كانوا يعبرون بوابات الوقت بصمت، يصطادون الأمنيات الهاربة بخجل بالقرب من مداخل فعاليات مهرجان دبي للتسوق، كانت أعينهم تطرح مئات الأسئلة، ولا جواب.

كانوا يشعلون ليلهم بفرح ضئيل، يمتصون ما تبقى من حكايات وهم يواصلون الرحلة على متن حلم أضاعهم ذات يوم، ولكن.. ولكن قلباً كبيراً مسح بيديه الحانيتين على زغب أمنياتهم، لينبت ريشاً غزيراً في أجنحة أحلامهم..

حيث أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، حملة «شكراً لكم» للاحتفاء بفئات موظفي الخدمات الأساسية العامة، ووجّه بجعل احتفالات يوم الجلوس الخاصة بسموه مناسبة للاحتفاء بهم على اختلاف تخصصاتهم وطبيعة عملهم كالمزارعين، وعمال النظافة والبناء، وسائقي المواصلات العامة، وخدم المنازل.

فرح

للفرح معنى آخر حين تشعر بأنك غير متروك للنسيان.. أنك تعني شيئاً للآخرين، وأن ما تفعله يقدره الجميع.. بهذه الكلمات رد «جليل» عامل النظافة في القرية العالمية، على سؤالي له حول مشاعره الحقيقية وهو في أرض أبرز فعاليات مهرجان دبي للتسوق، وانفلت من أمامي مسرعاً ليحتضن أحد أصدقائه الذي لم يكن قد التقاه منذ فترة طويلة. عرس كبير يسكن المكان.. والضجيج المعجون بالألوان ينعكس في مرآة الجميع.. فذاك طفل يطارد بائع البالونات المزركشة.. وتلك سيدة تحث الخطى لمتابعة احتفال لفرقة شعبية لإحدى الدول المشاركة في المهرجان..

وهذا مسنّ يسير إلى جانب زوجته ترتسم الابتسامة على وجهيهما وهما يراقبان حفيدهما الذي يحاول إمساك خيوط الضوء المنبعثة من كل مكان.. وذاك شاب صغير ترتسم ملامح الارتباك على وجهه وهو يحاول جذب انتباه صبية في مثل عمره وهي تنتقي «العقيق» في القرية اليمنية..

مكانة

وحده كان ينتحي جانباً، يطرق الأرض بالمكنسة ليعيد رسم المكان الذي اعترته بعض الفوضى المؤقتة، يختلس نظرات ذات معنى إلى ما يحيطه لبرهة صغيرة قبل أن يعود للدخول إلى تفاصيله الملازمة.

ماذا تفعل..؟! نظر إليّ باستغراب وقال لي: ألا ترين؟.. أنظف المكان، فقلت له: لا أقصد المهنة.. بل ماذا تفعل في القرية اليمنية؟ قال «رشيد» - وهذا هو اسمه: «بصراحة سمعت من أصدقائي الكثير عن القرية اليمنية فاتفقت مع زميلي المكلف بالنظافة في هذه المنطقة على أن ننظف معاً هنا اليوم، بعد أن ننتهي معاً أيضاً من تنظيف منطقتي الواقعة أمام القرية السورية»، رشيد أكد لي أنه شاهد الكثير من الأشياء الجميلة، لافتاً إلى أن سعادته كانت غامرة في هذا العام بالتحديد، لأنه أصبح شخصاً مرئياً يقدّر الزوار مكانته وعمله عقب مبادرة «شكراً لكم» التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، والتي مثلت له قمة الإحساس والتقدير لجهده ودوره في صناعة فرح دبي.

صور جميلة

«منير راج» الذي كان يقف بالقرب من القرية السويسرية.. كان يواصل تخزين الصور الجميلة التي يصادفها في المكان ليضيء جنبات حلمه المظلمة.. قال لي إن المهرجان بالنسبة له وعلى الرغم من الإرهاق في عمله إلا أنه مساحة واسعة لغسل الروح المتعبة بما يحمله من جديد يومياً.. «راج» كانت عيناه تبتسمان وهو يؤكد لي مدى سعادته بأنه حظي أخيراً بمن يقول له «شكراً» في إشارة إلى مبادرة «شكراً لكم»، مؤكداً أنه كان على الدوام يتوقع شيئاً على هذا النحو من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الذي تعيش دبي في قلبه بكل مفرداتها.

