العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    إكسبو العالم من لندن 1851 إلى دبي 2020

    إكسبو بروكسل 1897

    جرت العادة أن تحتفل معارض إكسبو العالم بالتعاون الدولي والتنافس السلمي بين الأمم، لكنها في الوقت نفسه، تثابر على التنافس والاحتفاء بالهوية الوطنية، من خلال إظهار مصنوعاتها وإنجازاتها الثقافية وممتلكاتها الإمبريالية، كان إكسبو بروكسل 1897 مثالاً رائعاً على ذلك، حيث لم يكن يتجاوز عمر بلجيكا آنذاك 70 عاماً، ولا يزال الناس المعمرون يتذكرون حياتها تحت الحكم الهولندي، رغم ديناميتها الصناعية، فقد كانت لا تزال تعاني من عقدة النقص الطويلة التي وجدت ما يعوضّه في هذا الإكسبو ومعارض أخرى في بلجيكا، كانت بلجيكا، وهي تقطع أشواطاً كبيرة في الازدهار، ترغب في إثبات قدرتها على التنافس مع القوى الكبرى اقتصادياً، حيث صدّرت بلجيكا ثلث إنتاجها، أكثر من فرنسا أو المملكة المتحدة، وهذا ما جعلها تحتل المرتبة الخامسة في التجارة عالمياً، وتأجل الافتتاح من أبريل إلى مايو بسبب هطول الأمطار الغزيرة، حيث تعطلت النافورات وانقطع التيار الكهربائي.

    بلجيكا تقطع أشواطاً كبيرة في الازدهار لإثبات قدرتها على التنافس

    تميّز إكسبو بروكسل 1897 بعرض المنتجات الصناعية والآلات الابتكارية، إضافة إلى عرض اللوحات بشكل فني، حيث عبّرت عن التقاليد الفنية الأوروبية في تلك الفترة حتى ظهر كصالون فني رفيع، ومعظم اللوحات التي شاركت في الإكسبو كانت تعبّر عن الطبيعة، وكان التركيز على الحياة الحديثة وخاصة تدشين خطوط التراموي والبنية التحتية الحديثة للنقل لم يجعلها تهمل إظهار ما تمتلكه من فلكلور وطني تاريخي، وتقديمه جنباً إلى جنب مع الابتكارات العالمية الحديثة المعروضة آنذاك.

    ولإكسبو بروكسل الفضل الكبير في تعريف العالم بالأساليب الفنية الجديدة، والتي شكلت أسلوباً جديداً ورؤية مستقبلية متقدمة، فكان الاحتفال من 10 مايو إلى 8 نوفمبر، بمشاركة 27 دولة، وحضور نحو 7.8 ملايين زائر في مناطق مختلفة، أهمها حدائق سينكوانتينير، بالإضافة إلى القسم الكولونيالي الكونغولي في ترفورين، حيث ربطت بينهما خطوط تراموي خاصة، مُصممة لهذا الغرض، وقد حضر الافتتاح ملك بلجيكا آنذاك، ليوبولد الثاني.

    ملصق الإكسبو عبّر عن روح المرأة الأنثوية، بفستانها المتدلي على شكل ستائر تتناسب مع التقاليد الفنية الآتية من شمال أوروبا آنذاك. كان المصممون الأساسيون للإكسبو من بين أساتذة الفن المعماري البلجيكي «آرت نوفو» في ذروة الإبداع الأسلوبي من أمثال: هنري فان دي فيلدي، وبول هانكار، وجديون بوردياو، وغوستاف سيروريير بوفي فيما قام هنري بريفات لايفمونت بإنتاج ملصقات الإكسبو، وتم إنشاء الجناح الكلاسيكي والذي أطلق عليه اسم معبد المشاعر الإنسانية من تصميم فيكتور هورتا لإيواء الأعمال النحتية في الإكسبو.

    على الرغم من افتقار الإكسبو للأشكال الهندسية المعمارية الهامة، إلا أن المصممين قاموا بإعادة إعمار حي بروكسل القديم المسمى بـ «كرميسي»، أحد الأماكن المفضلة في الإكسبو، وهي مدينة مصغرة ترفيهية أجواء عام 1830 في بروكسل، قام بتصميمها كل من جورج غارنير، وجول باربييه، وتضمنت الكثير من عوامل الترفيه، وملاذات الطعام الجيد، وتخللتها إنشاءات مختلفة كالمنازل، والأبواب الضخمة، والأبراج، للتعبير عن شكل المدينة القديمة المصغرة، حيث تم تقليص حجم مبانيها، ولا يزال بعضها موجوداً حتى الآن، إضافة إلى معالم مهمة مثل: منزل الرؤساء الثلاثة، نزل سان لوران، فندق رافنشتاين، السوق القديم وكنيسة كاترين، وغيرها.

    القسم الكونغولي

    انتظر إكسبو بروكسل الذي كان من المتوقع أن يُقام في 1895 عامين من أجل إضافة القسم الكونغولي الكبير إليه، وتم اختيار موقعين: موقع منتزه سانكانتنير ومنتزه تروفورين، وتم ربطهما بخط تراموي جديد وشارع دي ترفورين المرموق، وهو ما أطلق عليه الإكسبو الاستعماري، حيث ارتبطت الكونغو ببلجيكا، قبل استقلالها.

    صمم هذا القسم الهام المهندس المعماري الفرنسي ألبرت فيليب ألدروف عام 1894، وعرض فيه أهم المنتجات الرئيسية للتصدير والاستيراد من المستعمرة، والعناصر ذات الأهمية الإثنوغرافية وكذلك الكائنات الحيّة، ضمن إطار فن «الآرت نوفو». وكان المكان يتكون من قاعتين معدنتين طويلتين، تم توصيلها بواسطة ممر تحت الأرض، وتصدرها 60 بطاقة بريدية تعود إلى عهد الاستعمار.

