منويل.. الضيـافة الإماراتية تقاليد مولعة بالتفاصيل

نافذة على الآخر تُروى من خلالها شهادات شخصية ورؤى إنسانية تسرد قصصها في زيارتها الأولى لمدنها العامرة بالعطاء، في نسيج متداخل يغزله الفرح وتشد أطرافه ألوان التواصل الحضاري التي تعكس صورة مجتمع مترابط الصفوف تسري في أوصاله طاقة الأمل واستشراف المستقبل النابعة من قلب الإمارات النابض باحترام الآخر.

 

أتقن منويل نامبو فن النحت وعرف أسرار الصنعة منذ أن كان في السادسة عشرة من عمره، على يد زميل له ورثها عن أبيه، وهذه الصناعة لا تدخل فيها أي مواد غير الأخشاب، ويستغرق العمل فترات متباينة، فصناعة المركب تحتاج إلى أربعة أيام والعصي والأشياء الخفيفة سوى يومين، وكبرت معه كهوية إلى جانب عمله طاهياً متخصصاً في إعداد الحلويات، وفي سياق الحديث يقول منويل: قرأت كثيراً عن مهرجان المأكولات الذي يقام سنوياً في دولة الإمارات، وتصفحت العديد من المواقع التي تتحدث عن أنماط الضيافة الإماراتية المولعة بالتفاصيل، وطالما حلمت بزيارة دبي والتعرف إلى هوية المأكولات وطريقة إعدادها.

قيمة التسامح

قررت منذ أكثر من عامين زيارة دبي، ولاحظت خلال زيارتي أن قيمة التسامح تعلو على ما عداها من قيم، في مجتمع مركب إلى حد بعيد، ويحوي جنسيات تنتمي إلى كل دول العالم تقريباً، ومع هذا يمر كل شيء على ما يرام، قياساً بما يحدث في مجتمعات أخرى، تركيبتها السكانية أقل تعقيداً، ومع هذا تعاني من التعصب الشديد، إن الإمارات يعيش على ترابها أناس ينتمون لما يزيد على 200 جنسية من مختلف الأعراق والألوان والمذاهب والأديان يمارسون حرياتهم الدينية ويقيمون شعائرهم في معابدهم ويقومون بدورهم في خدمة الوطن بروح التسامح والتعاون، فمنهم العامل والتاجر والموظف والمزارع والخبير والطبيب والمهندس والمدرس والعاملون في غير ذلك من المجالات.

أكلات شعبية

يرى منويل أن المأكولات الإماراتية التقليدية تحظى بتنوع كبير وتجمع بين المعاصرة والموروث والدقة ومهارة الإعداد لأكلات شعبية خاصة تتوارثها الأجيال، ولا يزال المواطنون في هذه الدولة والمقيمون يتناولونها بكثير من الشهية والفخر، ويقبلون عليها دون غيرها عندما تقام الموائد في المناسبات والدعوات، وهي تراث جميل حافظ عليه أبناء الإمارات إلى يومنا هذا على الرغم من وجود الوجبات السريعة، في شهر رمضان كما شرحت لنا المرشدة يحرص الإماراتيون على استحضار روح وطقوس موائد آبائهم وأجدادهم، حتى يخيل للمرء أنه يشم رائحة أطباق قفزت فجأة من سبات الماضي لتحط رحالها فجأة على مائدة إفطار رمضانية في مطلع الألفية الثالثة، وهو استحضار لا يتم لأطباق الطعام التراثية وحدها، وإنما يجري استدعاء كل ما يحيط بهذا الطقس الديني والاجتماعي من أنشطة ترى الحياة وقد دبَّت فيها فجأة، ومن أبرز سماتها العمل الجماعي في تحضير المائدة الرمضانية، حيث تجتمع نساء معظم الأسر والأقارب وحتى الجيران، للاشتراك في تحضير أطباق الإفطار منذ فترة مبكرة من النهار تصل إلى ذروتها قبيل وقت قصير من موعد أذان المغرب.

