أشادت باتريشيا فرانسيس، الرئيس التنفيذي لمركز التجارة العالمية التابع لمنظمة التجارة العالمية، بالدور المهم الذي تلعبه دبي على خارطة التجارة العالمية، وقالت إن دبي استثمرت مبكراً لتضع نفسها كمركز للخدمات اللوجستية والمالية إقليمياً، وهذا يعزز نموها المستدام، مؤكدة أن دبي تلعب اليوم دوراً متميزاً في التجارة العالمية.
وقالت فرانسيس، في حوار مع "البيان الاقتصادي" على هامش مشاركتها في ملتقى الاستثمار السنوي، إنه ونظراً لبدء الإمارات منذ عدة سنوات في تنويع اقتصادها، وتحديداً نحو قطاع الخدمات بدلاً من الاعتماد على النفط والغاز، فإن مستقبلاً مشرقاً ينتظرها، موضحة أنه بالنظر إلى موقعها الجغرافي، فإن الإمارات ستواصل لعب دور متميز كمركز للمال والأعمال باعتبارها نقطة ربط بين العديد من القارات.
وكشفت فرانسيس عن أن هناك نقاشات حول حزمة لتيسير التجارة ستتم خلال الاجتماع الوزاري المقبل لمنظمة التجارة العالمية في بالي، مضيفة أن المنظمة تؤكد على ضرورة تحقيق نتيجة في هذا الاجتماع.
وأكدت أن التجارة هي المحرك الرئيسي للنمو في جميع أنحاء العالم، وأنه بدون التجارة لن يشهد العالم نمواً اقتصادياً فعليا.
وفي ما يلي نص الحوار:
الملتقى والتحديات العالمية
كيف ترين دور ملتقى الاستثمار السنوي في مواجهة التحديات العالمية الراهنة ؟
ملتقى الاستثمار السنوي يملأ فراغا، وهو ضروري للتصدي لبعض القضايا والتحديات التي يواجهها العالم، فهناك مثلاً فجوة معلوماتية حين تبرز الفرص الناشئة ومن هم اللاعبون الذين يقفون وراء تلك الفرص، وهذه خطوة أولية مهمة في بناء العلاقات، التي قد تقود لاحقا لصفقات تجارية أو استثمارية، والملتقى يمثل منصة لتبادل الأفكار والمعرفة.
الاستقرار السياسي والأمني
وكيف تقيمين تأثير حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني على المشهد التجاري في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ؟
من الواضح أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تأثرت بالأحداث التي وقعت والتي تواصل التطور، وفي وقت سابق تمكنت ليبيا لدرجة معينة من استعادة حجم صادراتها من النفط الخام إلى مستويات ما قبل الثورة، وما يزال عليها فعل الكثير، وكذلك مصر وتونس بحاجة لمزيد من الإجراءات.
المهم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هو أن وضعها مهم لتشكيل النظم الاقتصادية والاجتماعية والحوكمة في المستقبل.
فالمنطقة ككل، لديها أصول قادرة على تحقيق نتائج إيجابية، لكن هذا الوضع يتفاقم بفعل الحاجة الملحة لأن يقوم صناع القرار بقيادة مسيرة التنمية والرخاء لشعوبهم، وعلى وجه الخصوص الشباب والنساء. ويمكن تحقيق بعض هذه الأهداف من خلال زيادة التجارة البينية بين دول الجنوب.
فيما لا تزال المنطقة تعتمد لحد كبير على أوروبا، وحالة عدم اليقين الاقتصادي الكلي والطلب المتراجع تؤثر على هذه البلدان، وإلى جانب احتمالات زيادة التجارة البينية، فإن أفريقيا الجنوبية تمثل فرصا سوقية مثيرة للاهتمام، إن تلبية طلب المستهلكين أمر ضروري لتحقيق التنوع الاقتصادي والتحول من انتاج المواد الخام إلى المنتجات الاستهلاكية التي تستهلك مباشرة بالجنوب.
ومع ذلك، فمن الواضح أن لا أحد يستطيع حماية اقتصاده تماماً من تبعات الأزمة الاقتصادية، ويمكن لزيادة التجارة الإقليمية أن تمثل منطقة عازلة لدرء المخاطر العالمية، ومن خلال استغلال الفرص المتاحة في قارتي آسيا وأفريقيا وفي البلدان النامية الأخرى ستكون دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وضع أفضل ومستعدة لمواجهة الأزمة الاقتصادية في المستقبل.
الاستثمار الأجنبي المباشر
الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي لا يزال أقل من مستويات ما قبل الأزمة، ما المطلوب لتعزيز جذب الاستثمارات؟
بالنظر إلى الأحداث الأخيرة في قبرص، وغيرها من الأماكن، من المبكر أن نقول أن الأزمة انتهت. فالنمو في التجارة أو الناتج المحلي الإجمالي ما يزال إيجابياً، لكن الاستثمار الأجنبي المباشر حول العالم تراجع بنسبة 18 % في عام 2012، ليصل إلى حدود 1.3 تريليون دولار، نحن عدنا لما كان الحال عليه في عام 2009، أي بعد عام من اندلاع الأزمة المالية العالمية.
وفي حين تبدو ظروف الاقتصاد الكلي أفضل في العام الجاري والمقبل فإن الكثير من الحيثيات ما تزال غير واضحة.
العديد من المستثمرين، في القطاعين الخاص والحكومي، ما زالوا متأثرين بالاضطرابات المالية الأخيرة، ويمتنعون عن اتخاذ المخاطرة الكبيرة. وهذا ينطبق كثيرا على الاقتصادات المتقدمة، التي تعاني من مشاكل في هيكلية الاقتصاد الكلي وحالة من عدم اليقين بالنسبة للسياسات.
وهذا غير جيد بالنسبة لاستعادة الثقة الاستثمارية. من ناحية أخرى، فإن العديد من البلدان ستساعد نفسها لو أعادت النظر إلى الحواجز الداخلية القائمة في التجارة والاستثمار، من خلال تحديد تلك الحواجز والتعامل معها، كذلك فإن هذه الدول ستجد نفسها جذابة بصورة أكبر للاستثمار الأجنبي المباشر.
معونات تنمية التجارة
هل من المرجح أن نرى المزيد من المعونات الموجهة لتنمية التجارة ؟
منذ عام 2011 كان هناك فعلا انخفاض طفيف في المعونات الهادفة لتحسين التدفقات التجارية، فهناك تراجع في الدعم المخصص للبنية التحتية، وتحديداً في أفريقيا.
تنمية القطاع الخاص وتعزيز سلسلة القيمة لهما الأولوية الآن، والتدفقات مستمرة في مجال تحسين هذه المجالات، كما أن هناك معونات لدعم البرامج متعددة الأطراف والبلدان. وبحسب منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية "الأونكتاد"، فإنه بالرغم من تراجع الدعم الموجه نحو التجارة، فإننا نلاحظ أن البلدان الأكثر فقراً هي الأقل تأثراً بهذا الوضع.
وتشير المنظمة كذلك إلى أنه فيما رأينا تراجعاً في المعونات التجارية الثنائية خلال عام 2011، فإن هناك ارتفاعاً في المعونات التجارية متعددة الأطراف. لكن المبالغ مع ذلك تبقى أقل من مستوى تعهدات مجموعة العشرين.
تحديات تواجه التجارة
ما هي التحديات الرئيسية التي تواجه التجارة العالمية اليوم؟
التحدي الأكبر الذي يواجه التجارة في جميع أنحاء العالم في هذه الأيام هو الثقة، التي تتمثل في الجهود الأوروبية الحثيثة للخروج من أزمتها الاقتصادية. الأزمة الاقتصادية في أوروبا تؤثر على التجارة في كافة القارات.
