين طياتها رؤى جمالية لا بد من التوقف عندها، ومحاولة تطويع فكرتها من واقع طبيعة المجتمع، لضمان نشر تلك الثقافات بتوازن وانفتاح، يمكن لجميع أفراده تقبله؛ فالفن مطلق التأويل، وجمال العمل الفني محكوم بقوانين تماسكه وتناظره وتوازنه، وليس رهناً بالفنان صانع العمل وجنسيته ولغته.

حضور الموروث

وحول حضور البيئة والموروث الإماراتي في لوحات العديد من الفنانين المقيمين في دولة الإمارات، يقول مايك إن التدقيق في خصائص التشكيل الفني في الإمارات من خلال التراكيب، سواء كان جداراً أو واجهة أو منحوتة، يلتقي بداخلي مع الفهم الجمالي، الذي يبرز الأثر المشترك للفنون.

وهذا الأثر، ذو بعد حضاري اكتسب الكثير من القيم ذات الصبغة المحلية، التي تؤكد تحديد هوية العديد من الفنانين المتأثرين بروح المدن المعاصرة المحافظة على تراثها وموروثها العريق، بوصفه مفتوحاً على مسارات جمالية وشكلية.

حراك فني

ويرى مارك إن المؤسسات الفنية في دولة الأمارات القائمة على إدارة الحراك الثقافي الفني، والأكثر احتكاكاً بالجمهور العادي في المواسم المتعددة، والأفكار المبتكرة التي تقرها الحكومة، على دراية تامة بالمجتمع المحلى، الذي يتميز باهتمامه بتراثه وبيئته، ويحرص على أن تنعكس عاداته وتقاليده في تصرفاته، وحتى في مقتنياته، ولم يعد يبحث فقط عما تلمسه يداه.

بل أيضاً عما تشاهده عيناه، ومن هنا اهتمت قطاعات الفنون التشكيلية، بإخراج الفنان التشكيلي من دائرة المعتاد إلى دائرة الإبداع الواقعي أو التجريدي، وهذا ما يخلق المتعة للرسام، ويدفعه إلى التحمس أثناء عرض مراحل رسم اللوحة أمام الجمهور.

رسالة بصرية

يرى مارك عن تأثير الفن التشكيلي في ثقافة المجتمع الإماراتي، أنه اليوم يسأل عن الخامات المستخدمة لتحديد ملامح الفن المعروض، وهذا الاهتمام تكوّن من خلال تزايد المعارض والأنشطة المتواصلة على مدار العام، ومن خلالها أدرك الجمهور الفنون المعروضة، خاصة أثناء الاطلاع على أنواعها التجريدية والتعبيرية التي كانت غير مفهومة.

وقد بدأ المجتمع بشكل تدريجي يدرك جهود الفنان ويتفهم فنه، بعد أن كان يظن أن ممارسة الفنون بمختلف أنواعها سهلة، وتكونت لديه نظرة مسبقة بغض النظر عن خوض الدروس وشرح التقنيات التي لا تكتسب إلا بالخبرة والتجارب، كما أن العامل الجذاب للمتلقي يتحدد حسب اهتمامه بالمحور المطروح، فالمتلقي الذي لا يهتم باللوحات التشكيلية سوف يكتفي بالمشاهدة، وربما لن يسأل الفنان عن اللوحة، والمطّلع على الفن التشكيلي ربما سيناقش الفنان حول لوحته ويبدي رأيه فيها، أما الممارس للفن التشكيلي، الذي يملك نظرة أوسع حول الألوان والتفاصيل والموضوع المراد إيصاله إلى المتلقي، فسيكون التدقيق هو الأسلوب المتبع لإصدار ملاحظاته وتقييمه لعمل الفنان لما يحمله من معانٍ تعكس القيم الجمالية التي لا بد أن تمتاز بها اللوحة الواقعية، التي تمر بين أنامل الفنان عبر ريشته إلى أعين المتذوق للفنون ليتطور مستوى التأثير فيه، منتقلاً من مرحلة حب اقتناء الإبداع الواقعي إلى مرحلة إثارة الفضول المتسائل حول قيم هذا الإبداع وكيفية تحوله من مجرد فكرة إلى رسالة بصرية.

مقومات أصيلة

يقول مارك: تقع على عاتق الفنان مسؤولية الثقافة المجتمعية وتحديد الملامح الفنية الجديدة للعصر، التي قد لا يدرك المتلقي أبعاد زواياها الفنية، خاصة مع تداخلها وضم تفاصيل فنية أخرى ترتبط بالأبعاد الذهنية، كالرسم التجريدي الذي يحتاج إلى تدريس، ومن جانب آخر يجد مارك أن النموذج الإماراتي في التعايش والتعاون بين الجنسيات المتعددة الفكر والثقافات والمعتقدات يجسد مقومات أصيلة حافظ عليها الأجداد وتواصلت معها الأجيال الشابة وشمل محتوى جديدا ونوعيا يمكنه مواجهة التحديات، إلى جانب الثقافة المجتمعية السائدة التي تميل إلى الاعتدال والتوازن والتسامح والانضباط في السلوك والتفكير، وكل هذه العوامل تشجّع على التعايش الذي يستشعره أولئك الذين يعيشون على أرض الدولة، ممن ثمّنوا هذه الميزة التي جعلت الإمارات قبلة المصطافين والزائرين والمقيمين، الذين يشعرون بالرضا عن هذا البلد الذي يجسّد قيم المحبة والتكافل والتسامح.

في سطور

الاسم: مارك بلاين

العمر: 34

المهنة: فنان تشكيلي

الهواية: الصيد

الجنسية: فرنسا

شهر رمضان المبارك يعزز القيم المجتمعية القائمة على التسامح، التي يلمسها أبناء الجاليات متعددو الجنسيات، الذين مع الوقت أصبحوا لا يشعرون بالغربة أو الوحدة، فالبيوت تستقبلهم بفرح جم وكرم كبير، لتجربة روحانيات الشهر الفضيل ضمن أجواء من الإخاء والترابط القائم على المحبة المغموسة باحترام ثقافة الآخر، لإيجاد التأثير الإيجابي المتبادل، الذي يساهم في دمج كافة الحضارات والثقافات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات