ليست هناك مناسبة وطنية أو قومية أعز على كاتب مصري عربي، يتطلع إلى يوم الوحدة العربية الكبرى من يوم الاتحاد، الذي يطل علينا في الثاني من ديسمبر من كل عام منذ 1971، ذلك اليوم الذي شهد ميلاد اجتماع الآباء المؤسسين الكبار في قصر الضيافة في دبي، وفي مقدمتهم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وأخاه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، وإخوانهما الشيوخ حكام الإمارات لرفع راية الاتحاد، الذي أعقب استقلال الإمارات السبع، إيذاناً بميلاد دولة عربية اتحادية في هذا الشرق، دولة الإمارات العربية المتحدة، فكان يوماً للعرب جميعاً من الخليج إلى المحيط.

إن الاتحاد ظل حلماً، راود الأجداد، وصرح بناه شيوخ الإمارات من جيل الآباء كأعظم هدية منهم لشعبهم، ليبقى ينبوع خير ومصدر عزة، وقوة لأجيال الأحفاد على مر الزمان، وليقف شاهداً على قيمة الإرادة الإنسانية العربية في تحقيق الأهداف الوطنية، وليرتفع دليلًا على إخلاص الآباء للأبناء، وعلى أن النوايا الطيبة لقادة الإمارات لابد أن تثمر ثماراً طيبة في النهاية بتوفيق الله، وأن تعبير القيادة عن إرادة الشعب، والتفاف الشعب حول قيادته هو الأساس لكل صرح وطني شامخ، ولكل إنجاز إماراتي عربي عملاق.

وربما لم تكن مجرد صدفة تاريخية، أن يتواكب استعادة الاتحاد الإماراتي العربي مع استعادة حرية الوطن بالاستقلال الإماراتي العربي بعد انتهاء الوجود البريطاني، في كل الإمارات السبع من أبو ظبي ودبي والشارقة وعجمان والفجيرة، وأم القيوين ورأس الخيمة، في أعقاب بداية نهاية عصر الاستعمار كنتيجة لفشل العدوان الثلاثي على مصر، وتحول الدول الاستعمارية الكبرى في ذلك الوقت إلى دول من الدرجة الثانية، بما دفع بريطانيا لوضع استراتيجية الانسحاب من الشرق تحت اسم "استراتيجية شرقي السويس" لإدراكها أن شمس الإمبراطوريات الاستعمارية قد غربت.

المسألة في الأصل أن الاتحاد العربي لابد أن يأتي بعد الاستقلال العربي، لأن التقسيم العربي جاء بعد الاستعمار الغربي الذي قسم الأمة العربية إلى هذه الأجزاء، طبقاً لتوزيع مناطق النفوذ الاستعماري بين بريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية في اتفاقية "سايكس ـ بيكو"، ومن الطبيعي أن تستعيد هذه الأجزاء اتحادها ووحدتها بعد الاستقلال، لتتمكن من تحقيق تنميتها وبناء قوتها في عالم، لا يعترف بالكيانات الصغيرة، ومن هنا، فإن الآباء المؤسسين لاتحاد الإمارات، قدموا لأشقائهم العرب نموذجاً اتحادياً، نجح في بناء الدولة العصرية الحديثة الناهضة وارتقت إلى مرتبة متقدمة بين دول العالم

من هنا كان إعلان ميلاد دولة الإمارات العربية المتحدة ككيان عربي اتحادي جديد، ليتخذ مكانه الكبير على الخريطة العالمية خطوة عظيمة في اتجاه تصحيح الخرائط أوالأوضاع العربية، ومبادرة متقدمة في اتجاه المستقبل الوطني والعربي، ومسيرة مباركة في الاتجاه الصحيح لحركة التاريخ..

حيث إن عالم اليوم يعيش عصر الاتحادات العالمية الكبرى، ولا مكان فيه للكيانات الصغرى، وانطلاقاً من هذه المعاني، اتجه الشيخ زايد والشيخ راشد وإخوانهما حكام الإمارات، بعد بناء الاتحاد إلى الإطار الخليجي العربي، لتحتضن مدينة أبو ظبي عاصمة الاتحاد أول قمة لـ"مجلس التعاون الخليجي العربي".

لقد أثبت قادة دولة الإمارات العربية المتحدة لكل الأشقاء العرب أن الاتحاد طريق النهضة والتقدم، وضمان العزة والكرامة، لكن ماهو أهم إثباتهم أن الاتحاد الوطني والقومي ليس مستحيلًا، بل هو ممكن ، ولعله الممكن الوحيد لشعوب الوطن العربي لتحقيق آمال هذه الشعوب في التنمية والرخاء، والنهضة والبناء، والقوة والنماء..

فلقد أصبح الاتحاد هو الشرط اللازم عربياً وإسلامياً، بل وعالمياً أيضاً لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وتجاوز الأزمات السياسية والأمنية، وتصحيح المعادلات الإقليمية والدولية، وتحقيق الرخاء لشعوب العالم أجمع.

إن الاتحاد الذي ترسخت جذوره على مدى العقود الأربعة الماضية، الذي ظلل بخيراته ورفاهيته شعب الإمارات العربية المتحدة، بحيث أصبحت في المراتب المتقدمة في جميع المجالات عربياً وإقليمياً ودولياً، وأفاضت بخيرها على شعوب أمتها العربية والإسلامية، وأصدقائها في آسيا وأفريقيا، لم يعد ملكاً لجيل من أسسوه فقط، بل أصبح إنجازاً مكتسباً عظيماً للأجيال الحاضرة والقادمة، ينبغي عليها التمسك به وتدعيم بنيانه، وأصبح مطلباً لكل من رأوا تجربة التقدم والنهضة الإماراتية، التي أضحت محط أنظار العالم، لأنه لم يعد هناك أحد في هذا العالم إلا يدرك، أن الاتحاد قوة، والتفرق ضعف.

و.. دام اتحاد الإمارات .