    وكان الزوار يدخلون إلى المبنى عبر صالة الشرف التي جُمعت فيها الإبداعات الإفريقية والأثاث الفاخر والمنحوتات المصنوعة من من العاج والذهب، والأعمال التشكيلية للفنانين البلجيكيين، ثم نُقلت أعمالهم إلى المتحف الملكي للفنون الجميلة في بروكسل.

    أما صالة الإثنوغرافيا، فتحتوي على المعروضات التي تجسّد مناطق الكونغو المختلفة وما تمثله من تراث إنساني، ومن ثم صالة الاستيراد وخاصة المواد الخام، ثم تليها صالة التصدير، تبادل السلع، التغليف، إلخ.

    وبعدها تأتي الصالة المخصصة للمحاصيل الزراعية كالقهوة والكاكاو والتبغ وغيرها، من أجل الاهتمام بالتصاميم الفنية والديكورات، تم إسناد كل قسم تقديم إلى فنان من أجل تقديم رؤيته، حيث أسندت صالة الإثنوغرافيا إلى الفنان المعروف بول هانكار، وصالة الواردات إلى الفنان غوستاف سوريرييه بوفي، وصالة التصدير إلى الفنان هنري فان دي فيلدي، وصالة المحاصيل الزراعية إلى الفنان جورج هوبي.

    مظاهر «الحياة الحديثة»

    استخدام معدن الألمنيوم كان من الأمور المثيرة للاهتمام في حقبة إكسبو بروكسل، وقد انتشراستخدامه بعد ذلك بدءاً من علب المشروبات إلى صناعة الطائرات، وعلى الرغم من استخدام المعدن لأول مرة في عام 1825 إلا أن عملية استخراجه كانت صعبة وباهظة الثمن.

    وفي عام 1886، تم اكتشاف طريقة جديدة وفعالة لإنتاجه في أمريكا، والمعروفة باسم عملية هول-هيرو، العملية الكيميائية في إنتاج الألمنيوم، وهي تنسب إلى مكتشفها تشارلز مارتن هول الذي أصبح الألمنيوم بفضله متاحاً وبأسعار معقولة للمرة الأولى في تاريخ البشرية.

    وتعد الميدالية التي صُنعت خصيصاً لإكسبو بروكسل نموذجاً رائعاً، ورمزاً من رموز أواخر القرن التاسع عشر حيث جمعت بين الفنون والصناعة التي تمثل بروكسل. وتذكر هذه الميدالية بروح المدينة ومساعي البلاد لإظهار «الحياة الحديثة» عبر الفن الحديث، والكهرباء والتجارة.

    يعتبر إكسبو بروكسل واحداً من أهم معارض الإكسبو التي عقدت في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بل وتفوق على المعارض الأخرى المحيطة التي أقيمت في غواتيمالا سيتي، وناشفيل واستوكهولم.

    الجديد في إكسبو بروكسيل، وبقية معارض الإكسبو التي أقيمت في القرن التاسع عشر، أنها قامت بعرض الآلات والمنتجات التي صنعها المبتكرون، وتصدرته المنتجات الطبيعية والسلع اليدوية والفنون الجميلة والتحف الإثنوغرافية التي شكلت جوهر الإكسبو.

    قصر المستعمرات

    تميّز قصر المستعمرات، في بناء قريتين أفريقيتين، مسيجتين بحيث لا يمكن للجمهور الوصول إليهما، أقام فيهما كونغوليون من السكان الأصليين من شعب بنغالا ومايبوم وباسوكو من أجل تجسيد الحياة الحقيقية في الكونغو، من خلال تقديم عروض الحفلات الموسيقية أو المواكب.

    ثم اكتمل بناء القرية الثالثة، والتي تُعرف باسم «قرية جيزيكيم» وهي عبارة عن «حديقة حيوانات» بشرية إن صح التعريف: يمكنك أن تتجول بين الأطفال الكونغوليين الذين يرتدون ملابس البحارة، وقد تلقوا تعليمهم من قبل الأب فان إمبي، وكان وجودهم لإظهار هؤلاء البشر كانوا قادرين على تطوير حياتهم.

    ولضمان تقديم هذه العناصر بما فيها البشر المشاركون في الإكسبو، تم إحضار 267 شخصاً كونغولياً بعد أن استغرق جلبهم نحو أربعة شهور، وهبطوا أولاً في مدينة أنتويرب، حيث لاقى منهم أربعة أشخاص حتفهم خلال هذا العبور البحري.

    وفي غضون انعقاد الإكسبو، توفي سبعة أشخاص كونغوليين بمرض الالتهاب الرئوي، ولا تزال قبورهم شاخصة بجوار الجدار الشمالي لكنيسة القديس جان باتيست في ترفورين.

    وعلى الرغم من حماسة الجمهور، كان على المسؤولين عن الإكسبو، أن يواجهوا انتقادات عنيفة بسبب ما تحلوا به من اللاإنسانية والهمجية إلا أن العقلية الغالبة لمعظم الناس آنذاك، أنهم كانوا مشبّعين بالرؤية الاستعمارية الغربية وإصرارها على إقحام الحضارة والرفاهية في تصورهم إلى أفريقيا «الهمجية». وقد حقق القسم الاستعماري هذا نجاحاً كبيراً، حيث زاره أكثر من 1.8 مليون شخص.

     

     

     

     

    طباعة Email