سبستيـان.. مفتـون بالغتـرة والعقال

نافذة على الآخر تُروى من خلالها شهادات شخصية ورؤى إنسانية تسرد قصصها في زيارتها الأولى لمدنها العامرة بالعطاء، في نسيج متداخل يغزله الفرح وتشد أطرافه ألوان التواصل الحضاري التي تعكس صورة مجتمع مترابط الصفوف تسري في أوصاله طاقة الأمل واستشراف المستقبل النابعة من قلب الإمارات النابض باحترام الآخر.

لم تكن يوماً رمال الصحراء مجرد محطات في مؤلفات المستشرقين التي قرأ بعضاً من تفاصيلها، ولكنها نجحت في شد اهتمام سبستيان نحو الاقتراب أكثر من فهم شخصية البدو وشبه الجزيرة العربية، فهي من وجهة نظره تمتلك كل مقومات الهيبة والوقار المعبر عن مكارم الخلاق، لم يتخصص في علم التاريخ ولكنه مطلع ومحب لثقافات الشعوب، ويجمع الكمَّ الهائل من المعلومات عن أهل المكان الذي قد يزوره يوماً منطلقاً من مدينته كوبنهاغن، لم يلتزم بحياة مهنية ذات إيقاع رتيب على حد قوله، لذلك فضل أن يمارس مهنة المدرس البديل لمادة الرياضيات لطلاب المرحلة الابتدائية في حالة غياب المدرس الأساسي، لا يحب أن يكون مقيداً بشيء، وكما وصف نفسه هو كالصقر حر طليق.

مؤلفات استشراقية

خلال وجوده ضمن الزائرين لمركز محمد بن راشد للتواصل الحضاري، في زيارته الأولى لدولة الإمارات، أراد سبستيان وعلى حد تعبيره أن يمتلك المعلومات الأولية التي قد تساعده كثيراً على فهم عمق وأصالة المجتمع الإماراتي وأصوله البدوية، ويقارنها بمطالعاته للمصادر الغربية التي قدمت أوراقاً بحثية مهمة من الناحية المنهجية والمعرفية بل والتاريخية من عمل فكري وثقافي ورحلاتي يتعلق بالمنطقة، ويكشف عن وتيرة وتحولات الرؤية الاستشراقية الغربية للإنسان والطبيعة والمجتمع والعادات والتقاليد المتعلقة بإنسان الصحراء عامة والإنسان البدوي على نحو خاص.

أنصت سبستيان لحديث المرشدة رقية التي تناولت الكثير من العادات والمورث وأجابت باقتدار على جميع الأسئلة التي انهالت من الحضور حول تقاليد الزواج والعلاقات الأسرية، وأهم المناسبات الاجتماعية وكيفية الاحتفال بها.

تراث الأزياء

خلال ذلك الوقت أحضر الموظف المساعد للمرشدة رقية العديد من الأثواب والملابس المغلفة وشرع في فض الغطاء البلاستيكي عنها كي يتسنى للجميع مشاهده تنوعها وبهاء ألوانها، ولكن معظمها كان من التصاميم النسائية، وهنا بادر سبستيان بتساؤلات متواترة وموجهة للمرشدة رقية، تدل على اهتمامه واطلاعه المسبق على أنواع الأزياء الرجالية وألوانها وهل هناك ما يلبس في مناسبات الزواج أو الأعياد، فأجابته المرشدة رقية من حيث انتهى قائلة: أهم ما يتم مراعاته في التصاميم التي يستخدمها الرجال في الأزياء هي الأقمشة والألوان التي تراعي حرارة الطقس وكثرة الحركة وكذلك تكون الأقمشة خفيفة وقطنية.

تفاصيل الكندورة

أضافت رقية: يتكون الزي الرجالي الإماراتي من عدة قطع مثل العقال، والذي يصنع من الصوف، وله عدة ألوان أشهرها هو الأسود، وكذلك الغترة والتي يثبت عليها العقال، أما الكندورة فهي الثوب الرسمي للأزياء الرجالية في الإمارات له ثلاثة جيوب، وتتنوع الأقمشة به ما بين الصيف والشتاء لتلائم الطقس ودرجات الحرارة. كما يعد البشت أرقى الأزياء الرجالية التي عادة ما يتم ارتداؤها في المناسبات الرسمية والاحتفالات والأعراس، وله ألوان متعددة ومتميزة تجعل له رونقاً خاصاً.

هوية معاصرة

في ختام الجلسة شكر سبستيان المرشدة رقية على حفاوة اللقاء والمعلومات القيمة التي حفرت مكانها في قلبه وعقله، فهو يشعر بكثير من المحبة اتجاه دولة الإمارات التي رسمت ملامح أصيلة لهوية الإماراتي المعاصر التي لا تكتمل إلا بتراثه سواء كان مادياً أو معنوياً؛ فهو ضرورة إنسانية، وإحدى ركائز الهوية التي من دونها يُصبح الإنسان كالريشة تتقاذفها الرياح، فالتراث بشقيه يكتسب يوماً بعد الآخر أهميته من كونه مصدراً للفخر بحضارات الأجداد.

رمزية العقال

تبرز تفاصيل كثيرة في زي الرجل الإماراتي التي تجذب اهتمامي وتسمح للزي أن يكون أكثر من مجرد ثياب تغطي البدن أو للمظهر الخارجي يميزه عن الآخرين. وهي تفاصيل أو قطع تغطي كافة أعضاء الجسد من أعلى الرأس وحتى أخمص القدمين.

ويعد «العقال» أحد أهم قطع الزي الشعبي للرجل في الإمارات، وتنبع أهميته من كونه إرثاً من الأجداد حافظ على وظيفته وبنيته العامة - على الرغم من دخول بعض التعديلات عليه مع مرور السنوات، ولم يفقد بريقه بين أبناء الدولة، إذ لايزال محافظاً على مكانته كرمز من رموز الزي الشعبي، يستعمله الرجال حالياً بديلاً عن عصابة الرأس التي استخدمت سابقاً، وهو عبارة عن محيط طوله نحو 35 سم من الصوف لم يعرف إلا في بداية هذا القرن العشرين، ويكون على هيئة حبلين طويلين لهما نهايتان تدخل إحداهما في ما يشبه العقدة لتثبيته على الرأس ويصبغ العقال باللون الأسود، وتظهر في بعضه ألوان مختلفة، وتطور شكل العقال خلال 100 عام، وتغير حجمه وطبقاته إلى أن استقر على شكله الحالي، فقد كان سابقاً متعدد الألوان وأكثر سماكة وتدخل فيه نقوش وتطريزات خفيفة، بينما يقتصر لونه الآن على الأسود وبات أقل وزناً وأدق سماكة.

«دسمال» الرجال

الغترة، يعود أصلها إلى الغتراء، ويعني ما كثر من الأكسية، وعرفت عند أهل الإمارات قديماً باسم «دسمال» أو «سُفرة»، وتلبس بوضعها منفردة أو يوضع فوقها العِقال لتثبيتها، ويرتدي سكان الإمارات الغُتر البيضاء الدقيقة، وهناك الغترة البيضاء المُجَوتَة نسبة إلى مادة «الجِويت»، أو كما تعرف محلياً بالجِويتي، أو «النيلي» وهي الصبغة التي يميل لونها إلى الأزرق الفاتح السماوي التي تُضفي لوناً إضافياً وتمنح الدشداشة ذات اللون، وهناك الغترة المخورة وهي من أنواع الغتر المعروفة في الإمارات المزخرفة أو المطرزة، وثمة أنواع أخرى من الغتر مثل غترة تعرف بـ«أم قلم»، وأكثر من يستعملها هم الشباب، وهي صاحبة الإفريز من لون مضاف معين مطبوع كأن يكون أسود أو بنِياً أو أخضر فاتحاً على شكل مستطيل يحيط بالغترة من جوانبها الأربعة وبعرض سنتيمتر واحد إلى أربعة سنتيمترات تقريباً.

في سطور

الاسم: سبستيان أومينا

العمر: 25 عاماً

المهنة: مدرس احتياطي

الهواية: مطالعة كتب التاريخ

الجنسية: دنماركي

 

لا تختلف مظاهر الحياة المدنية في الإمارات عن موطني، إذ يعيش 85% الدنماركيين في مناطق حضرية. وتتميز المدن الرئيسة مثل كوبنهاغن وأورهوس وأُودِنْس وأَلْبُورج بمزيج من أبنية تعود إلى العصور الوسطى كالقلاع والكاتدرائيات، إضافة إلى مكاتب ومساكن حديثة.

ويؤكد مستوى المعيشة الراقي وخدمات الرفاهية الاجتماعية الواسعة في الدنمارك أن المدن، نتيجة لذلك، ليس بها أحياء فقيرة مكتظة بالسكان، ولا مبان دون المستوى. ويعيش معظم سكان المدن في شقق وسكان الضواحي في منازل عائلية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات