دومينيك.. مغـامـرة على صهوة سابح

نافذة على الآخر تُروى من خلالها شهادات شخصية ورؤى إنسانية تسرد قصصها في زيارتها الأولى لمدنها العامرة بالعطاء، في نسيج متداخل يغزله الفرح وتشد أطرافه ألوان التواصل الحضاري التي تعكس صورة مجتمع مترابط الصفوف تسري في أوصاله طاقة الأمل واستشراف المستقبل النابعة من قلب الإمارات النابض باحترام الآخر.

التفاؤل رفيق الشابة الأمريكية دومينيك الدائم، وابتسامتها معاهدة محبة وسلام لكل من حولها، ترفل بسعادة عامرة بين أروقة مركز محمد بن راشد للتواصل الحضاري، تُمعن النظر بدقة في كل ما حولها من المقتنيات التراثية والتفاصيل ذات الصلة بتقاليد الإمارات.

تجلس بالقرب من والدتها وخالتها لتستمع بامتنان لكافة المعلومات الثقافية التي تضعها على مقربة من أهل هذا البلد، ولكنها تحمل بداخلها شغفاً من نوع آخر، تحاول أن تلتقط بعض الإشارات والمقاربات التي قد ترشدها إلى ضالتها، الخيول العربية، نعم، هي مفتونة بشكلها وقوامها، ورشاقتها التي تسحر كل من يراها.

حين خططت والدتها لرحلة قوامها 3 نساء هي وخالتها، كان الأمر بالنسبة لها وهي التي لم تتجاوز العشرين عاماً، أشبه بمغامرة مثيرة إلى خليج العرب على صهوة خيول عربية، ولم لا، فهي الفارسة التي تقود هذا الفريق عبر السهل الساحلي في شرق فرجينيا شمالاً وجنوباً على طول المحيط الأطلسي، واستحقت عن جدارة الفوز بهذه الرحلة بعد أن حققت نتائج دراسية مبهرة، أسهمت في استحقاقها عطلة لا تنسى في دبي.

حديث لافت

الحديث عن العادات المتوارثة في المأكل والمشرب وإيقاع الحياة اليومية للمجتمع الإماراتي كان لافتاً ومبهراً بالنسبة لدومينيك، غير أن صهيل الخيول لم يفارق مسامعها، فعادت بخيالها إلى السهول التي كانت تمارس فيها ركوب الخيل، وبدأت تنقر بقلمها بإيقاع منتظم يشبه «الخبب» وهي مشية الخيل، حتى بات الصوت مسموعاً لمن حولها في المجلس، ولم تفق سوى على همس أمها الغاضب الذي انتزعها من حلمها ليعيدها إلى الواقع.

المرشدة استقبلت هذا المشهد الدرامي بابتسامة عريضة، شجعت دومينيك على أن تدير دفة الحديث إلى موضوعها المفضل، قائلة: آنستي ماذا عن الخيول وعلاقتها بالتراث الإماراتي، لقد شاهدت مجسماً جميلاً لفرس أمام المدخل الرئيسي للمركز، والتقطت العديد من الصور بالقرب منه، في موطني وفي شهر يوليو من كل سنة، يحتشد الآلاف لمشاهدة فريق يعرف باسم «رعاة بقر المياه المالحة» وهم يجمعون قطيعاً من أقزام الخيل من جزيرة أساتيغ المجاورة. ومن ثم تستعرض في الشارع الرئيس في وسط المدينة ويفحصها أطباء بيطريون قبل أن تعرض للبيع في المزاد العلني. هذا المزاد يمنع تنامي أعداد القطيع إلى حد كبير، ويجمع الأموال لصالح شركة إطفاء الحرائق التطوعية المحلية.