وكذلك هناك تحد آخر يتمثل في التغيرات السريعة التي تحصل في سلاسل القيمة العالمية، فقطاع الأعمال والدول مجبران على التفاعل والتكيف بسرعة أكبر في ظل التغير السريع في أنماط التجارة. ويرتبط هذا بتحد رئيسي آخر، وهو كيفية خلق فرص العمل وضمان الشمولية. هناك فرص كبيرة لكي تستفيد معظم الدول من خلال قيامها بجهد أفضل لتفعيل دور الشباب والنساء في قواها العاملة.
التجارة الخليجية الأوروبية
المفاوضات الخاصة بالتجارة الخليجية الأوروبية الحرة توقفت منذ 20 سنة تقريباً، هل تدعمون الدعوات الإماراتية بتسريع هذه المفاوضات ؟
دول الخليج بحاجة للاتحاد الأوروبي، كما أن الاتحاد الأوروبي بحاجة لدول الخليج. والبعض قد يرى أن دول الخليج بحاجة للاتحاد الأوروبي فعلياً أكثر من حاجة أوروبا للخليج.
إن الإطار التجاري الحالي بين الجانبين يعود إلى عام 1989، ولكن من الواضح تماما أن التجارة بينهما متواصلة. وفيما توقفت المفاوضات للتوصل لاتفاقية تجارة حرة بين الجانبين في 2008، فإن التجارة البينية بقيت مستمرة وقد ارتفعت من ناحية السلع بحسب أرقام المفوضية الأوروبية.
استبدال محادثات الدوحة
كيف تنظرين لمحادثات الدوحة التجارية المتوقفة منذ 10 سنوات، وهل عززت تلك المفاوضات من الانقسامات الحاصلة بدلاً من أن تمهد لعلاقات تجارية أفضل ؟ وهل تعتقدين أن الوقت قد حان لاستبدال محادثات الدوحة باتفاق سريع وجديد ؟
لا أعتقد ذلك. خلال الاجتماع الوزاري الثامن لمنظمة التجارة العالمية أكد الوزراء أنه لن يتم التوصل لرأي موحد متفق عليه في استكشاف الطرق للاستفادة من بعض النتائج الأولية لبعض القضايا. وهناك حالياً، نقاشات حول حزمة لتيسير التجارة خلال الاجتماع الوزاري الذي سيعقد في بالي، وترى منظمة التجارة العالمية أهمية تحقيق نتيجة.
لا أعتقد أن القفز لموضوعات جديدة هو الحل للتغلب على الاختلافات القائمة حالياً بين الأطراف المتفاوضة. الحقيقة أن العالم النامي يحتاج لنظام عالمي متعدد الأطراف وشركات عالمية، وهذه الأمور تكون أسهل عندما تكون هناك قواعد عالمية واضحة.
نمو متفاوت في مختلف مناطق العالم خلال العام الحالي
أكدت باتريشيا فرانسيس، الرئيس التنفيذي لمركز التجارة العالمية، أن الاقتصاد العالمي يشهد نمواً، وقالت: من الواضح كذلك أن هذا سيستمر بصورة بطيئة في عام 2013، وسيكون النمو متفاوتاً في مناطق العالم. بعض المناطق مثل أوروبا تشهد نمواً بطيئاً في وقت تعرف فيه مناطق أخرى نمواً قوياً. والزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الصيني لروسيا وأفريقيا تعطي مؤشراً إلى مراكز النمو المحتملة.
كذلك فإن تقرير مركز التجارة العالمي أشار في العام الماضي إلى أنه بالرغم من أن 6 من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم هي أفريقية، فإن البلدان الأفريقية لديها الكثير لتكسبه من خلال التركيز على تصدير السلع المصنعة بدلاً من السلع الخام. أما في أمريكا اللاتينية فهناك إشارات متضاربة، ولكن الصورة العامة إيجابية.