وأكد لي بابتسامة تملؤه، أنه في القرية العالمية لا يشاهد إلا الوجوه التي تعلوها الابتسامة التي افتقدها طويلاً... أطلق زفرة حارة وقال: «عملت في بلدي بمهن متعددة.. نجحت أحياناً بالعودة بلقمة العيش لأسرتي وفشلت في أحيان كثيرة»، مضيفاً: «الأعين التي كانت تنتظرني كل يوم، كانت تحمل أسئلة تتكسر على صخرة صمتي.. ولكن ذات يوم تحطمت الصخرة.. وبكيت كثيراً ورحلت بهدوء». وبيّن لي أنه يقفل عائداً كل ليلة حاملاً في ذاكرته آلاف المصابيح من القرية العالمية، لتمنحه القدرة على مواجهة الأسئلة التي ما انفكت تطارده.

عزاء

«عبدالمنان».. قال مبتسماً: «لا ضير في أن أتبادل الموقع مع زميلي، فكلانا ننجز العمل على أتمه وإن تبادلنا الأماكن أحياناً».. وذلك عندما فاجأته بالسؤال: لماذا استبدلت مكانك؟.. فقد شاهدته يمد عنقه لرؤية ما يحدث في قريته.. القرية الهندية، وقد علت أصوات الموسيقى إعلاناً عن بدء فقرة غناء فولكلوري.

إنه الحنين، هذا ما قاله بعد أن داخله الاطمئنان، مضيفاً أن سنوات طويلة قد انقضت منذ ذلك اليوم الذي غادر فيه قريته طلباً للرزق.. سنوات طويلة مرت منذ طبع قبلة الوداع على جبين ابنته «عائشة» وها هو يراها صبية كبيرة في الصور.. سنوات طويلة مضت عندما اغتسل للمرة الأخيرة في أحضان والدته مودعاً..

حيث لا يراها إلا عبر الصور ذات الحواف الصفراء.. وارتسمت على نحو مفاجئ ابتسامة عريضة على وجهه.. وقال: «على الرغم من كل قصتي الحزينة إلا أنني أشعر بسعادة لا توصف هذا العام عندما أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مبادرة «شكراً لكم»، والتي جعلتني أشعر بأنني لست نكرة.. وبأنني إنسان يؤدي عملاً مهماً للناس ويحظى بتقديرهم.. وأقول: شكراً لمحمد بن راشد».

 

 

أحلام مؤجلة

 

 

 

تحاصرنا أغنيات قديمة.. تنقش على الجبين شلالات من ورد طافح بأحلام مؤجلة.. تلقينا شراعاً على صفحة موجة مسافرة.

كيف ترى المكان، قلت له.. فقال «سوراج» الذي كان منشغلاً مع عدد من زملائه في قراءة أرقام البطاقات التي اشتروها للدخول إلى السحب على السيارات في مسابقات القرية العالمية: «صدقيني، إنني في غاية السعادة لأن المهرجان والقرية مساحة شاسعة لصناعة الفرح الذي نفتقده كعمال.. ومما زاد في سعادتنا جميعاً هذا العام المبادرة الرائعة التي أعادت لنا الإحساس بأنفسنا مرة أخرى «شكراً لكم»، بتنا نشعر بأن الجميع يرانا، وبأننا لسنا جزءاً من المكان فقط، وإنما صنّاعه، وغيابنا يربك هذا الفرح المقنن، الذي لا يمله الزائرون.

هم لا يخبئون أحلامهم تحت وسائدهم، هم يتوسدون الأمل، ويعيشون الواقع بكل تفاصيله، حلوها ومرّها، ولا شيء يمنع أجسادهم من النهوض باكراً، وعلى عجل، لتحقيق ما يبتغون، وليرسموا بأدواتهم البسيطة، ابتسامة كبيرة، على ملامح المارة. متوجين بالألق.. يعود عمال القرية العالمية إلى منازلهم.. تقطر ذاكرتهم بالصور الجميلة والحكايات التي لا تنتهي عن فارس مسكون بحلم بأن تكون دبي دوماً.. عشيات فرح للجميع.