متحف الخيل

اقتربت المرشدة من دومينيك وقالت مداعبة: الفارسة الصغيرة من فرجينيا تبحث عن فرسها العربي الأصيل في دبي، وللوصول إلى ذلك عليك زيارة متحف الخيل الواقع بحي الشندغة التاريخي على ضفاف خور دبي، والذي ينظم جولات إرشادية مجانية بصحبة المرشدين، وقد شُيِّد هذا البيت في الأربعينيات من القرن الماضي، وكان يستخدم في الأساس لسكن المغفور لها الشيخة موزة بنت سعيد، حيث عمدت إلى تحويل منزلها إلى متحف للخيول، ووضعت فيه كل ما يخصها الخيل، وتبلغ مساحة المبنى 698 متراً مربعاً. ويتكون المبنى من طابقين: أرضي وأول، تتوزع فيه معظم الغرف حول فناء داخلي «حوش» وطابق علوي يحتوي على غرفة واحدة، وللمبنى مدخلان أحدهما شرقي والآخر جنوبي. تم تصميم المبنى وتأهيله ليكون مُتْحَفاً للخيل؛ لشرح تاريخ الخيول ومكانتها عند العرب وأسمائها وذكرها في الأدب العربي، ويحتوي على 13 غرفة تحتوي على: تاريخ الخيل، سلالات الخيول، أنواع الخيول، توصيف جسم الخيل، أمراض الخيل والعناية بها، الخيل والعرب قديماً وغيرها.

الفارسة

أدهشت دومينيك الحضور من زوار المركز بمعلوماتها العامة حول الفروسية ونشأتها في الإمارات، حيث أشارت علاقتها الوطيدة والموغلة في التاريخ والخيل إلى ملازمة الإنسان، فهي أعز صديق وظهرها خير مكان له، وهي شريك في السلم والحرب، الأمر الذي وطد العلاقة الحميمة بين الفارس وحصانه، لكن في فترة ما من الزمن أُهملت الخيل إهمالاً شديداً، ثم عاد الاهتمام بها إبان الحربين العالميتين، وذلك من أجل التنقل في الأماكن الوعرة، ثم ظهرت ملامح الاهتمام في صورة رياضة الفروسية وركوب الخيل، وهي رياضة جسدية وروحية لا تعادلها أي رياضة أخرى.

وأضافت: عبر تصفحي لمحرك البحث عبر الإنترنت، قرأت أن المواطن الإماراتي عرف الخيل على أرض الإمارات واستخدمها منذ فترة تاريخية قديمة، وما تزال له مركباً ورفيقاً في بواديه وحواضره، حتى توّج الاهتمام الكبير بها في الفترة الأخيرة، بإنشاء الإسطبلات، ورصدت لها الجوائز في سباقات الخيل المحلية والعالمية. كما أن تراث العرب وفقاً للموضوعات المتداولة عبر صفحات الإنترنت تطلعنا على الكثير من الدلائل والنماذج التي تبين لنا مكانة الخيل في المجتمعات العربية قبل الإسلام وبعده. لقد كانت الخيل عندهم هي المال والجاه، حتى إن البعض يقيم الاحتفالات عندما تلد الفرس والبعض يفضلها على أبنائه. وكان للخيل في الشعر العربي منزلة رفيعة، فأعطوها العديد من الصفات الحسنة.

السلالات

يعود تاريخ سلالة الخيول العربية إلى أكثر من 7 آلاف عام، حيث اهتم العرب بخيولهم، وحرصوا كل الحرص على ألا تختلط دماؤها بدماء غيرها من الخيول المهجنة، وحافظوا على أنسابها، ويجمع معظم فرسان الخيل في البادية العربية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، على أن سلالات الخيول العالية الأصل تنسب إلى خمسة أصول أساسية هي: (كحيلة) وجاء اسمها من سواد العينين. وهناك خيل (عبية)، واسمها جاء من حفظ عباءة راكبها، إضافة إلى خيل (دهمة)، التي تميز من قتامة لونها، و(شويمة) التي تبين وجود شامات عليها، و(صقلاوية) التي جاء اسمها من صقالة شعرها.

في سطور

الاسم: دومينيك ديفيس

العمر: 20

المهنة: طالبة

الهوية: الفروسية

الجنسية: أمريكية

مسقط رأسها مدينة ريتشموند وهي عاصمة ولاية فرجينيا، وهي من الأماكن العديدة التي يمكن التجوّل فيها لمشاهدة المنازل التاريخية ورؤية المعالم من الحقبة الاستعمارية والحرب الأهلية. وهي أيضاً مقر متحف فرجينيا للفنون الجميلة (VMFA)، الذي يضم مجموعات تشمل تحفاً مثل بيض فابرجي (وهي مصنوعات صياغة ثمينة من صنع الصائغ الروسي بيتر كارل فابرجيه)، ولوحات زيتية للرسامين إدوارد ديغا وبول سيزان وبيير رينوار، والعديد من الأعمال من الفنون الأفريقية والهندية والتيبتية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات