إكسبو العالم من لندن 1851 إلى دبي 2020

العلم في خدمة الإنسان

نظر الكثيرون إلى معارض إكسبو عبر تاريخها على أنها أرضية مشتركة لإنجازات الأمم المشاركة للتعبير عن تفوقها الصناعي والتقني والعلمي، حيث أظهرت قوتها واستمراريتها وتنوعها في كافة ميادين الصناعة، مما جعل الحدث العالمي بمثابة سيرة ذاتية تروي تاريخ وإنجازات الأمم، ليجسد المعرض مقولة: العلم في خدمة الإنسان.

واطلع الجمهور لأول مرة على الآلات العلمية والتلغراف الكهربائي والميكروسكوب والمضخات الهوائية والبارموميتر، وكذلك الآلات الموسيقية والساعات الجدارية الضخمة لأول مرة. والتكنولوجيا الأمريكية تدين لإكسبو لندن بالكثير.

من المعروف أن التكنولوجيا الأمريكية أسست خطواتها الأولى في التقدم العلمي والتقني بعد قيام إكسبو لندن 1851 عندما قدمت إنجلترا صناعاتها الريادية. وكانت إنجلترا قد اخترعت في نهاية القرن الثامن عشر الآلة البخارية لجيمس واط التي أرخت للثورة الصناعية، وسرعان ما تبنى الأمريكيون اختراعه، إذ طوروه إلى تسيير القطارات.

وأصبحت التكنولوجيا الأمريكية هي المهيمنة على الحياة البريطانية وخاصة الإنتاج الضخم الذي قام به هنري فورد في مجال صناعة السيارات، كما تم اكتشاف الحمض النووي «دي. إن. إيه» تم من قبل فريق بريطاني أمريكي مشترك مؤلف من جيمس واتسون وفرانسيس كري، وأهم ما قدمه الأمريكيون في إكسبو لندن هو تحسين الزراعة من خلال ابتكار الآلات الجديدة التي انتقدتها الصحافة البريطانية أول مرة.

سيرة ذاتية تروي تاريخ وإنجازات الأمم

عبّر كل جناح شارك في مختلف دورات إكسبو عن ثقافته ورموزه، والأمثلة على ذلك كثيرة، ففي إكسبو ميلانو، على سبيل المثال، نجد أن الجناح المكسيكي أخذ شكل مقشرة الذرة، وهو من تصميم المعماري فرانسيسكو لوبيز غيرا، حيث يتنقل الزوار على منحدرات من ستة مستويات، وهو تصميم مستلهم من القنوات الزراعية القديمة المقتبس من الثقافة المكسيكية الغنية، لأنها من أكبر المنتجين للذرة في العالم.

ويستلهم جناح بلاد السامبا من الثقافة المحلية من خلال شبكة هوائية يتأرجح عليها الزوار، وهو منسجم مع الرقص والباليه وحركات الجسد في ثقافة البرازيل التي تنتج البن والثمار الاستوائية، وذلك من أجل جذب الزوار.

أما المعماريون الفرنسيون فقد صمموا جناحهم ليجسّد المناظر الطبيعية المتنوعة في فرنسا على مساحة ألفي متر مربع حيث تطلب استخدام الكثير من الأخشاب على شكل تلال وجبال طبيعية.

وهكذا كان إكسبو على مر التاريخ نموذجاً عالمياً فريداً في التقارب بين الحضارات والمزج بين الثقافات، ونموذجاً مصغراً للتعايش الإنساني بين الشعوب، وروح المواطنة العالمية بين مختلف الجنسيات.

ويجسد إكسبو حالة الاندماج الفكري والثقافي والتجاري بين حضارات العالم بعيداً عن حدود اللغة والديانات والأعراق، من خلال تعزيز مفهوم التواصل وصنع آليات المستقبل، ويقدم بذلك فرصة تاريخية أمام رواد الأعمال والشركات الكبرى من أجل مّد جسور التفاهم بين الشعوب وإيجاد نوع من التكافؤ والاكتفاء بين البشر، واحتضان التكنولوجيا والاختراعات والأفكار الحديثة والإبداعات المتنوعة، لا من أجل الاحتفاء بالإنجازات، بل لإيجاد الحلول لمشكلتي الغذاء والطاقة والعمارة والبيئة وغيرها.

تسخير التقنية

وفي هذا المجال اختار إكسبو فكرة التغلب على الطبيعة وتسخير الإنجازات العلمية والتقنية لخدمة الإنسان، والتناغم بينه وبين الطبيعة وتحقيق التنمية المستدامة.

ومع ارتفاع نسبة السكان الذين يعيشون في الحضر، وازدياد نسبها عاماً بعد آخر، انتقل ما يقرب من نصف سكان العالم إلى المناطق الحضرية، ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة أن 55% من سكان العالم انتقلوا للعيش في المناطق الحضرية مؤخراً.

لذا أصبح موضوع مستقبل المدن محور اهتمام إكسبو، من أجل تهيئة حياة حضرية بموارد الطبيعة باتت تفرض نفسها على البشرية، وأبرز مثال على ذلك، الصين التي أولت ذلك اهتماماً كبيراً باعتباره الموضوع الرئيسي لإكسبو الذي أقامته لأول مرة في تاريخها.

ولا يزال المشاركون في إكسبو يعملون في مجال التنمية الحضرية من خلال بناء مجتمع صديق للبيئة، والحفاظ على التنمية المستدامة.

ومن خلال المواضيع الفرعية، وضع إكسبو 2010 خططاً للمدن المستقبلية وأساليب الحياة الحضرية المتناغمة، وتوفير منبر تعليمي في هذا المجال، واختار إكسبو شانغهاى «المدينة» كموضوعٍ رئيسيٍ له، وخرج عن تقاليد إكسبو لأكثر من 150 عاماً من خلال تخصيص موقع خاص مستقل على مساحة كبيرة على ضفتي نهر «هوانغبو» داخل إكسبو ليكون موقعاً تطبيقياً لممارسة الحياة الحضرية، مما تركت تأثيراً ملموساً في مجال توفير حياة أفضل للسكان من خلال رفع شعار «مدينة أفضل، حياة أفضل».

وأثر ذلك فيما بعد على حركة إكسبو، وظهرت مصطلحات جديدة منها: نموذج «المدينة الصالحة للمعيشة»، و«التحضر المستدام»، و«حماية واستخدام التراث التاريخي»، و«الابتكار التكنولوجي في خلق البيئة» وغيرها.

هوية وطنية

وعزز إكسبو التبادل الثقافي والهوية الوطنية والتنافس السلمي بين الأمم، وأصبح نقطة انطلاق للاستلهام الأدبي والفني كما حصل في إكسبو شيكاغو 1893 والذي شهد لأول مرة مشاركة الأمريكيين من أصل أفريقي، بالانتصار على العنصرية والعرقية.

وأدت هذه المشاركة في إكسبو باريس إلى تعزيز النشاط الأمريكي الأفريقي ضد العنصرية، على نطاق عالمي، ودعم المرأة الأفريقية الأمريكية في كل من إكسبو شيكاغو وباريس.

تنمية

أصبح كسبو سيرة ذاتية عن التنمية العالمية وواحة للسلام لا معارك فيه ولا خصومات سياسية ولا حروب لأن ما يُقدم فيها من اكتشافات وابتكارات واختراعات يخّص الإنسانية جمعاء.

ولطالما تحول إكسبو إلى منطقة حاضنة للابداع والفن باعتباره ليس وجهة اقتصادية فحسب بل وجهة فنية أيضاً لأن الشعوب زاخرة بعطاءاتها. وهو منصة عالمية وليس محلية لتعزيز تفاعل المجتمعات والدول في استشراف المستقبل.

إبداعات فنية متواصلة

استوحى إكسبو إبداعاته الفنية المتواصلة من التقاليد السائدة في الأمم، مثل الحضارة اليونانية وعصر النهضة والفن الغوطي والثقافة العربية والفنون الفرنسية في عهد لويس الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر والثامن عشر، وهنا تكمن أهمية هذا الحدث في جمع الفنون والعمارة في نمط حياتي جديد، وكانت تلك رسالة إكسبو باريس الفلسفية التي ناقشها مفكرون وأدباء كبار أمثال ميرابو والأخوة غونكور ورينان وبودلير.

وحرصت كل دولة على تقديم أشكالها الإبداعية التي استوحتها من الطبيعة والبيئة والطاقة المستدامة. وفي كل إكسبو، تقدّم الأجنحة أشكالاً معمارية مبتكرة تُضاف إلى هذا الفن العريق، فتتلاشى المسافات بين الدول والشعوب، وتتغير الحقائق الجغرافية على الأرض، في انسجامها مع شعار «الإنسان.. الطبيعة.. التقنية».

ولم تكن الأجنحة مجرد هندسة سريعة، بل مفاجآت تتميز بأساليب معمارية صبغت العصر بطابعها التاريخي والثقافي.

ولم يخلُ إكسبو، على مدى أعوامه الطويلة، من التحدي والصراع أيضاً، فقد احتدم الجدل بين البريطانيين والفرنسيين حول ذاكرة الفرنسيين الشعبية، وهم يرددون: «إذا كانت لندن قادرة على صناعة سكينة بثماني شفرات، فإن باريس قادرة على إبداع آلة صنع قهوة بارتفاع عشرة أقدام، وقادرة على إنتاج ألفي فنجان قهوة في الساعة».

وهكذا كان هدف المنافسة هو الإبداع والإنتاج، لذلك أطلق نابليون عبارة «معبد السلام» أثناء افتتاحه إكسبو، لأن الهدف منه كان التركيز على تبادل الثقافات بين الشعوب، وهي الوسيلة الوحيدة لضمان السلام بين الشعوب.

إعادة تقديم التراث

تميزت الحضارات الأوروبية بإنتاج الثقافات وإعادة تقديم التراث. واعتمدت بلدان القارة على ماضيها وثقافتها القومية وإخراجها للوجود، لتجد متنفساً لها في دورات إكسبو عبر التاريخ. على سبيل المثال، جمع إكسبو لندن عام 1851 كلاً من سيلان وجامايكا وغينيا ومالطا وجزر الباهامس والهند، وعمل على تحسين أوضاع الطبقة العاملة.

كما عمل الفرنسيون على عرض منتجات مستعمراتهم في جزر الأنتيل والسنغال وجزيرة رينيون ومدغشقر وغابون والجزائر، وعرضت إنجازات البلدان التكنولوجية على نطاق واسع. وامتد الانفتاح إلى إكسبو فيلادلفيا 1876 بإنشاء قاعة خاصة للنساء من أجل عرض إبداعاتهن واختراعاتهن في الفنون والحرف من أجل إشاعة المساواة بين الجنسين.

ومن هناك، بدأ الكفاح من أجل المساواة بين الرجل والمرأة. وخلال إكسبو شيكاغو 1893، عُقد أول مؤتمر دولي حول المرأة وحضره أكثر من ثلاثة آلاف امرأة، وتم إعلان الأول من مايو يوماً عالمياً للعمال.

كما كانت الألعاب الأولمبية جزءاً من إكسبو حيث عُقدت الألعاب الأولمبية الثانية خلال إكسبو باريس 1900. وكذلك فعل إكسبو نيويورك، في تخصيص مساحة كبيرة للثقافة ومفاهيمها.

وبدءاً من إكسبو بريزبن عام 1988 شرعت الدول في استخدام إكسبو على نطاق أكثر اتساعاً وقوة كمنصة تساهم في تحسين صورها القومية من خلال أجنحتها المشاركة حتى إن الصين عرضت قطعاً من تحفها، مثل طوب قديم لسور الصين العظيم وتماثيل وعربات حربية جنائزية... وأول مرة في إكسبو نوكسفيل 1982. وعلى مدى أكثر من قرن، شاركت الصين في جميع دورات إكسبو تقريباً.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات