تحتفل دولتنا في الرابع من فبراير، باليوم الوطني للبيئة الذي يتمثل أحد أهدافه في تشجيع أفراد المجتمع في مختلف أنحاء دولة الإمارات، على اتباع نمط حياة أكثر استدامة.
فهذه الرسالة أو بالأحرى هذه الضرورة، تزداد إلحاحاً يوماً بعد يوم، لا سيّما في ظل النمو المتواصل في عدد سكان العالم، وما يشكله ذلك من ضغط هائل على الموارد الطبيعية في كافة أرجاء الكوكب.
وتتوقع الأمم المتحدة أن يزيد تعداد سكان العالم إلى 9.7 مليارات نسمة بحلول عام 2050 بينما يقول المعهد السكاني إنه بحلول العام 2030 سيحتاج الجنس البشري إلى غذاء وطاقة أكثر بنسبة 50 % وسيحتاج من موارد المياه ما نسبته 30 % إضافة إلى ما هو موجود.
ومن هذا المنطلق، أخذ إكسبو 2020 دبي على عاتقه الاستدامة كأحد الأهداف الرئيسية التي يسعى إلى تحقيقها وترسيخ مبادئها وقيمها.
والاستدامة كمفهوم وممارسة، هي جزء أصيل من تاريخ وثقافة دولة الإمارات، إذ لطالما اعتمد شعب الإمارات على كفاءة التأقلم الفعّال مع الظروف المناخية القاسية والاستخدام الذكي للموارد الطبيعية المحدودة.
حلول للمشكلات
ولكن في أنحاء العالم المختلفة يعمل العلماء والأكاديميون ليلا ونهاراً من أجل الوصول إلى حلول للمشكلات التي يتعين التغلب عليها من أجل جعل عالمنا مستداماً بشكل حقيقي.
ولكن قد يكون مفهوم الاستدامة عاماً وواسعاً بالنسبة لكثير منا، بما يحتويه من مصطلحات وتعابير لا تزال مبهمة وتقنيات تبدو صعبة المنال.
لذا فمن الضروري أن يكون هناك رابط بين الناس العاديين والمعرفة والتكنولوجيا التي يحتاجون إليها كي يعيشوا حياة مستدامة. فالتغييرات البسيطة يمكن أن تحدث فارقاً كبيراً، سواء من خلال خفض الانبعاثات الكربونية الضارة من السيارات، أو الحدّ من هدر المياه أثناء تنظيف الأسنان، أو حتى الإقلال من النفايات بأن نقصر مشترياتنا على ما يلبي الحاجة فقط دون أن يفيض عنها.
لقد وضع «إكسبو 2020 دبي» الاستدامة في قلب كل ما يقوم به، فهي تتجاوز كونها أحد موضوعاته الفرعية الثلاثة لتصبح المنارة التي توجّه خطواته، حيث يعمل على تجسيدها بأبعاد مختلفة ومتعددة، سواء على صعيد الإنشاءات أو الخدمات اللوجستية أو العمليات التشغيلية أو محتوى المعارض أو التعليم.
وسيكون «جناح الاستدامة»، الذي سيشكل المعْلم المركزي في موقع «إكسبو 2020 دبي» الممتد على مساحة 4.38 كيلومترات مربعة، تحفة هندسية تجسّد الإبداع بمختلف تجلياته.
أهداف طموحة
ولدينا أهداف طموحة ترمي إلى جعله في نهاية المطاف صرحاً مكتفياً ذاتياً من حيث الموارد، أي أنه سيحصل على معظم احتياجاته من الطاقة والمياه من خلال تقنيات مبتكرة مُستلهمة من الطبيعة عبر تسخير طاقة الشمس واستغلال رطوبة الغلاف الجوي.
ولذلك، آمل أن تستقطب هذه التحفة الهندسية جماهير غفيرة للاطلاع على آلية عملها وتصميمها الخلاب. بيد أن الأهم من ذلك بالنسبة لي وللمعنيين عن قرب وبشكل مباشر بهذا المشروع، هو ما يمثله هذا الصرح الآن، وخلال معرض «إكسبو 2020 دبي» وبعد إسدال الستار على فعاليات الحدث العالمي.
فالجناح، ليس مجرد مبنى متطور يوفر تجربة استثنائية فحسب، بل يجسّد طموحاً نأمل من خلاله إحداث تغيير نوعي مُلهم في ذهنية الزوار.
نريد أن نغير المفاهيم وأن نضمن أن يكتسب من يزورون الجناح شعوراً بأن بمقدورهم تغيير حياتهم. ومن هنا تنبع أيضا أهمية «جناح الاستدامة» الذي سيوفر لهؤلاء فرصة خوض تجارب ربما لم يسبق لهم أن خاضوا مثلها ضمن بقعة جغرافية نصف قطرها 1000 ميل.
رؤية جديدة
وكلنا أمل، بأن يفتح هذا المشروع آفاقاً أوسع أمام الشباب لينظروا إلى العالم الذي نعيش فيه برؤية جديدة والمُضي في مسيرة حياتهم بإحساس جديد ومتجدد بالمسؤولية، بوصفهم حماة المستقبل المؤتمنين على صون هذا الكوكب الثمين، وعندها تكون هذه لحظة فخر بالنسبة لفريق «إكسبو 2020 دبي».
وأتخيل مجموعة من الشباب الذين يزورون الجناح ويشهدون بعضاً من أعاجيب الطبيعة المذهلة والبسيطة والتي قد لا تعدو كونها ببساطة دورة حياة شجرة عادية على سبيل المثال.
نريد أن يكتسب الشباب الإلهام حاملين أفكاراً ومفاهيم ستبقى في ذاكرتهم طوال الحياة لتحثهم دائماً على حماية كل ما هو طبيعي ومفيد في تلك البيئة المُهمَلة التي يعيشون فيها.
تجربة مفيدة
وبالتالي، فإن الرسالة التي نسعى لتحقيقها من خلال هذا الجناح و«إكسبو 2020 دبي» عموماً، تتمثل ببساطة في التزام أخلاقي لضمان تجربة مفيدة للزوار بكل جوانبها بما في ذلك الجانبان التعليمي والإلهامي، ولها أثر قوي مستدام يمس حياتهم ويعنيها بكافة تفاصيلها. والنقطة الأخيرة نقطة مهمة للغاية. فقد حظينا بفرصة كبيرة تتمثل في فوزنا بشرف استضافة حدث عالمي ضخم بحجم «إكسبو 2020» .
والذي نسعى من خلاله للتأثير إيجاباً في حياة ملايين الناس، ومن الأهمية بمكان أن نترك تأثيراً كبيراً في حياة ونفوس أبناء وطننا وزواره من مختلف أنحاء العالم. سنقدم تجربة فريدة تحمل بصمة دبي ولا تشبهها أي تجربة، سواءً في لندن أو نيويورك أو حتى هونغ كونغ. ستكون التجربة ذات طابع إماراتي خالص، يجسد تراثنا وثقافتنا والأمور التي تهمنا. وأعدكم جميعاً.. سيكون حدثاً ساحراً.
* نائب رئيس الإرث
