مارسيلا: البرقع رداء الحشمة وبهـاء التقـاليد الإمـاراتيـة

نافذة على الآخر تُروى من خلالها شهادات شخصية ورؤى إنسانية تسرد قصصها في زيارتها الأولى لمدنها العامرة بالعطاء، في نسيج متداخل يغزله الفرح وتشد أطرافه ألوان التواصل الحضاري التي تعكس صورة مجتمع مترابط الصفوف تسري في أوصاله طاقة الأمل واستشراف المستقبل النابعة من قلب الإمارات النابض باحترام الآخر.

الحلوى ترتبط بمواسم الفرح والمناسبات السعيدة، ولكن التمور هي حلوى تقدم كل يوم كأسلوب حياة يدعو للتفاؤل حيث تؤكد مارسيلا غوميس أنها بلا شك، توثق لذلك الارتباط العميق للشعب الإماراتي بالنخلة التي تعكس في صلابتها وقوة احتمالها لكل الظروف المحيطة برؤيتهم للحياة وفى رقتها وعطائها نسيجها الإنساني والمجتمعي، القائم على التوازن بين الجنسين، والإيمان الكامل بدور النساء الفعال ضمن منظومة التأسيس والبناء وهن يتوارين في حياء الهيبة خلف براقعهن في الماضي، والتي تمثل رداء الحشمة وبهاء التقاليد القبلية المتوارثة.

منظور فلسفي

وتضيف مارسيلا خلال زيارتي لمركز محمد بن راشد للتواصل الحضاري، الذي يهدف عبر رسائله الملهمة إلى تقريب وجهات النظر بين مختلف الثقافات والتعريف بالتقاليد المحلية، بدأت الجلسة التعريفية بتقديم القهوة والتمر كعنوان الترحاب والضيافة التي تحمل بين طياتها من وجهة نظري، انعكاساً للحياة بحلوها ومرها من منظور فلسفي، فمع أول رشفة من فنجان القهوة المرة أستعيد جميع الصعاب والمواقف التي تحتاج إلى مواجهة مع الذات والتي أضافها مذاق التمر الحلو جانباً مشرقاً في حياتي ومضيت بإيجابية في تكوين شخصيتي وأسهمت في تطور حياتي المهنية كناشرة متخصصة في كتب الطفل.

هوية إنسانية

وتؤكد مارسيلا أن الخيال طالما كان صديقها الدائم ومستشارها الأول في اختيار ما يتم الموافقة على نشره من قصص الأطفال، والتي لا بد أن تحمل بين صفحاتها العديد من القيم والتقاليد التي تحفز على التسامح واحترام الآخر، في سبيل بناء هوية إنسانية منفتحة على كافة الثقافات، وفى الإمارات تعرفت على المعنى الحقيقي لهوية البرقع، المغمس بعراقة الاحتشام والذوق الرفيع الذي تتمتع به السيدة الإماراتية للتميز وتنفرد في أزيائها التي وبكل تأكيد عنوان للهوية، إلى جانب الشيلة التي تعزز تقديرها للثقافة المجتمعية المنبثقة من تعاليم الدين الإسلامي الذي كما فهمت من المرشدة رقية سلامة يحترم المرأة ويثمن دورها الفعال في تربية الأجيال وبناء النهضة المعاصرة، فهو يحثها أن تكون شريكة للرجل في تحمل كافة الواجبات العائلية والمجتمعية.

أناقة مبتكرة

وترى مارسيلا أن الفكرة من وراء ابتكار البرقع من قبل السيدات في الإمارات مثيرة للاهتمام، فإلى جانب أن وظيفته الأساسية هي وقاية الوجه من حرارة الشمس والغبار في حالة الظروف المناخية المتغيرة في الصحراء أو المناطق القريبة من الكثبان الرملية، فالبرقع أيضا ذو صلة وثيقة بالأعراف والموروث، وتختلف أشكاله في الطول والتصميم وفقاً للمنطقة أو القبيلة ومنها سميات بحسب التصميم الذي يصنع عليه مثل برقع العين، لفة زعبيل، وبرقع عيماني عجماني وبرقع العوامر نسبة لقبيلة العوامر، وبرقع شرجاوي (من الشارقة)، وبرقع دبي وغير،ولا ترتديه إلا المرأة المتزوجة في السابق، فقد كان لزاماً على الفتاة أن تغطّي وجهها به عندما يعقد قرانها، فلا تخلعه سوى أمام زوجها، بشكلٍ يشبه إلى حدٍّ ما، وضع الحجاب على الرأس، أي بهدف الوقار والسترة اللذيْن يعدّان جزءاً لا يتجزّأ من العادات والتقاليد التي تسري في المجتمع الإسلامي. ومازالت الجدات يحرصن على ارتدائه إلى اليوم.

