خضع بناء القصر البلوري، الذي استضاف فعاليات أول معارض إكسبو في عام 1951 في لندن، لمنافسة شديدة بين 245 مهندساً معمارياً، إلا أن جوزيف باكستون، الذي اشتهر بتصميم المباني الخضراء، بمساعدة المـــهندس شارل فوكس، فاز بالتصميم الذي استغرق إنشاؤه نحو تسعة أشهر.
وكان بناء هذا القصر بمثابة أكبر مغامرة على الصعيد المعماري، من حيث حجمه ومقاساته في التاريخ، وبلغ طوله 1851 قدماً (564 متراً)، وبعرض قدره 454 قدماً (138 متراً).
وقد رسم جوزيف باكستون تصاميم المشروع وتخطيطاته الأولية في أحد اجتماعات اللجنة على قطعة ورق زهرية، لا يزال متحف فيكتوريا وألبرت يحتفظ بها إلى وقتنا الحاضر. وكان على المهندس المعماري أن يشيّد مبنى إكسبو في أقل من عام، وبكلفة متواضعة.
وكان جوزيف باكستون مصمم على بناء الحدائق، لذا فإن سرعة تصاميمه وتفاصيلها قد شجعت اللجنة على الموافقة عليه. وبفضل الموضة الجديدة التي بدأت في إنتاج ألواح الزجاج، جعل المهندس المعماري يفكر في تشكيل المبنى الأكثر تزجيجاً في العالم آنذاك، وهذه التقنية الجديدة في البناء جعلت المكان مُضاءً بضوء النهار المتدفق من السقوف والجدران الزجاجية، الأمر الذي شكل دهشة كبيرة للزوار الذين شاهدوا هذه التقنية للمرة الأولى.
ومن ناحية تقــنية البناء، لم يكن سهلاً التغلب على مشكلة انهمار الأمطار وتهــديدها المحــتمل بانهيار السقف؛ لكن جوزيف باكستون جاء بحلٍ تصريفي للأمطار، أي بناء ضمن سقفه سككاً تصريفية تعمل على تجميع مياه الأمطار ومن ثم تصريفها.
أول إكسبو.. مغامرة معمارية بالقصر البلوري
ظهرت مشكلة أخرى لمصمم مبنى إكسبو لندن وهي حبس الألواح الزجاجية لحرارة الشمس، التي تستمر طوال النهار مع حرارة أجساد الزوار دون كهرباء أو نظام تكييف مما قد يتسبب في خلق جو مختنق لا بد من معالجته، وهنا استطاع جوزيف باكستون أن يبتكر نظام تهوية عن طريق تلبيس السطح بقطع من القماش تخفف سطوع الضوء وتحمي من الحرارة وترش بالماء لتولد تكييفاً لطيفاً، كما ابتكر نظاماً يعمل على فتح الجدران الزجاجية آلياً ويسمح بتسريب تيار الهواء من بين شقوق بلاطات الأرضية التي ابتكرها؛ والتي بدورها أيضاً تسمح بتسرب الأوساخ والغبار للأسفل ليجمعها العمال يومياً.
كما ساعد في ترطيب الأجواء الداخلية بوضع أشجار في الداخل ونافورة بلورية بارتفاع 8 أمتار، لكن الطيور بنت أعشاشاً عليها مما سبب مشكلة إضافية، حتى أن الملكة فيكتوريا اشتكت من ضجيجها، ولم يكن من الممكن اصطيادها أو إطلاق النار عليها داخل القصر البلوري، فجلبوا لها طيوراً أخرى من أجل ملاحقتها أو طردها.
وقد تشكلت أعمدة البناية من قطع الحديد والزجاج الذي تم تصنيعه في برمنغهام وسميويك. أما البناء من الداخل، فكان مدعوماً بالأشجار والتماثيل، ليس كديكورات تزيينية، بل كجزءٍ من البناء، وفيه رمزية عالية تدل على انتصار الإنسان على الطبيعة، وتقدم الفن المعماري.
