من سنة الله في كونه أن هناك أماكن أفضل من غيرها، كما أنه اصطفى بشراً عن غيرهم، وفضل شهوراً عن غيرها، وفضل أياماً عن غيرها، ليعلمنا أن هناك نسائم تهب على نفوس البشر فتملؤها بشراً وراحة، وتغير من حالهم إلى أفضل حال، وكل محب لوطننا المعطاء يسيطر عليه هذا الشعور حينما تقترب منا نفحات يوم الاتحاد، لتعيد التوازن إلى أنفسنا، لندرك هذا الحلم الذي أصبح واقعاً، وكيف كان طريق الرجال يدور، يتراوح بين الأمل والرجاء.. الأمل في أن يتحقق الاتحاد، ليلتئم نسيج الثوب ليشكل صورة من أروع وأخلد صور الوطنية لرجال أحبوا وطنهم، ومجده بعيداً عن المجد الشخصي، فخلد شعبهم ذكراهم وحفر لهم مكانة في القلوب اختلطت بين الدم واللحم، فصار حبهم جزءاً من تكوين نفوس أبناء وطننا الغالي.
الأمل تحقق في دولة الاتحاد يحدوه الرجاء، فإقامة دولة الاتحاد ليست نهاية القصة لكنها البداية لمشوار من التحديات التي ما لانت لها عزائم الرجال يوماً على طريق بناء الدولة، والدلائل آنذاك كانت تشير إلى بعض التجارب التي تمت وانفصمت عراها بعد توكيدها، وكم من جراح نكئت بعد التئامها، إلا أن عزيمة الرجال وحبهم لوطنهم كان أقوى، وتصميمهم على النجاح كان أكبر.
ويبدوا أن ذلك كان قدر الإمارات دائماً في مسيرتها، منذ بناء الاتحاد حتى كتابة هذه السطور، أن تحقق المستحيل، وتقهر التحديات، وتضرب النموذج الذي يقاس عليه، وتصوب إليها الأنظار دائماً لترى الخطوة القادمة والتي تحمل المفاجأة، كل ذلك دون ضجيج ودون رفع شعارات ضج منها الناس في وطننا العربي، وفلسفات ونظريات جعلت من حياة الناس معمل تجارب، دون أن تنعكس على حياتهم أو تغير من حياتهم.
والحق أن من يظن أنه يستطيع أن يكتب سيرة دولة الاتحاد في كلمات فهو واهم ويحتاج إلى مئات المجلدات ليسطر فيها آلاف الصفحات المضيئة عن وطن نشأ ليكون ويقود ويعمل ويسعد أبناءه، ويكتسب كل يوم احترام العالم شرقه وغربه.
ولو أخذنا ملمحاً واحداً من صفحات الفخر لكفتنا، وهو مسيرة التعليم الجامعي في الدولة، وكيف أصبحت الإمارات الآن بجامعاتها منارة للعلم على المستوى الوطني والإقليمي، تشهد بذلك أعداد وجنسيات المنتسبين لها، ليس باعتبارهم مقيمين فحسب ولكن من يأتون من مختلف البلدان المحيطة قاصدين جامعاتنا.
ولقد حققت مسيرة التعليم العام والتعليم العالي، قفزات نوعية وكمية كبيرتين في وضع استراتيجيات لتنفيذ أفضل البرامج المعمول بها دولياً، لرفع مستوى جودة التعليم، والتحول من أساليب التعليم التقليدية، التي تعتمد على التلقين، إلى إتباع وسائل ومناهج حديثة تؤدي إلى نظام تعليمي متطور ومتكامل يواكب المعايير العالمية.
لقد آمن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، أن التعليم هو قاطرة التنمية وأساس البناء حين قال: "إن تعليم الناس وتثقيفهم في حد ذاته ثروة كبيرة نعتز بها، فالعلم ثروة ونحن نبني المستقبل على أساس علمي، إنني أريد أن يتعلم كل أبناء الخليج، أريد أن يبني ابن الخليج بلاده بنفسه وبعلمه، إننا نرسل بعثاتنا من الطلبة إلى كل مكان من الأرض ليتعلموا وعندما يعود هؤلاء إلى بلادهم سأكون قد حققت أكبر أمل يراود نفسي لرفعة الخليج وأرض الخليج".
وأكد دوماً أن رصيد أي أمة متقدمة هو أبناؤها المتعلمون، وأن تقدم الشعوب والأمم إنما يقاس بمستوى التعليم وانتشاره، فكان إنشاء جامعة الإمارات العربية المتحدة لتكون أول منارة للعلم في وطننا الغالي.
وآمن قادة الاتحاد، الذين تربوا في مدرسة المؤسسين، أن الثروة ليست في الإمكانات المادية ولكن الثروة الحقيقية في بناء الإنسان، وهو صانع المجد لوطنه وصمام الأمان له، ومما أكد عليه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، من أنه يجب التزود بالعلوم الحديثة، والمعارف الواسعة، والإقبال عليها بروح عالية، ورغبة صادقة، عن طرق كل مجالات العمل، حتى تتمكن دولة الإمارات من تحقيق نقلة حضارية واسعة، ويتحول ذلك إلى هدف محدد حين يكلف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم رئاسة جامعة الإمارات بالتقدم عشرة مراكز كل عام في التصنيف الدولي.
فضلاً عن ذلك انطلق الجناح الثاني للعملية التعليمية، وهي الجامعات الخاصة، لتكون قيمة حقيقية مضافة للتعليم العالي في الدولة، ولتشارك في تحمل المسؤولية الوطنية في رفد المجتمع بكوادر قادرة على المشاركة بفاعلية في مسيرة التنمية الظافرة، ولتمتد قوة الدولة الناعمة وتأثيرها الثقافي في محيطها العربي والإقليمي.