تفاصيل فنية

يصنع البرقع من قماش (الشيل ) الذي يتميز بالمتانة والمرونة العالية، ويأتي مصبوغا باللون الأصفر والأخضر والأحمر وهو الأغلى سعراً بينهم الذي يسهم في تلوين البشرة والخدين بلون وردي لطيفة أشبه بمساحيق التجميل، وجرت العادة على استيراده من الهند، وتقوم النسوة عادة بخياطة هذه القماشة على هيئة برقع وفقاً لمقاسات الوجه والجبين وعمرها أيضا، ويحرص في تصميمه الاستثنائي على إخفاء معالم الوجه فوق العينين والخدين، مع إبقاء مساحة مريحة للعين ككل بشكل مستطيل طوله (16 سم) وعرضه (8 سم) يطوى من الوسط بعرض (2 سم) وتخاط الطية ثم تخاط الحواشي وتطوى حافتها للداخل، ثم تقص فتحتا (القرضة) عن العينين وتطوى حواش الفتحتين للداخل كما تطوى الحافات وتخاط للداخل وتوضع بطانة شاش من قماش قطني مخلخل النسيج من الداخل، وفى وقت لاحق تم إضافة البطانة لهذه القماش لمنع التصبغ ولتثبيت هيكل البرقع وامتصاص العرق، وكانت صبغة «النيل» تستخدم لصقل البرقع والحفاظ على جماله، وتتوسّط البرقع خشبةً خفيفة مصنوعة من عذق النخيل تدعى «السيف»، تدخل من منتصف الجبهة إلى آخر البرقع ويكون موقعها في المنتصف تماماً لتثبيت القطعة، وتكون على الأنف حين يتمّ ارتداء البرقع، بمساعدة خيوطٍ تدعى «الشبق» (أو الشبوج)، مصنوعة من شعر الماعز أو صوف الغنم وقد تكون من خيوط البلاستيك، وتمتدّ من طرفي البرقع ليربط في عقدةٍ خفيفة خلف الرأس.

موضة عالمية

تابعت العام الماضي عبر صحف الموضة احدث التصاميم التي تم طرحها ضمن أسبوع باريس للموضة ومن الملفت كان إطلاق دار كريستيان ديور مجموعتها لأزياء الهوت كوتور موسم ربيع 2018 مجموعة مميزة مستلهمة من أعمال الرسامة السريالية ليونور فيني، وتعاونت خلاله المديرة الإبداعية للدار ماريا غراتسيا مع مصمم القبعات الشهير ستيفن جونز لتصميم أقنعة الوجه الاستثنائية ليبدو العرض تحفة فنية سريالية متكاملة، وعلى ما يبدو أن الأخير استلهم بعضاً من تصاميم الأقنعة التي ظهرت في العرض من «البرقع» باللون الذهبي والأسود بالإضافة لأقنعة شفافة من قماش التول الناعم، وتلك ليست المرة الأولى التي نشاهد أو نطالع عن عروض أزياء ومصممين عالميين استوحوا من الثقافة الخليجية الكثير من تصاميمهم.

في سطور

الاسم: مارسيلا غوميس

العمر: 64

المهنة: ناشر

الهواية: رياضة اليوغا

الجنسية: البرتغال

المزج الجمالي بين التأثيرات الشرقية والغربية هو سحر استثنائي يغلف الأزياء الإماراتية التراثية الغارقة في البساطة والمنمنمات، نجحت في لفت انتباهي وحشد الإعجاب من جميع الحضور فهي توقد نوافذ الإبداع المكتمل الأركان والتي باتت اليوم تمزج بالمعاصرة عبر قنوات فنية وثقافية متعددة ساهمت في إثراء تجارب التصميم المحلية والتي تحمل شغف الابتكار والتجديد في صناعة الموضة والتي رسخت مكانه المرأة الإماراتية في كافة المجالات والأنشطة التي تؤكد دورها المجتمعي الفعال.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات