«لا تغرس مسماراً في الحائط ... ألقِ السترة فوق الكرسي ... أنت عائدٌ للوطن ... لا تنسَ». كنت اردد هذه الكلمات للشاعر والمسرحي الالماني العظيم «برتولت بريخت» عندما حطت بي الطائرة في مطار دبي قبل أعوام بعيدة، وغرست المسمار في الحائط مبكراً عندما اكتشفت أن دبي تمنح الغرباء هوية وميلاداً جديداً، بالإضافة الى قدرة هائلة على الألفة مع المكان.
كانت زيارتي الأولى الى دبي للاستمتاع بفعاليات مهرجان التسوق الذي سمعت عنه الكثير، وكانت هذه الزيارة بمثابة رباط عشق من النظرة الأولى مع دبي التي تحتضن الاحلام وتنقش على جدار القلب حكايات المرفأ الوحيد والشراع الاخير، حيث اتخذت القرار بالاستقرار لتبدأ الحكاية.
عنوان الرحلة
«البحث عن شيء ما» هو عنوان للرحلة التي قطعها أناس كثيرون نحو فعاليات مهرجان دبي للتسوق ودرته «القرية العالمية».. اطفال، تجار، عجائز، رجال ونساء وصبايا في عمر الزهور الغضة.. كلهم كانوا هناك، وجمعتهم القرية العالمية، ولكن القرية لم تفتقد أيضا للحالمين أو الذين ظهروا وكأنهم لا يبحثون عن شيء أو بأنهم جاؤوا دون هدف، فالمساحات متعددة وواسعة في القرية العالمية وقادرة على احتواء جميع الاهداف المختلفة لكل هذه الشرائح، وليس هذا فحسب..
فقد بدت دبي خلال المهرجان قادرة أيضاً على أن تحفز في الاذهان عشرات الاسئلة كأهداف محتملة لآخرين قد تضمهم دبي في دورات المهرجان المقبلة.. أو تضاف الى أسئلة أشخاص كانوا حاضرين في هذه الدورة ولم يجدوا الإجابة عن اسئلتهم وإن اقتربوا منها.
إبهار
المشهد الدائم للزائر ومن النظرة الأولى عندما يطل برأسه عبر بوابة القرية العالمية لا يختلف عليه اثنان بأنه احتفالي ومدهش حتى النخاع.. ولكن التفاصيل لهذه المشاهد وبرغم الاحتفالية والحميمية التي كونتها.. تبقى تفاصيل تستحق ان نرصدها في محاولة منا للابحار ثم الغوص عميقا في نفوس زوار عانقتهم القرية بحرارة، وسعت جدياً لتقديم كل ما جاؤوا من اجله وإن اختلفت اهدافهم.
طفولة
الاطفال الذين كانت تغص بهم دروب القرية حتى بدت وكأنها فقط قرية خاصة بهم، ربما كانوا الفئة الاكثر وضوحا من حيث تحديدهم لأهدافهم من زيارة القرية العالمية، فهم جاؤوا فقط للاستمتاع بكل ما تتضمنه القرية من العاب ومشاهد ترفيهية، هذه المتعة التي كانت تكشف عنها ضحكات الاطفال المضمخة بكل معاني الفرح والصرخات والتأوهات والجلبة والفوضى الجميلة التي أشاعوها في كل اركان القرية العالمية.
. ولم تنجح في ايقافها احيانا نظرات الاستياء وهمهمات الاستنكار من بعض الكبار التي كانت تنكسر لدى رؤيتهم لأطفالهم وسط جموع الاطفال. «ماجد» طفل لم يتجاوز السابعة من عمره، شاهدته مراراً في ذلك اليوم وهو يحاول ان يختتم كافة المواد والاجهزة المقررة للأطفال في منطقة الالعاب الترفيهية في القرية..
قال لي بأن والديه تركاه يلعب هنا وهما لا يخشيان عليه وسط كل هذا الزحام بسبب معرفتهما الاكيدة أنه لن يغادر هذا المكان اسوة بأترابه من الاطفال الذين كانوا يتنافسون في الوصول الى ختام المقرر من «الالعاب».
وفي عالم الاطفال نجحت دبي في الاجابة عن الاسئلة، محتفظة لنفسها بالاجابة عن سؤال وحيد لتجعله مفاجأة لزوارها من الاطفال في العام المقبل: ما الذي تحمله من جديد للاطفال في الدورة المقبلة؟
عائلة واحدة
«قرأت الشعار (عائلة واحدة) مرات عديدة، ولم افكر به كثيراً، ولكنني عندما زرت فعاليات مهرجان دبي للتسوق والقرية العالمية أدركت معناه الحقيقي» بهذه الكلمات افتتح «عبد الله ياسر» حديثه الينا اثناء تجواله برفقة عائلته في ربوع القرية العالمية، مضيفاً بأنه استطاع التوصل الى سر وفلسفة هذا الشعار عندما عبرت قدماه بصحبة عائلته بوابة القرية العالمية.
حيث انتابه شعور حقيقي بأنه يعرف الجميع وهم يعرفونه أيضاً، فالابتسامة لا تفارق وجه احد، مشيراً الى أن هاجس الجميع في القرية العالمية واحد ويتمثل في دفع الحزن عن وجوه الآخرين ورسم الفرح عليها، حيث ينأى الزوار بأنفسهم عن أي سلوك يمكن أن يتسبب بإزعاج الآخرين، بل تجدهم يتغاضون عن أي حدث يمكن أن يخدش فرحهم وفرح الآخرين.
وأضاف: «وبالنسبة لعائلتي فالمهرجان يشكل دوماً فرصة ذهبية للقاء جميع افرادها وممارسة طقوس الفرح مجتمعين، فكثيراً ما تأخذنا اعمالنا اليومية بعيداً عن أجواء العائلة، ولكن موعد مهرجان دبي مقدس للعائلة بكل افرادها صغيراً وكبيراً، حيث نستعد له ضمن خطة تقتضي ارضاء الجميع».
ضبط الإجازة
اسماعيل شعبان اشار الى أنه يتعمد أن تكون اجازته السنوية عادة في الفترة نفسها التي تنطلق فيها فعاليات مهرجان دبي للتسوق، لافتا الى أن اولاده اختاروا أن تكون اجازتهم السنوية أيضاً في ربوع دبي، قائلين له: «كيف نغادر دبي في الوقت الذي يأتي اليها الزوار من كل مكان من انحاء العالم؟!».
وأضاف بأن برنامج العائلة يبدأ مع أول خيوط المساء بزيارة مواقع الفعاليات المختلفة، لافتا الى أن القرية العالمية تحظى على الدوام بنصيب الأسد من برنامج العائلة، مؤكداً أنه عندما يعود عند منتصف الليل الى المنزل بصحبة العائلة ورغم التعب والارهاق فإن السعادة المرتسمة على وجوه افراد عائلته تمسح برفق كل التعب وتمنحه القوة لتنفيذ مفردات برنامج اليوم التالي.
المسنة التي كانت بالكاد تستطيع السير متكئة على عصا قالت لي: «يا ابنتي البقاء في البيت قاتل لمن هم في مثل عمرنا، فقررت الحضور الى مهرجان دبي لعلي أحظى ببعض الفرح الذي أراه كل يوم مرتسماً على وجوه احفادي لدى عودتهم الى البيت من زيارة فعاليات المهرجان».
وأضافت: هي محاولة وربما لمن هم في مثل سني للخروج من زوايا النسيان الذي يفرضه علينا الزمن، لافتة الى أن الهدف قد تحقق بالنسبة لها حيث شاهدت الكثير مما رفع معنوياتها وجعلها تدرك أن العمر لم ينته بعد ومازال فيه الكثير.
سألتها: «لماذا لا تستريحين على احد الكراسي المتحركة المتوفرة هنا لتحظي بوقت أطول مستغنية عن العصا التي ما فتئت تلازمك؟» اجابتني بابتسامة رضا: «اريد ان اسوق رجلي حيثما ارغب، لا اريد لأحد هنا ان يقودني، وحدها الرغبة في الاستمتاع ستسحب رجليّ وعصاي».
ومرة أخرى تنجح دبي في الاجابة عن أسئلة العائلة، ولكنها دوماً تحتفظ لنفسها بالإجابة عن سؤال وحيد: ما الذي تحمله لزوارها في العام المقبل؟
القرية الفلسطينية
الميجانا والعتابا كانتا كالسحر الذي غمر كثيرين كانوا يتجولون في أروقة القرية عندما ارتفعت اصوات تصدح بها فجأة، وكما المسحورين قادتهم اقدامهم وأنا معهم الى حيث مصدر الصوت،
وبالقرب من القرية الفلسطينية كان هناك مجموعة من الشابات والشبان الفلسطينيين.. كانوا يغنون للوطن الذي غادروه ولم يغادرهم.. يغنون وطناً عصياً على الانحناء والسقوط.. الايقاع الحماسي للأغنيات والدبكة، دفع برجل مسن كان يقف الى جانبي للانخراط في نوبة بكاء وهتف من بين دموعه المنهمرة «تحيا فلسطين.. شكرا دبي».
وتنجح دبي مرة أخرى في الاجابة عن اسئلة العشق والفقد والحنين، ولكنها كعادتها دوما تخبئ لزوارها الجديد في كل عام .. الا في مضمار الحنين حيث ستحتفظ لنفسها على الدوام بأسرار قدرتها على أن تكون دوماً وطناً للحنين.
أعمال وتجارة
للتجار مشاعر وعوالم أخرى.. ربما تفتقد للكثير من البراءة او كما يصفونها بأنفسهم بأنها «مشاعر واقعية»، ولا مجال فيها للعواطف..
توجهت بالسؤال لأحدهم وهو يلقم خزانة النقود التي تقع أمامه كدجاجة: كيف ترون أنه في التجارة لا مجال للعواطف والمشاعر فيما انتم تعتمدون في تسويق منتجاتكم على استثارة المشاعر والعواطف الانسانية، نظر الي بعمق لبرهة قصيرة ثم صاح مناديا لأحد عماله طالبا منه الاستجابة السريعة لطلب احد الزبائن، معلنا بذلك انتهاء المقابلة معي، ومقدماً إجابة شافية عن سؤالي.. فلا وقت لمثل هذه الثرثرات في عالم المال.. ولا وقت للأسئلة.
تاجر آخر افتتح مطعماً لتقديم الوجبات السريعة في احد اركان القرية العالمية، قال لي: «نحن نحقق في مثل هذه المناسبة ارباحاً كبيرة، فهنا تصبح عملية الشراء جزءا من المتعة للزوار، كما أنها تخضع بالنسبة للاطفال الى معيار المقارنة مع الاطفال الآخرين الذين يبادرون الى شراء وجبة معينة لمجرد رؤيتهم لطفل آخر قد اشتراها».
التاجر نفسه أكد لي أن ضغط العمل ووفرة الارباح التي يحققها له مهرجان دبي للتسوق لا يمنحانه الفرصة مطلقاً لزيارة مواقع القرية المختلفة، مشيرا الى أن اولاده لم يحضروا بعد الى القرية العالمية لأنه لم يجد وقتاً لإحضارهم، وأسر لي بأن ولده الأصغر بكى كثيراً احتجاجاً على عدم زيارته للقرية حتى الآن أسوة بأصدقائه.
قرية تروي عطش المهاجر
«تولد النوارس من دموع المودعين في الموانئ.. ويزهر الوطن مع ذاكرة ترفض أن تسقطه بفعل التقادم».
هذه هي الكلمات التي تدافعت على لساني وأنا اتجه بخطاي نحو بوابة القرية العالمية التي تحتضن ملامح وظلال وطن لم يفارقني لحظة واحدة ولكنه ظل ينأى بعيداً على المستوى المادي.
الوجوه التي كان الحنين يغلفها.. والانفاس الحارة التي تخرج من صدور الزوار لدى دخولهم قرى بلادهم التي تضمها القرية خففت كثيراً من حدة ما يعتمل في صدري من اشجان وتركت نفسي تغرق في تأمل الزائرين الذين أطلقوا العنان وبعفوية لعيونهم وقلوبهم لتحتفظ بوطن مصغر أو نموذج لوطن أزهر فجأة وما انطفأ يوماً.
صاحبة فضل
تراكض ثلاثة أطفال امام نظر الجميع نحو القرية اللبنانية وهم يشيرون بأيديهم لوالدتهم «ماما هذا العلم.. تعالي بسرعة» وتسابق الأطفال وأمهم للدخول.. واستوقفت الام «جمانة الأسود» وسألتها: ما الذي حصل؟ فقالت: «قد تستغربين إذا قلت لك إن أطفالي قد ولدوا خارج لبنان ولم يزوروه بعد، ولكنني أعتقد أن الوطن جزء من النسيج الوراثي للانسان، وقد يعيش أي منا بعيداً عن وطنه، ولكن الاحساس بالفقدان لشيء مجهول سيبقى يطارده بالتأكيد».
وأضافت: وهنا يجب أن نعترف بالفضل لصاحبة الفضل وهي «دبي» التي استطاعت وبجدارة أن تروي عطشنا الى وطننا عندما منحتنا الاحساس العميق بأننا لسنا غرباء عن هذا المكان، حيث تحولت دبي الى جزء من تكويننا، ولا أبالغ اذا قلت لك إنني اشعر بالغربة.. عندما ابتعد عن دبي.
شاي بعبق الوطن
تابعت الخطى في دروب القرية العالمية.. والتقطت عيناي تلك امرأة بكبرياء مشوب بقلق وتوتر كبيرين بدا واضحاً من عينيها اللتين لا تستقران على شيء وكأنها تبحث عن شيء ما، أو أضاعت شيئاً، فاقتربت منها وسألتها عما قد تكون قد أضاعته، فأشارت الى أنها تبحث عن القرية العراقية، فأرشدتها الى مكانها وتبعتها بسرعة لم تنجح في مواكبة خطواتها التي بدت وكأنها تطير..
ولدى وصولي الى القرية العراقية كانت رائحة الشاي «ابو الهيل» تنشر عبقها في المكان الذي بدا وكأنه محراب خفتت فيه الأصوات الى حد الصمت الذي لم يقطعه سوى نشيج بكاء السيدة التي كانت تحاول مغالبة دمعاتها.. زينب عبد الكريم جاءت بولديها من السويد الى دبي لتستمتع بفعاليات مهرجان دبي للتسوق ولكن الوطن كان لها بالمرصاد فاقتادها وولديها الى محرابه وانهمكت في ارتشاف «استكانة شاي ابو الهيل»، وقالت لي كلمتين: شكراً دبي.