ولفرادة هذا المعمار، قام بزيارته نحو 6 ملايين شخص، وهو ما يعادل ثلث سكان بريطانيا آنذاك. لذلك كان أعجوبة معمارية بحق. هذا من حيث المعمار الجمالي، أما من الناحية الاقتصادية فقد حقق إكسبو أرباحاً بلغت نحو 186 ألف جنيه استرليني، أي ما يعادل 7 ملايين و24 ألف جنيه استرليني في الوقت الحاضر.
وتم إنشاء ثلاثة من أهم المتاحف العالمية هي: «متحف فكتوريا وألبيرت» و«متحف العلوم» و«متحف التاريخ الطبيعي» بهذه الأرباح.
أما بما تبقى من المال، فقد تم إنشاء معهد البحث العلمي للطلبة وهو مستمر حتى يومنا هذا. وبعد انتهاء إكسبو، تم نقل المبنى إلى موقع آخر في ضاحية لندن الجنوبية بالقرب من الفيلات الكبيرة حتى انتهى بالحريق. ونال المهندس المعماري جوزيف باكستون التقدير ووسام الفارس من الملكة لإنجازه المعماري الذي دشن استخدام الألواح الزجاجية في البناء لأول مرة.
هكذا أصبح القصر البلوري أيقونة عالمية، حتى أن استراليا قامت ببناء نسخة مماثلة له في العاصمة سيدني عام 1879، وأطلقوا عليه قصر الحديقة.
لكن القدر شاء أن يلقى هذا البناء المصير ذاته، أي الحريق والتهام النيران له. وعلى الرغم من زواله، فقد ظل رمزاً لتجسيد روح الابتكار في الصناعة البريطانية، ومعلماً من معالم التصميم المعماري المتألق لأنه النموذج الكلاسيكي في المبدأ الهندسي الذي ينص على أن الشكل يتبع الوظيفة، وشكل المبنى وحجمه الكلي يدور حول حجم الألواح الزجاجية التي يمكن الحصول عليها.
وقامت شركة «تشانس وإخوانه» في منطقة سميثويك بتصنيعها، حيث تم تزجيج السطح الخارجي بملايين القطع المتطابقة. وأثر هذا القصر على العالم أجمع في تقنية استخدام الألواح الزجاجية في البناء، إلى درجة انتشر بسرعة في البناء الأمريكي وناطحات السحاب.
وقد أبدى كثير من الأدباء والكتّاب آراءهم في هذا الحدث المتميز، منهم الروائي المعروف شارلز ديكنز الذي قال بعد زيارته لإكسبو: يمكن رؤية أشياء هائلة لكن الجانب الأكثر إثارة هو القسم المخصص لعرض الآلات، حيث اكتشف الزوار أول معدات السكك الحديد القادمة من إنجلترا وألمانيا، والمكائن البخارية ومعدات الزراعة القادمة من أمريكا والتي كانت أوروبا تجهلها آنذاك.
حدث تاريخي
وكان الناس ينظرون إلى إكسبو كحدث تاريخي، ذي ثقل عالمي كبير لأنه لم يعمل على نشر الأفكار الجديدة فحسب، بل غيّر نمط حياتهم من خلال أرضية مشتركة بين البشر، أي اختراع لغة كونية بينهم، لأنها عرضت ولا تزال تعرض لمراحل تطور العلوم التطبيقية والتكنولوجية في أوروبا والعالم منذ القرن التاسع عشر.
ولعل أهم تأثيرات إكسبو المهمة هي تسهيل نقل التكنولوجيا بين البلدان، والتعريف باختراعاتها وابتكاراتها، إلى الشعوب الأخرى. وقد برزت أسماء العلماء من أمثال: كولت، ماككورمك، أديسون، بيسيمير وكراب ممنْ نجحوا في قطع أشواط في تقديم مفاهيم وأفكار تتعلق بالعمارة والتربية والصحة وآفاق تطورها.
معارض قبل إكسبو
يشار إلى أنه قبل انعقاد إكسبو لندن، ولدت المعارض الصغيرة، التي درجت على إقامتها الجمعية الملكية للفنون مثل معرض الآلات والاختراعات في 1791، ومعرض جنيف 1789، ومعرض هامبورغ 1790 ، ومعرض براغ 1791 ومعرض فرنسا 1797، والتي على أثرها ولدت سوق التجارة الحرة في لندن.

إكسبو والفن الحديث
كان إكسبو أول مَنْ قدم الفن الحديث وتياراته المختلفة كالتعبيرية والانطباعية والتجريدية. ومن هنا تأتي أهمية إكسبو، ليس كمكان لعرض المنتوجات والاختراعات والابتكارات مثل التلغراف الكهربائي والميكروسكوب والمضخات الهوائية والباروميــتر والآلات الموسيقية والساعات الجدارية الضخمة لأول مرة، بل لتقديم الفنانين وتأثيراتهم على أذواق الجمهور الواسع.
ومنذ ذلك التــاريخ، بدأت العمارة الوطنية باستخدام العناصر التراثية في مباني إكسبو وأجنحتها إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، والتي ظلت قائمـــة ليومنا هذا، ما دفع ذلك إلى تأسيس روابط اقتصادية جديدة، وإقامة التجارة الحرة التي اســـتفادت منها شعوب العالم.
وقد أطلقت تسميات عدة على إكسبو في العالم منها: إكسبو العظيم، أو إكسبو صناعات الأمم، أو إكسبو قصر الكريستال، في إشارة إلى منطقة الهايد بارك الشهيرة في لندن، والتي أقيم فيها أول إكسبو في العالم.
وكان الأول من نوعه، ثم انطلق التركيز على الثقافة والصناعة معاً، واللتان أصبحتا شعبيتين في القرن التاســع عشر.
وقد تم تنظيم إكسبو من قبل هــنري كول، والأمير ألبيرت، زوج الملكة فكتوريا. وقد حضره أبرز الشخصيات آنذاك منهم شارل داروين، وصموئيل دولت، وأعضاء العائلة الملكية، وعدد من مشاهير الكتّاب.

الثــورة الصناعية وإكسبو
أقيم أول إكسبو بمناسبة الاحتفال بالصناعة الحديثة والتصاميم المبتكرة كردّ فعل على إكسبو الصناعي الفرنسي الذي حقق نجاحاً عالمياً كبيراً، لذا تعود جذور إكسبو إلى الثورة الصناعية التي طورت التبادلات التجارية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، واختراعاته وابتكاراته في مجال العلوم والتكنولوجيا.
ولم يقدم إكسبو لندن الآلات والمنتجات فقط، بل حاول أن يقدم خلاصة الابتكار الإنساني العلمي، تتصدرها المواد الطبيعية، والفنون الجميلة، والموضات وغيرها، وليس بيع وشراء المواد والآلات، بل عرضها من أجل تثقيف الجمهور بها، والارتقاء بمستوى تفكيرهم إلى أهمية العلوم والتكنولوجيا في حياتنا العلمية.
وكان إكسبو لندن أول إكسبو يجمع بين الصناعة والثقافة، حيث عرض نحو مئة ألف تحفة واختراع على امتداد أكثر من عشرة أميال، وبمشاركة 15 ألف مخترع ومبتكر، لذلك خُصصت لبريطانيا وحدها نصف مساحة إكسبو، لما كانت تزخر به كإمبراطورية من خزين علمي وثقافي واسع، وكان لفرنسا النصيب الكبير من المساهمة.
وشملت هذه المعروضات أربع فئات رئيسة، هي: المواد الخام، والآلات، والمصنعون، والفنون الجميلة. ومن التحف التي عُرضت في هذا الإكسبو، ألماسة بحجم 105 قراريط (21.6 غراماً) والتي أطلق عليها «جبل النور» باعتبارها الماسة الأكبر في العالم آنذاك، إضافة إلى الخزف وأجهزة الموسيقى، وآليات الضغط الهيدروليكية الضخمة، وآليات إطفاء الحريق الكبيرة، ونافورة الكريستال التي يبلغ طولها 27 قدماً.
