قال بيتكو دراغانوف، نائب الأمين العام لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة (الأونكتاد)، إن الإمارات سوق ناشئ فعلياً، حتى وإن لم يتم ترقية أسواقها حتى الآن في ظل غياب تعريف واضح لمفهوم الأسواق الناشئة، موضحاً أن تعريف الاقتصادات الناشئة هو أنها مجموعة من الدول التي تتميز بخصائص تشمل الدخل المتوسط والنمو والتحول المؤسسي والتي تساهم في تعميق التكامل في منظمة الاقتصاد العالمي، وهذا كله متوافر في الإمارات فعلياً مما يجعلها جزءاً من هذه المجموعة.
وأكد دراغانوف، في حوار مع "البيان الاقتصادي" على هامش مشاركته في ملتقى الاستثمار السنوي، على مواصلة الاقتصاد الإماراتي التعافي من أزمة تداعيات الأزمة المالية العالمية، مشيراً إلى نموه بمعدل 3.9% خلال عام 2012 نتيجة لزيادة حجم الإنفاق العام في أبوظبي والأداء القوي في القطاعات غير النفطية في دبي، خاصة بعد الانتهاء من عملية إعادة هيكلة ديون دبي في عام 2011، وانتعاش القطاع العقاري في دبي، وتوفر السيولة ورأس المال في النظام المصرفي، وكلها أمور أدت إلى انتعاش اقتصاد دبي.
وتوقع دراغانوف تواصل انتعاش القطاعات غير النفطية في الإمارات في العام الجاري، مدعومة بنمو قوي في قطاعات التجارة والسياحة والخدمات اللوجستية والصناعات التحويلية، مؤكداً أن الثروة النفطية الكبيرة وخطط البنية التحتية الطموحة وسياسة التنويع الاقتصادي ستسهم في إيجاد فرص استثمارية جديدة وتعزيز جاذبية الإمارات للمستثمرين الأجانب. منوهاً إلى أن الإمارات تمكنت من جذب الاستثمارات المباشرة من دول المنطقة التي تشهد اضطرابات، كما تستفيد من موقع دبي كمركز أعمال عالمي.
وأكد أهمية ملتقى الاستثمار السنوي، مشيراً إلى أنه سيسهم في توضيح المشهد بالنسبة للاقتصادات الحدودية والناشئة.
وانتقد دراغانوف سياسة التضييق المالي التي اعتمدت في بعض الدول الأوروبية في محاولة لخفض العجز وتجنب أزمة الديون، مشيراً إلى أنها فشلت حتى الآن في تحقيق أي هدف، متوقعاً أن تأتي تلك السياسات بنتائج عكسية وأن تدفع الاقتصادات إلى الركود. وحذر من أن الحد من النفقات المالية وغياب الاستقرار الاجتماعي تحديان رئيسيان يواجهان النمو الاقتصادي العالمي. وفيما يلي نص الحوار:
اقتصاد الإمارات
كيف تقيّم أداء اقتصاد الإمارات في عام 2012، وما هي توقعاتكم له في 2013؟
واصل الاقتصاد الإماراتي التعافي من الأزمة المالية العالمية، ونما بمعدل 3.9% خلال عام 2012 نتيجة لزيادة حجم الإنفاق العام في أبوظبي والأداء القوي في القطاعات غير النفطية في دبي. كما كان للانتهاء من عملية إعادة هيكلة ديون دبي في عام 2011 وانتعاش القطاع العقاري في الإمارة، وتوفر السيولة المصرفية دور في تحقيق الانتعاش الاقتصادي للدولة. وفي 2013، فإن نسبة النمو المتوقعة للإمارات هي 3.1% لأن النمو في الناتج النفطي سيتراجع في ظل انخفاض الطلب العالمي على النفط، ولكن انتعاش القطاعات غير النفطية سيتواصل في هذا العام مدعومة بنمو قوي في قطاعات التجارة والسياحة والخدمات اللوجستية والصناعات التحويلية.
جذب الاستثمار الأجنبي
إلى أي مدى نجحت الإمارات في ترسيخ جاذبيتها للاستثمار الأجنبي المباشر؟ وهل تتوقع زيادة في التدفقات الاستثمارية إليها في عام 2013؟ وما هو إجمالي حجم الاستثمار الأجنبي المباشر الذي من المتوقع أن تجذبه الإمارات في العام الجاري؟
شهدت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الإمارات ارتفاعاً بشكل متواصل في الفترة بين 2003 و2007، حيث وصلت إلى رقم قياسي بأكثر من 14 مليار دولار سنوياً في المتوسط نتيجة للفرص الاستثمارية الجديدة الناجمة عن تحرير سياسات الاستثمار الأجنبي المباشر في بدايات العقد الماضي، ومع ذلك، فإن الأزمة الاقتصادية العالمية وأثرها على الاقتصاد الإماراتي تسببت في تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2009، والتي انخفضت إلى 4 مليارات دولار، أي أقل من المستوى الذي تحقق في عام 2003، ومع بدء انتعاش الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2010، دخلت المنطقة برمتها في مرحلة عدم اليقين السياسي، وهو ما حد من الانتعاش في الاستثمار الأجنبي المباشر في السنوات التالية.
ولكن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الإمارات ارتفعت إلى مبلغ 8.2 مليارات دولار في عام 2012.
ونتوقع أن يواصل الاستثمار الأجنبي المباشر نموه في عام 2013، والإمارات ستستفيد من الاستقرار السياسي الذي تعيشه، وقد تمكنت من جذب الاستثمارات المباشرة من دول المنطقة التي تشهد اضطرابات، كما تستفيد الدولة من موقع دبي كمركز أعمال عالمي، لكن بصورة عامة، فإن حالة عدم الاستقرار السياسي في المنطقة إلى جانب الأزمات التي تتعرض لها البنوك الأجنبية وتراجعها عن تمويل المشاريع الكبيرة سيتواصل ويؤثر على انتعاش الاستثمار الأجنبي المباشر.
مؤثرات خارجية
هل تتوقع أن تحافظ الإمارات على جاذبيتها الاستثمارية في السنوات المقبلة؟
التوقعات الخاصة بتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الإمارات تتصل بالوضع السياسي في المنطقة من جهة، وكذلك بوضوح المشهد الاقتصادي العالمي من جهة أخرى.
ومع ذلك فعلى المدى الطويل، فإن وجود ثروة نفطية كبيرة، وخطط البنية التحتية الطموحة، والهدف الاستراتيجي لخفض الاعتماد الاقتصادي على قطاعات النفط والغاز من خلال التنويع الاقتصادي، ستساهم جميعها في إيجاد فرص استثمارية جديدة وتعزيز جاذبية الإمارات للمستثمرين الأجانب.
وبالإضافة إلى ذلك، يمكن لتعزيز الروابط الاقتصادية فيما بين بلدان الجنوب أن يساهم في تشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة الصادرة من البلدان النامية الأخرى.
توقعات الأونكتاد
ما هي توقعات الأونكتاد حول أداء الإمارات في المؤشرات الصادرة عنكم من حيث الاستثمار والبيئة والبرامج وتداول الحاويات والشحن في 2013 و2014؟
وضعت الأونكتاد عدداً من المؤشرات المتعلقة بالاستثمار الأجنبي المباشر. على سبيل المثال، هناك مؤشر أداء الاستثمار الأجنبي المباشر، والذي يحسب حصة الدول من تلك الاستثمارات المباشرة قياساً لمساهمة اقتصاد الدولة أو ناتجها المحلي الإجمالي في الناتج المحلي الإجمالي دولياً. وقد انخفض هذا المؤشر بشدة في عام 2009 وبدأ يتعافى منذ عام 2010.
والتركيز هنا على مقدار ما تجذبه الدولة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة لعكس حجم اقتصادها الحقيقي. وحالياً فإن الإمارات قريبة من الدرجة الأولى، وهو الوضع الذي يشير إلى أن الدولة تتلقى استثمارات تتناسب مع حجم اقتصادها.
لكن في الفترة بين 2003 و2008 فإن المؤشر كان أعلى من ذلك بكثير، وهو ما يعكس أن الدولة كانت تستحوذ على حصة أكبر من الاستثمارات الأجنبية المباشرة قياساً للناتج المحلي الإجمالي. ومن الصعب التكهن حول 2013 - 2014، ولكن مع التوقعات بانخفاض الحجم الإجمالي للاستثمارات الأجنبية المباشرة عالمياً، فإن هذا سيصعب من التوقع باحتمال العودة إلى مراحل الذروة السابقة.
ترقية الإمارات
هل تتوقع أن يتم قريباً ترقية الإمارات إلى سوق ناشئ؟ وفي هذه الحالة، وفي ظل التحول الاقتصادي العالمي بين الغرب والشرق، ماذا ستكون الآثار المترتبة على التدفقات الاستثمارية إلى الإمارات؟ وكيف سيؤثر ذلك على أداء أسواق المال في الدولة؟
حالياً، لا يوجد تعريف واضح لمفهوم الأسواق الناشئة، ونتيجة لذلك لا توجد آليات لانضمام دولة معينة لتلك المجموعة، ولا يوجد معايير للانضمام لهذه الأسواق.
وإذا قمنا بتعريف الاقتصادات الناشئة بأنها مجموعة من الدول التي تتميز بمجموعة من الخصائص التي تشمل الدخل المتوسط والنمو والتحول المؤسسي، والتي تساهم في تعميق التكامل في منظمة الاقتصاد العالمي، فإن الإمارات تكون بالفعل جزءاً من هذه المجموعة.
إن جاذبية بلد ما للاستثمار الأجنبي المباشر تعتمد على ميزته كموقع للمستثمرين من مختلف الفئات. الاستثمارات الأجنبية المباشرة تبحث عن الأسواق الكبيرة والمتنامية، وتبحث عن المناطق التي تتوفر فيها الموارد الطبيعية.
كذلك، من بين العناصر التي تؤثر على الاستثمار الأجنبي المباشر عموماً قضايا مثل الاستقرار السياسي، ومستوى التنمية، والإطار الاقتصاد الكلي السليم، والتشريعات والقوانين التي تشجع على الاستثمار.
الملتقى يسهم في توضيح المشهد بالنسبة للاقتصادات الحدودية والناشئة
يهدف ملتقى الاستثمار السنوي بصورة رئيسية لتعزيز التعاون بين الأسواق النامية ومناطق النمو المرتفع، ويرى بيتكو دراغانوف، نائب الأمين العام لمنظمة "الأونكتاد"، أن الملتقى سيساهم في توضيح المشهد بالنسبة للاقتصادات الحدودية والناشئة من خلال توفير فرصة لتلك الدول لتقييم قدراتها الاستثمارية، والترويج لعلاقات أوسع بين دول الجنوب، وتحفيز التعاون وتبادل الخبرات والمعلومات.
وقال دراغانوف إن بروز منطقة الجنوب أصبح محفزاً لعلاقات اقتصادية بينية أكبر، وتحديداً في مجال التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر، موضحاً أن الاقتصاد العالمي يعيش أزمات اقتصادية ومالية هي الأكثر حدة منذ فترة الكساد العظيم في ثلاثينات القرن الماضي، وهو ما يهدد قدرة العديد من الدول على التعامل مع قضايا مثل الفقر والجوع والمرض، ومع اشتداد الأزمة، تأثرت الدول النامية بصورة أكبر، وأصبح وضعها أسوأ، خاصة من حيث ارتفاع معدلات البطالة وتزايد فجوة التمويل الخارجي.
أما البلدان الصناعية، والتي هي مصدر الأزمة، فهي معنية أكثر بحل مشكلاتها الاقتصادية، واستعدادها لتقديم المزيد من المساعدات الخارجية المؤثرة محدود. والتحول في موازين القوى الاقتصادية كان ملحوظاً في مرحلة ما قبل الأزمة، ويبرز أكثر حالياً.
دول محورية
في هذا السياق، أضاف دراغانوف: تـــبرز دول مجلس التعــاون الخليجي، مع إمكاناتها ومواردها المالية المتزايدة، إلى جانب الاقتصادات الناشئة الأخــرى كدول محورية في النظـــام العالمي المتـــغير، وتــسعى تلك الدول لتعـــميق وتوسيع دورها في الإطـــار الجامع للعلاقات البينية لدول الجنوب.
وحول مدى تأثير عدم الاستقرار المالي الذي تشهده البلدان المتقدمة على التدفقات المالية نحو اقتصادات السوق الناشئة، ودوره في زيادة تقلبات أسعار السلع الأساسية، قال إن أزمة الديون السيادية والركود الاقتصادي في منطقة اليورو، واستمرار تقليص الميزانيات في كثير من الدول المتضررة اقتصادياً يؤثر في تدفــقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الناشــئة والبلدان النامية الأخرى، وهذا الوضع يتفاقم نتيجة حالة عدم اليقين بشأن الآفاق الاقتصادية وتقلبات السوق.
وتابع دراغانوف قائلاً: من جانب آخر، فإن الزيادة السريعة في السيولة العالمية، وتدفقات رؤوس الأموال الكبيرة للبلدان الناشئة - الناجمة عن السياسات النقدية التوسعية في الاقتصادات المتقدمة تثير مخاوف جدية حول آثار سلبية على البلدان المتلقية، وهذه تشمل خطر الإنهاك، الضغوطات الناجمة عن أسعار الصرف والتضخم على أسعار المستهلكين والأصول، والمخاطر التي يتعرض لها الاستقرار المالي في تلك البلدان. وقد غذت هذه العوامل أيضاً التقلبات في أسعار السلع الأساسية الأولية، بما في ذلك السلع الزراعية.
الاقتصاد العالمي في 2013
وفقاً لتقرير صندوق النقد الدولي حول آفاق الاقتصاد العالمي الذي صدر في أبريل الجاري، من المتوقع أن يصل نمو الناتج العالمي إلى 3.25 % في 2013 وإلى 4 % في 2014.
كما من المتوقع أن تسجل الأسواق الناشئة والنامية نمواً بمعدل 5.3 % في العام الجاري و5.7 % في العام المقبل. أيضاً يتوقع أن يتراجع معدل النمو في منطقة اليورو بمعدل 0.3 % في 2013 ويرتفع إلى 1.1 % في 2014. وهناك تحديان رئيسيان يواجهان النمو الاقتصادي العالمي، هما الحد من النفقات المالية في بعض البلدان المتقدمة، وغياب الاستقرار الاجتماعي بسبب التفاوت في الدخل.

