الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة «عاشق النيل» كما يطلق عليه، يعد واحدا من المبدعين البارزين وقد استطاع على مدى 30 عاماً أن يحفر لنفسه أسلوبا مميزاً في مسيرة الفن التشكيلي الراهن، وأن يحصد عدداً من الجوائز المرموقة محليّاً ودوليّاً. وعندما نسمع اسم «عبلة» يتبادر إلى الذهن مشهد لوحاته الشهيرة المحملة بمشاهد منوعة من المجتمع المصري، وهي اللوحات التي عبر جزء كبير منها عن مظاهر الاحتفال بشهر رمضان.

 يتحدث عبلة عن أعماله في رمضان قائلاً: شهر رمضان شهر الروحانيات، لذلك أستمتع خلاله بالرسم وخاصة في الفترة من بعد الإفطار وحتى أذان الفجر، فأجد متعة كبيرة عند تأملي القاهرة في ليل رمضان التي تتزين بأجمل الأضواء فتضيء المساجد والحارات، فهذه الحالة من الروحانيات كانت وراء مجموعة لوحاتي التي عرضتها في معرضي العام الماضي والتي حملت اسم «القاهرة في الليل» ومعظمها لوحات تسجل وترصد ليل القاهرة الساحر في رمضان وتعبر عن ملامح القاهرة ونشاطاتها اليومية في الشهر الفضيل من خلال ملامح أهلها البسطاء.

ويختلف عبلة مع الرأي الذي يتبناه أغلب المبدعين والفنانين أن شهر رمضان شهر الراحة والتأمل فحسب، بل هو، كما يراه، مفجر لطاقاته الإبداعية لرصد حالة الروحانيات في عيون البشر وحالة الاحتفال المبهج بالشهر الكريم، مشيراً إلى أن التأمل بالنسبة للفنان التشكيلي سرعان ما يتحول إلى لوحة لا يستطيع معها الصبر والانتظار إلى انتهاء الشهر لتجسيدها ورصدها سواء من خلال لوحات أو أعمال الجرافيك والتصوير الزيتي، إذ يختلف في رأيه رمضان في مصر عن بقية دول العالم فقد أمضى نحو سبعة أعوام في أوروبا في أول مشواره أتاحت له على حد وصفه - فرصة كبيرة للاطلاع ودراسة فنون الغرب وزيادة المخزون البصري، إلا أنه لم يجد سحر القاهرة في رمضان وروحانيات هذا الشهر التي تخيم على المدينة وتزينها.

أما عن رمضان هذا العام فيراه عبلة مختلفاً، إذ يسيطر المشهد السياسي على روح وإبداع الفنان فلا يستطيع إلا أن يتوقف أمام رصد ما تسفر عنه التداعيات السياسية، وهذا ما يقوم به هو في تلك الأيام، فيقوم برسم وتجسيد حالة الحيرة في عيون المصريين وتصوير من خلال لوحاته مئات الأسئلة الحائرة في العيون التي تبحث عن إجابة.

وأشار عبلة إلى أنه أقام في السبت الأول من الشهر الكريم تجربة فنية جديدة تسمى «الفن ميدان»، فشارك المارة في ميدان عابدين بوسط القاهرة بعد الإفطار وفي ليل القاهرة الساحر تبادل الرسم حتى لغير الهاوين لمحاولة تعزيز فكرة الحوار، وهي فكرة قائمة منذ اندلاع الثورة وتقام كل أول سبت من الشهر في أحد ميادين مصر سواء بالقاهرة أو المحافظات، وكانت التجربة في رمضان في ميدان عابدين، إذ أقنع المارة بمشاركته وأن يقوموا بتبادل الرسوم والبورتريهات الشخصية لهم مما يخلق نوعاً من التواصل من خلال الفن.

ويرى الفنان التشكيلي المصري أن حال الناس في رمضان هذا العام يستحق الرصد ويثير في نفس الفنان حالة من الإبداع، إذ يرى أن الناس قد غاب اهتمامهم بالأعمال الدرامية وهو عادة سنوية للمصريين لتحل محلها مشاهدة المحاكمات لرموز النظام السابق التي سيطرت على المشهد في البيوت المصرية في رمضان، فيأتي رمضان هذا العام في ظرف استثنائي وحدث مؤثر ـــ على حد وصفه ـــ يجب ألا يغيب عن رصد المبدع.