أثر قيام دولة الإمارات العربية المتحدة على الثقافة والإبداع الأدبي بشكل كبير، إذ شهدت الحركة الثقافية تطوراً شاملاً، وبدأت تؤسس لوجودها في الإمارات بشكل قوي عقب اتحاد الإمارات في 1971م، وساعد على ذلك النهضة في مجال التعليم وظهور المؤسسات الإعلامية والثقافية الجديدة التي عززت الحركة الثقافية وأسهمت في تطورها ونضوجها بأفضل السبل.

 ولم يكن يوم الثاني من ديسمبر 1971م ليمر مرور الكرام على الإبداع الأدبي الذي شهد تطوراً كبيراً، إذ انعكس ذلك على الشعر بأنواعه المختلفة كالنبطي والفصيح، وبرزت أسماء شعرية أثرت بشكل إيجابي على دوران عجلة الشعر، لتتأثر باقي الأجناس الأدبية مثل الرواية، والقصة، والنصوص المسرحية، والمقالة بالحركة الثقافية الواسعة، وتتضح صورة المشهد الثقافي الإماراتي الذي قدم نفسه بشكل جيد.

وقد برع أبناء الإمارات في توظيف اللغة العربية الفصحى في إنتاجاتهم الشعرية من الشعر الفصيح، وفي توظيف لهجتهم الإماراتية المحلية الثرية في إنتاجاتهم الشعرية من الشعر النبطي.

الشعر في عهد زايد

كان لابد للشعر أن يشهد تطوراً كبيراً في عهد مؤسس الاتحاد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، إذ لم يكن هذا الإنسان صاحب الرؤية الحكيمة يرى الإمارات في يومها فقط، بل في ماضيها وحاضرها ومستقبلها أيضاً، وبتطور التعليم تألق الشعر وأبدع الشعراء في تقديم نتاج شعري متميز ومتنوع، بعد أن كان معظم النتاج الثقافي قبل الاتحاد على شكل شعر يكاد يكون كله من الشكل العمودي التقليدي.

زايد الذي يعد أهم الرموز في ساحة الشعر الشعبي، يرجع له الفضل في تطور الحركة الشعرية وتميزها، وذلك باهتمامه وتشجيعه المستمر للأدب بصفة عامة، والشعر بصفة خاصة، كما لاقى الأدب وبخاصة الشعر اهتماماً عظيماً من المسؤولين في دولة الإمارات العربية المتحدة وشيوخها وحكامها، إذ أكمل أبناؤه المسيرة، بدعم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة الذي حرص على الاهتمام بالشعر والأدب من خلال الدعم المتواصل للفعاليات الثقافية والأدبية.

تراث شعري

ولحرص الشيخ زايد على حفظ التراث الشعري من النسيان والاندثار أصدر توجيهاته إلى الجهات المعنية بضرورة حفظ هذا التراث الأدبي، كما رعى بصورة شخصية عدداً من الباحثين والدارسين والعارفين بأمور الشعر النبطي، من أجل جمع وتدوين وتحقيق هذا التراث الشعري، سواء أكان قديماً أم معاصراً .

وبلغ حرص الشيخ زايد في تشجيعه لعملية التدوين والنشر أن قام بتشريف أحد الشعراء الباحثين في كتابة مقدمة أدبية كريمة لأحد الإصدارات في مجال الشعر النبطي للشاعر حمد بو شهاب عنوانها "تراثنا من الشعر الشعبي"، جمع فيها بو شهاب مئات القصائد لعشرات الشعراء القدامى والمعاصرين، عام 1987م.

كما برزت رعايته للشعراء بتوجيهاته بإنشاء مجالس للشعراء وتخصيص مكافآت شهرية لأعضاء هذه المجالس كنوع من التشجيع المعنوي والمادي لهم، فأنشئت مجالس الشعر النبطي في أبوظبي والعين والبادية ودبي والإمارات الشمالية.

الأدب المحلي

وفيما يتعلق ببدايات الأدب المحلي، فقد كانت خجولة بعض الشيء، ففي أواخر الستينيات من القرن الماضي، ظهرت الكتابة القصصية القصيرة المكتوبة، وكانت نشأتها الأولى بين أعوام 1969م و1974م، وأسهمت الصحافة المحلية في تقديمها، ومن أشهر الكتابات القصصية في تلك الفترة، قصة "قلوب لا ترحم"، المنشورة عام 1969 م، لعبدالله صقر أحمد، وقصة "الرحيل"، المنشورة عام 1970م لشيخة مبارك الناخي..

وغيرهما من القصص. أما أدب الرواية في الإمارات، فقد بدأ متأخراً من الناحية التاريخية، لكن الواقع الاجتماعي والمتغيرات الحديثة في المجتمع والتواصل الخارجي لعبت دوراً في تفعيل أدب الرواية محلياً، إذ ساعد الانفتاح على العالم العربي والغربي الكاتب الإماراتي على بناء فكره ووعيه، نقل عبرهما أفكاراً جديدة في مجتمعه الأم، وليس بالضرورة فقط في روايته، بل في مختلف الكتابات..

كتلك التي في الجرائد والمجلات، ومن أقدم الروايات المحلية "شاهندة" لراشد عبدالله النعيمي، والتي صدرت عام 1971م، أي في عام الاتحاد، ورواية "دائماً يحدث في الليل" عام 1979م، للكاتب محمد عبيد غباش، ورواية "السيف والزهرة" عام 1984م، للكاتب علي أبوالريش، وغيرها من الروايات. كما بدأ أدب الطفل يخطو أولى خطواته في عام 1977م بإصدار أول مجلة أطفال في الإمارات تحت عنوان "الزهور" بمبادرة من الأديبة شيخة مبارك الناخي، لكنها توقفت عن الصدور عام 1978م، وظهرت بعد ذلك مجلة "ماجد"، وتمت طباعة 5000 نسخة في عددها الأول، وهذا الرقم كبير نسبياً في تلك الفترة، لكنه نفد من الأسواق خلال أيام، ما دفع المجلة إلى زيادة أعدادها لاحقاً، وتحقيق النجاح تلو النجاح، أما عن أول مجموعة قصصية محلية للأطفال،.

زخم ثقافي

كما شهدت الحركة الأدبية في العقدين الماضيين زخمـاً ثقافياً كثيفاً ومتواصلاً في أبوظبي، ودبي، الشارقة، والعين، ومدن الدولة الأخرى، وتمثل هذا الزخم في مئات الأمسيات التي راحت المراكز الثقافية فيها تتنافس في العطاء كماً ونوعاً، حتى إن الساحة الأدبية في الإمارات وصلت في عقد الثمانينيات إلى مستوى من النشاط الثقافي والأدبي لم تصله أي ساحة عربية أدبية أخرى..

وصارت الحركة الشعرية خلال العقدين الماضيين في خطى سريعة نحو إثبات الذات، صاعدة سلم التطور النوعي في الأشكال والمضامين الشعرية، لمختلف أنواع الشعر: النبطي والعمودي الفصيح والشعر الحديث وبرز في هذه الأنواع شعراء مرموقون في كل نوع، وأكدوا في عطائهم الشعري المتواصل رفعة الحركة الشعرية في الإمارات على المستويين الخليجي والعربي.