المصمم فيليب أوفتيــش: العمارة التراثية ملحمة تاريخيــة لخصوصية الزمان والمكان

نافذة على الآخر تُروى من خلالها شهادات شخصية ورؤى إنسانية تسرد قصصها في زيارتها الأولى لمدنها العامرة بالعطاء، في نسيج متداخل يغزله الفرح وتشد أطرافه ألوان التواصل الحضاري التي تعكس صورة مجتمع مترابط الصفوف تسري في أوصاله طاقة الأمل واستشراف المستقبل النابعة من قلب الإمارات النابض باحترام الآخر.

تحمل العمارة الإماراتية الأثرية سحراً خاصاً لا يمكن تفسيره، وذلك بفضل تفاصيله الاستثنائية، التي تحمل بين طياته خصوصية الزمان والمكان، التي طالعها فيليب أوفتيش في كثير من المواقع السياحية عبر شبكة الإنترنت، وذلك بهدف قضاء عطلة مميزة مع ابنه الوحيد جوناثان، يزوران خلالها المعالم الحضارية والوجهات المميزة في دولة الإمارات، ومحاولة الاقتراب من تاريخ وتراث هذا البلد الذي صنع المعجزات والنهضة بأبنائه في شتي المجالات.

هوية إنسانية

ومن واقع عمله في مجال تصميم الديكور يقدر فيليب أوفتيش تماماً التفاصيل ومحاورها الإنسانية العميقة، التي تعبر عن هوية مواطني البلد الذي يزوره في كل مرة، وتأثير الرحلات الإيجابي على ثراء الأعمال الفنية، الذي يشرف على تنفيذها، ويستوحيها في كثير من الأحيان من مشاهدته وأسفاره، وبذلك يكتسب قيمة معنوية وفنية لا يمكن أن تقدر بثمن، كونها في كل مرة تحكي قصة أمكنة أو أشخاص علقوا في الذاكرة.

نمط الاستدامة

ويؤكد فيليب أن كل المعلومات التي تتناول العمارة الإماراتية، التي اطلع عليها من خلال أحد برامج مركز محمد بن راشد للتواصل الحضاري، جاءت غنية في تأويلاتها التاريخية بشدة ارتباطها بمكونات المجتمع، فهي لم تكن مجرد بيوت وأحياء ساكنة، بل أماكن حية نابضة، لا تزال تحمل عبق الماضي وعراقة التراث، والكثير منها اليوم خضع للترميم وإعادة التشييد، وتم تحويل الكثير منها إلى متاحف تفتح أبوابها أمام الزوار والسائحين للتجوال والاقتراب من حقائق وتفاصيل الحياه اليومية، وترتبط بروابط وثيقة بالبيئة والجغرافيا التي تحيط بها، وتستمد من المكان طابعها العام وملامح خصوصيتها، وهو ما مكنها من التكيف مع البيئة وأجوائها الحارة والمشمسة، وتدخل ضمن منظومة العمارة المستدامة عبر الزمن.

طراز تجريدي

ويعتقد فيليب أن تفاصيل بناء البيت التراثي الإماراتي مدهشة للغاية، ومحاورها تقوم على الخصوصية في جميع الأوقات، بالارتباط مع التقاليد والعادات المحلية، التي ترافقت مع نموذج مركز محمد بن راشد، الواقع بقلب حي الفهيدي، وهو أحد أهم وأقدم الأحياء بمدنية دبي، وتحديداً العقار رقم 26 في شارع المصلى، الذي يتميز بالبساطة والوضوح في الشكل العام والمزين بزخارف شديدة التأثر بفنون العمارة الإسلامية، إلى جانب التفاصيل الأخرى المستوحاة من تداخل الحضارات ودونها المعماريون والمهندسون، وتناقلها الناس عبر الأجيال واعتمدت في مجملها على الطراز التجريدي في الأشكال الهندسية أو النقوش النباتية واستخدام المخرمات الجصية، وستر النهايات العلوية للمباني باستخدام الأرابسك.

قيم التسامح

يقول فيليب: إن قيم التسامح والأخلاق التي يحرص عليها المجتمع الإماراتي تعد بمثابه بطاقة تعريفة لهوية دينية ثقافية رفيعة الشأن، وضعتني على مسافة قريبة من فهم جوهر الحياة في دولة الإمارات، التي تقوم على أساس معياري يعكس حياة تتميز بالأصالة والقوة والتميز، فالمواطنون والمقيمون يميلون في تواصلهم إلى تبادل مشاعر ومعايير يؤثر بعضها في بعض تأثيراً إيجابياً، يبلور مواقفهم النفسية والوجدانية، بغض النظر عن جنسياتهم وأديانهم، فقد وجد الفكر الأخلاقي عند المسلمين طريقة للتأثير على الفكر الأخلاقي على المستوى العالمي، ولا يزال هذا الفكر مسيطراً على سلوك المسلمين في الحاضر، ويعمل على صياغة حياتهم في المستقبل، ولم يكن الأمر كذلك إلا لكون هذا الفكر الإسلامي عالمي الطابع يعالج قضايا الحياة الإنسانية من منظور يسمو على النواحي القومية والعرقية والإقليمية.

مكونات أصيلة

الطين واللبِن كانت من أهم المواد المستخدمة في تشيد البيوت في أحياء دبي القديمة، إلى جانب «الصاروج»، والطين الأحمر، الذي استخدم كمادة عازلة للماء لذلك عمد السكان إلى تبطين الأسطح به، ويعد «الجص» من المواد المستخرجة من البيئة المحلية، التي تدخل ضمن قائمة المواد الإنشائية للعمارة ويستخدم كمادة رابطة للتكسية الداخلية والخارجية ولصب القوالب الزخرفية، أما الأخشاب فمنها ما هو محلي ومنها ما هو مستورد؛ يعتمد المحلي على جذوع الأشجار، ومن أهمها النخيل ومنتجاته الأخرى من جريد وسعف النخيل، وتستخدم كمادة إنشاء وتسقيف، أما المستورد فمنه أخشاب الشندل التي عادة ما تجلب من شرق أفريقيا، وتستخدم كدعائم للتسقيف، وقد شاع استخدام أخشاب المربع في فترة الأربعينيات وكانت تستورد من الهند.

وتستخدم في البناء أدوات القياس للتأكد من أن البناء مستقيم أفقياً وعمودياً، وكذلك لتحديد مقاسات الفتحات، وكان جسم الإنسان هو المصدر الأول للقياس حيث كان يتم استخدام الباع، وهو امتداد يدي إنسان مبسوطتين، والذراع هي طول يد واحدة، والشبر هو المسافة بين الإبهام والخنصر، والفتر وهو المسافة بين الإبهام والسبابة. واستخدم كذلك ميزان الماء لضبط استواء البناء، والمقياس لتحديد الفتحات والكوات، ونجد أيضاً أدوات النقش. الجدير بالذكر أن المسكن الطيني تميز بجدرانه السمكية، وهو غالباً ما يتكون من طابق واحد أو طابقين.

أنماط جديدة

يعتقد فيليب أن التطور السريع للتكنولوجيا لعب دوراً كبيراً في إنتاج نصوص معمارية امتازت بالتغيير والتطور في الجوانب الشكلية والفكرية، فظهرت أنماط شكلية جديدة من المباني التي تحمل روح العصر من النواحي التقنية، سواء كان ذلك في عملية التصميم أو الإنشاء وقد ظهرت العديد من المشاريع المعمارية التي تحمل قيم شكلية معاصرة نابعة من مفاهيم التكنولوجيا، كما برز دور كل من القيم الجمالية والقيم الديناميكية) العالقات بين الموروث والمعاصرة في الإشارة إلى آلية التجديد وإعادة صياغة النتاج. وهذا يرتبط بشكل أساسي بمدى تغير الصور البصرية للنتاج المعماري في سبيل الوصول لعمارة محلية معاصرة، تستند بشكل كبير إلى أثر التأصيل التكنولوجي.

في سطور

الاسم: فيليب أوفتيش

العمر: 40

المهنة: مصمم ديكور

الهواية: السباحة

الجنسية: فرنسي

يعتقد فيلب أن دولة الإمارات تؤمن كل الإمكانات والظروف للحفاظ على مجتمع متماسك عبر احتضانها لكل الثقافات، وتحرص على اعتبار هذا التنوع قيمة مضافة وتشجع تكوين العلاقات الوثيقة وإيجاد الروابط المشتركة ونقاط الالتقاء المغلف بقدر كبير من التسامح والمشاعر الإنسانية المستندة إلى روح التكاتف والصداقة الخالصة. ويبدي المجتمع الإماراتي ديناميكية كبيرة في استيعاب الاختلاف واللقاء بين حالات التنوع تحت مظلة واحدة، دون وجود حواجز، فالإنسانية والتسامح هما معيار التوازن وميثاق بناء هذه الدولة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات