من يتأمل التاريخ العربي في خمسينات وستينات القرن الماضي لن يخطر في باله أن بمقدور العرب أن ينجحوا في تشكيل دولة اتحادية على رقعة الوطن العربي الكبير.

فعلى الرغم من أن القومية العربية كانت على أوجها في تلك الحقبة وما بعدها، إلا أن الأمة العربية كانت تعج بنزاعات وحروب وفتن، خلفت عليها خسائر إسلامية وعربية كبيرة، الأمر الذي جعل فكرة الاتحاد العربي غير واقعية، وكم فرح العرب بولادة بعض التجارب الاتحادية لكن سرعان ما كان التنازعَ يُصيبُ زعماءها فيفشلوا وتذهب ريحهم، كما حصل في الاتحاد العربي الهاشمي بين مملكتي العراق والأردن، وتجربة الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا، فمن كان يصدق أن يخرج من بين العرب بعد كل تلك الأحداث حاكم عربي لا زال يؤمن بقدرة العرب على التوحد وينادي بإعادة طرح فكرة الاتحاد العربي؟

نعم يا سادة، لقد بدأ اتحادُنا ونشأ في فترة صعبة وبمنطقة أصعب، وكان انهياره متوقعاً في أي لحظة كما انهارت الاتحادات العربية السابقة، لكنه خالف التوقعات فاشتد عوده واتسق، واستوى على زرعه وأثمر، واستمر حتى قارب عمره اليوم نصف قرن، فما هو السر في نجاح هذا الاتحاد بالذات؟

بحكم تخصصي في القانون ولشغفي في مطالعة التاريخ، بحثت عن أسرار نجاح الاتحاد في وثيقته القانونية الأولى وهي الدستور، فقرأته بالتزامن مع شواهد التاريخ العربي في فترة إنشاء دولة الإمارات العربية المتحدة، ووجدت أن الدستور الإماراتي استفاد كثيراً من التجارب الاتحادية العربية السابقة بشكل عام ومن تجربة مجلس الإمارات المتصالحة - بين إماراتنا السبع وقطر والبحرين - بشكل خاص، وهذا المجلس يا سادة هو أول مجلس اتحادي دعا إليه قطبا الاتحاد زايد وراشد، يرحمهما الله.

وقد استفاد الدستور من تلك التجارب ثلاثة مبادئ أساسية أكد عليها ورسخها في كثير من مواده وبصور مباشرة وغير مباشرة:

المبدأ الأول: بناء الاتحاد على أساس "التعاون والمساواة" بين الإمارات الأعضاء حتى يحقق الاتحاد السعادة لشعبه.

المبدأ الثاني: تحديد صلاحيات الاتحاد بوضوح وتفصيل، والتأكيد على ضرورة احترامها، ومعاونة الاتحاد في تنفيذها.

المبدأ الثالث: تشجيع الإمارات الأعضاء في الاتحاد على بذل أقصى جهودها في تحقيق سعادة شعب الاتحاد، وذلك من خلال إطلاق صلاحياتها في التشريع والتنفيذ، والقضاء، بما لا يتعارض مع الصلاحيات والاختصاصات التي حصرها الدستور للاتحاد.

لهذا يا سادة فإن من يقرأ تاريخ رجال الاتحاد العربي الإماراتي، لا يسعه إلا أن يُقر بأنهم خَّلفوا للوطن العربي نموذجاً لتجربة اتحادية ناجحة تلبس اليوم ثوبها الثاني والأربعين، وبذلك صدقوا قول الله تعالى: {كنتم خير أمة}، وأثبتوا خطأ المثل الشائع (اتفق العرب على ألا يتفقوا)

فهل سنرى في وطننا الكبير تجربة اتحادية حقيقية أخرى تحذو حذو تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة، وتستفيد منها؟