وقد توقعت اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي أن تشهد المنطقة نموا بمعدل 3.8 %، وأن يكون مصدر النمو القطاع التجاري مقابل 3.1 % في 2012، مع نمو بنسبة 2.2 % في بقية أنحاء العالم.
لكن مع هذا فهناك اختلافات بينية كبيرة، فالنمو في بنما على سبيل المثال كان أكثر من 10 %، أما في البرازيل فقد بلغ النمو 1.2 % فقط مقارنة مع 2.7 % في عام 2011، وشهدت الارجنتين نمواً بمعدل 2.2 % مقارنة مع 8.9% في 2011.
الممارسات التجارية المقيدة
وحول مدى مساهمة أزمات الديون المتصاعدة في أوروبا والولايات المتحدة في زيادة الممارسات التجارية الضارة، مثل الحمائية والإغراق، في جميع أنحاء العالم، قالت فرانسيس: تميل كثير من البلدان في الأوقات الصعبة لزيادة الحواجز التي تضعها أمام التجارة، بالرغم من أن ذلك نادراً ما يمثل حلاً جيدا.
في عام 2012 ذكرت منظمة التجارة العالمية أن هناك تراجعاً في الحجم الكلي للتدابير المقيدة للتجارة منذ عام 2008، وهو ما يشمل الآن 3 % فقط من تجارة السلع العالمية، وتقريبا 4 % من اقتصادات مجموعة العشرين.
التجارة متعددة الأطراف
وأضافت فرانسيس: خلال الأزمات الاقتصادية من المهم أن نقاوم السياسات الموجهة نحو الداخل فقط، فما يحتاجه الاقتصاد العالمي هذه الأيام لمواجهة الركود يتمثل في تعزيز العلاقات التجارية والتزام أقوى من جهة الحكومات لتعزيز النظام التجاري متعدد الأطراف، ومع ذلك، فإن منظمة الأمم المتحدة للتعاون والتنمية "الأونكتاد" تشير مؤخراً إلى أنه في حين كانت هناك زيادة ملحوظة في القيود المفروضة على الاستثمارات الجديدة والأنظمة ككل خلال الأزمة المالية، فإن تلك الممارسات تراجعت خلال عام 2012، كما أن تحرير التجارة وتشجيع الاستثمار كان هو الاتجاه السائد.
قضايا رئيسية لمركز التجارة العالمي
يركز مركز التجارة العالمي خلال مشاركته في الملتقى على مناقشة الخيارات والسياسات الاستراتيجية التي يمكنها أن تساعد البلدان الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى، والقضايا التي تعزز النمو الاقتصادي المتصل بالتجارة من الآن وحتى 2025، من خلال الاستفادة من الأسواق النامية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ومن خلال الاستثمار في البنية التحتية ذات الصلة بالتجارة وبرامج تيسير التجارة.
ومن المتوقع أن يرتفع حجم التبادل التجاري بين أفريقيا وآسيا بحسب إحصائيات مركز التجارة العالمي بنسبة 14 % سنوياً على مدى العقد المقبل. والكثير من صادرات جنوب الصحراء الموجهة نحو آسيا عبارة عن سلع، مما يعني اعادة توجيه السلع إلى أسواق النمو الأخرى، وهذا ليس كافيا لتحقيق الاستدامة المستقبلية.
ومنطقة جنوب الصحراء الكبرى معرضة لمخاطر أكثر حيث أنها تبقى مهددة بالصدمات والتغيرات الحادة، ولهذا فإن التجارة والاستثمار مع مناطق آخري مثل دول الخليج، على سبيل المثال، مطلوب لدول جنوب الصحراء الكبرى للحفاظ على نموها الصحيح. ويعد ملتقى الاستثمار السنوي منصة مثالية لأفريقيا للبحث عن شراكات جديدة في المستقبل، والإمارات يمكن أن تسهل مثل هذا التواصل.