 

نقطة التقاء

يؤكد منويل أن مدينة دبي تعد من المدن النامية والمتغيرة باستمرار التي لم تتجاهل ثقافتها العربية، فعبر الزمن وبمرور الوقت شهدت هذه المدينة توسعاً كبيراً وسريعاً، ولقد كان لفوزها بشرف تنظيم معرض إكسبو 2020 أثر كبير في التعريف بهذه المدينة، حيث إن هذا الحدث وضع دبي في دائرة الضوء في العالم ودفع القائمين عليها للعمل على جعلها أول وجهة حقيقية ذكية في العالم، ففي اليوم الذي يجري تعميق العولمة على نحو مستمر تتهيأ في العالم كثير من العناصر والظروف الصالحة لتمازج الثقافات؛ ومنها التبادلات الثقافية المكثفة والتمتع المشترك بالموارد والنقل المتبادل للمعلومات ونقل اللغة المشتركة للتكنولوجيا وتقنيات الإنتاج العلمي، في ضوء هذه العناصر والظروف تتفاعل الكتل الثقافية وتبقى معتمدة بعضها على بعض وتقدم إلى الأمام باستمرار، فإن الثقافة العربية الإسلامية ستتمازج بالتأكيد، كما كانت مع الثقافات المميزة الأخرى لتحقيق تطورها المتواصل‏.‏

 

في سطور:

الاسم: منويل نامبو

العمر: 33

المهنة: طاهٍ

الهوية: النحت

الجنسية: الإكوادور

يجمع تراث دولة الإمارات العربية المتحدة بين الأصالة العريقة والمعاصرة في آن واحد، ويرجع تراثها الذي يشتمل على مختلف المجالات المتنوعة إلى آلاف السنين، حيث تهتم الدولة بالحفاظ على التراث وتوريثه للأجيال القادمة، إلى جانب إحياء وتطوير التراث الذي يعود إلى الأجداد والآباء، وغرس قيم ومفاهيم العراقة والأصالة في نفوس الشباب ليتمكنوا من الربط بين الحاضر والماضي، وذلك من خلال عمل منظم ومنسق قائم في أساسه على تعريف كل من يزورها إلى تراثها.

مجلس الضيوف

سلَّطت المرشدة الضوء على العادات والتقاليد الإماراتية، حيث إن مراسيم الضيافة الكريمة عند أهل الإمارات تصاحبها عبارات الترحاب والبهجة بلقاء الضيوف، وإبداء السعادة بالزيارة التي قاموا بها وشكرهم الجزيل عليها، كما ناقشت المرشدة في إسهاب تفاصيل متنوعة عن مجلس الضيوف، وأهميته ومكانته في المجتمع، فهو المكان الذي يستقبل فيه صاحب البيت ضيوفه وزوّاره، إذ يأمر بتقديم القهوة لضيوفه، والقهوة في هذه الحال تعني تقديم الطعام والشراب للضيف، أو ما يسمى بالفوالة، إضافة إلى القهوة. وإذا كان الزائر في عجلة من أمره، أو أراد الاعتذار، يكتفي رب البيت بجلب (دلة) للقهوة فقط، غير أنه من النادر عند أهل الإمارات، وهم المعروفون بكرمهم وحسن ضيافتهم، النزول عند رغبة الضيف، إذا اعتذر عن تناول الطعام والشراب فيوافقونه ظاهراً ثم يقدمون له التمر، ثم دلة القهوة، ومن ثم الطعام، وتقدم القهوة في فناجين يديرها الساقي على الجالسين بيده اليمنى، وفي يسراه (الدلة)، فيبدأ بالزائر أولاً، إلّا إذا كان حاضراً من هو أجلُّ منه قدراً، فيقدم عليه أو يقدمه الزائر على نفسه والتي لا يجب أن تزيد على ثلث الفنجان، كما تطرّقت إلى البخور والعطور، إذ إن عادات الزيارة والضيافة عند أهل الإمارات، اليوم، لا تختلف كثيراً عنها في الأمس، فالضيف اليوم يستقبل من قبل مضيفه برشّ العطور.

فنجان القهوة

من الأشياء التي لفتت انتباهي خلال وجودي في جلسة مجلس محمد بن راشد للتواصل الحضاري، هو الشرح العميق لفكرة العادات المرتبطة بالضيافة والتي تتنوع باختلاف المناسبات والمواقف التي يمر بها الإنسان في حياته اليومية، أما اليد اليمنى فتحتضن الفناجين وتقدمها مملوءة بالقَدر المعتاد من القهوة إلى الضيوف، وإذا أعاد الضيف الفنجان بعد شربه دون أن يهزه أو يقول كلمة شكر تدل على الكفاية، عاد المقهوي مرة أخرى لصب القهوة له، وإذا اكتفى الضيف هز الفنجان أو تلفظ بكلمة «غنمت» التي تعني الشكر والاكتفاء. ومن آداب الشرب أن يتناول الضيف فنجانه باليد اليمنى، وقديماً كان لا يجوز للضيف رفض القهوة إلا بعد المرة الثالثة إذا كان حريصاً على عدم إهانة المضيف.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات