رؤى استراتيجية تتزين بآفاق مشرفة
يرتبط معرض إكسبو 2020 بخطط التنمية الاستراتيجية للدولة بعلاقة زواج غير قابلة للانفصام بأي حال من الأحوال، وصار هذا الحدث العالمي بمثابة جزء عضوي أصيل من منظومة التوجهات الاستراتيجية التي وضعتها الدولة في مسعاها نحو التحليق في فضاء التقدم والتطور اللامحدود، بحيث تكون استضافتها لمعرض إكسبو 2020 بمثابة تتويج للنجاحات التنموية التي ستنجزها خلال السنوات السابقة على هذا الحدث العالمي، وتكون كذلك بمثابة شهادة دولية على تحقيقها اختراقاً تنموياً من شأنه أن يضعها في مصاف الدول الأكثر تقدماً.
ورغم وجود فاصل زمني بين إطلاق دولة الإمارات لمبادرة استضافة معرض إكسبو 2020، وإطلاق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، «رؤية الإمارات 2021» والتي تم إطلاقها في مطلع شهر فبراير 2010، تحت شعار «نريد أن نكون من أفضل دول العالم»، إلا أن استضافة معرض إكسبو يمثل قوة محفزة على تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة المستهدفة في رؤية الإمارات 2021 .
وتتضمن الرؤية سبعة مبادئ عامة، وسبع أولويات، ومثلها ممكنات استراتيجية، وتضع الاستراتيجية التي أطلقها سموه على رأس أولوياتها توفير أرقى مستويات الرخاء والرفاهية والعيش الكريم للمواطنين، من خلال الارتقاء بنظم التعليم والرعاية الصحية والتركيز في التنمية المجتمعية، وتطمح رؤية الإمارات 2021 إلى تطوير اقتصاد قائم على المعرفة، والذي من شأنه أن يكون اقتصاداً متنوعاً ومرناً بقيادة إماراتيين ذوي خبرة ومهارة، ومن ثم، فإن ارتقاء أولوية استضافة مثل هذا الحدث العالمي إلى مصاف الأولويات الكبرى يعود إلى كونه يدشن واحدة من الآليات المهمة لإنجاز رؤية الإمارات 2021، فهو يرسم مساراً تنموياً على خريطة طريق تحقيق هذه الرؤية الاستراتيجية لمستقبل دولة الإمارات.
جاذبية المعرض
وتكمن هنا جاذبية معرض إكسبو بالنسبة لدولة الإمارات، حيث مثل دائماً استضافة مثل هذا الحدث التاريخي سواء بالنسبة للدول الفائزة أو المرشحة علامة فارقة في تاريخ تطورها، وهناك أمثلة عديدة مستمدة من تجارب الدول تؤكد أن التوجه نحو تنظيم مثل هذه المعارض يكون في الغالب مرتبطا باعتبارات المكانة والمنافسة، إذ أرادت بريطانيا من وراء تنظيمها «المعرض العظيم للمنتجات الصناعية لكافة الأمم» أن تطلق رسالة إلى مختلف الأمم والشعوب في العالم بأنها دولة صناعية قائدة ورائدة، ورغم مشاركة العديد من الدول، إلا أن بريطانيا سعت حينذاك إلى إبراز تفوقها ووضعها المهيمن.
وينسحب الوضع ذاته على الولايات المتحدة في استضافتها للمرة الأولى لمعرض إكسبو العالمي في عام 1867، حيث تزامنت استضافتها لهذا الحدث مع احتفالها بمرور مئة عام على توقيع إعلان الاستقلال، كما استضافت مدينة كاليفورنيا معرض إكسبو العالمي لعام 1915 بغرض تسليط الضوء عالميا على حدث إنجاز مشروع قناة بنما، كذلك الحال استهدفت الصين من استضافتها لمعرض إكسبو 2010 في مدينة شنغهاي أهدافا عديدة من بينها إبراز مكانتها الاقتصادية كلاعب رئيسي في الاقتصاد العالمي.
خطة دبي الاستراتيجية
وتتجلى العلاقة الوثيقة بين إكسبو 2020 والخطط التنموية الكبرى فيما اصطلح على تسميته «خطة دبي الاقتصادية الاستراتيجية لعام 2020». حيث تتضافر جهود دائرة التنمية الاقتصادية في دبي مع جهود الجهات المعنية الأخرى في وضع برامج وسياسات هذه الخطة، وتعكف الدائرة الاقتصادية على إعداد برنامج شامل للتوصيات والمبادرات لتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم بإمارة دبي.
لما لهذا القطاع من أدوار مهمة في تعزيز اقتصاد دبي كونها أحد القطاعات الفاعلة في جميع حلقات القيمة، حيث تمثل نسبة 95% من مجموع المؤسسات المسجلة في دولة الإمارات العربية المتحدة.
ويتمثل الهدف من وضع استراتيجية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة في ضمان المقدرة التنافسية العالمية للمشروعات ذات نفس الحجم العاملة في دبي من خلال تأسيس بيئة عمل داعمة تتضمن قدراً أكبر من الاستفادة برؤوس الأموال، علاوة على تعزيز مشاركة المعنيين في القطاعين العام والخاص. ومن المقرر أن تسمح الاستراتيجية المقترحة لدبي حماية وتطويع الفرص المتاحة نتيجة التباطؤ الاقتصادي العالمي من ناحية وتوفير الاستقرار والاستدامة الاقتصادية المطلوبة.
وينصب اهتمام المشروعات الصغيرة والمتوسطة على تمكين الاقتصاد من الانتقال من كونه اقتصادا قائما على توافر رأس المال والعمالة إلى اقتصاد قائم على إيجاد الحلول المبتكرة والاستفادة من المقومات التكنولوجية المعززة بدرجة عالية من الكفاءة والإنتاجية.
وتعتبر خطة دبي الاستراتيجية 2015 جزءا من رؤية استراتيجية أكثر اتساعاً وهي رؤية الإمارات 2021، إذ أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، خطة دبي الاستراتيجية 2015 في فبراير 2007.
وترمي هذه الخطة إلى تحقيق رؤية دبي تحت شعار «دبي.. حيث يبدأ المستقبل» عبر تنسيق جهود مختلف الجهات الحكومية وضمان وجود إطار مشترك لعمل هذه الجهات. وتركز الخطة على عدة مجالات أساسية تتمتع بإمكانيات نمو كبيرة وتشمل التنمية الاقتصادية، التنمية الاجتماعية، البنية التحتية والأراضي والبيئة، الأمن والعدل، الصحة والسلامة، والتطوير الحكومي.
ورسمت خطة دبي الاستراتيجية بدقة ووضوح معالم صورة الإمارة في العام 2015 عندما يصل الناتج المحلي الإجمالي إلى 108 مليارات دولار (400 مليار درهم) ومعدل دخل الفرد الحقيقي إلى 44 ألف دولار (161 ألف درهم) فيما يرتفع العدد الإجمالي للعاملين في الإمارة إلى 1،73 مليون شخص.
ويعني تحقيق هذه الأهداف الطموحة أن دبي ستقوم خلال عشر سنوات بعد إنجاز أهداف خطتها الاستراتيجية السابقة والذي تم في العام 2005 بدلاً من العام 2010 بإضافة حوالي 71 مليار دولار إلى ناتجها المحلي الإجمالي (261 مليار درهم) بنسبة نمو تبلغ 188% في السنوات (2007-2015) مع ارتفاع في معدل دخل الفرد الحقيقي بواقع 12،86 ألف دولار (47.26 ألف درهم) بنسبة نمو تبلغ 41.29% وبزيادة في عدد العاملين بنسبة 104% وبواقع 882 ألف عامل جديد ينضمون إلى القوى العاملة في دبي خلال فترة الخطة الاستراتيجية.
وفي أعقاب التحولات الضخمة في الاقتصاد بسبب الأزمة المالية العالمية، فإنه جرى تنقيح الأهداف التنموية المتضمنة في خطة دبي الاستراتيجية 2015 لتتفق مع حقائق التطورات الجديدة. وفي مايو 2012، أعلنت دائرة التنمية الاقتصادي في دبي عن وضع هدف للتنوع الاقتصادي في حدود 4.5% بدلاً من 11%.
ترجمة التوجهات إلى سياسات
وبالفعل تمت ترجمة هذه التوجهات الاستراتيجية إلى سياسات حتى يكون عام 2020 شاهداً على ميلاد فاعل اقتصادي له مسؤوليات وأدوار ذات طبيعة عالمية، ويكون شاهداً كذلك على ميلاد فاعل ينتمي إلى منطقة الشرق الأوسط التي تغيبت لقرون عديدة عن المعادلة الاقتصادية العالمية، ويؤشر تحويل التوجهات الاستراتيجية إلى سياسات، على انتهاج الدولة نهج البلدان المتقدمة التي تخطط لعقود قادمة، وذلك رغم حقيقة انتمائها جغرافياً إلى منطقة لم تألف أغلب دولها مسألة التفكير المستقبلي.
ويبرز جلياً ترجمة هذه الخطط إلى تدابير وسياسات في الخطة الاستراتيجية لقطاع الطيران 2020 التي اعتمدها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وتتضمن مشروع التوسعات الجديدة لمطار دبي الدولي بتكلفة إجمالية تصل إلى 28.8 مليار درهم بهدف رفع الطاقة الاستيعابية للمطار إلى 90 مليون مسافر بحلول عام 2018 ووفقاً لهذه الاستراتيجية ستصل الطاقة الاستيعابية لمطارات دبي إلى أكثر من 98 مليون مسافر و4 ملايين طن من الشحن الجوي بحلول عام 2020، وحسب مؤشرات النمو ستصل نسبة مساهمة قطاع الطيران المدني إلى 32% من إجمالي الناتج المحلي أي 165 مليار درهم ونحو 22% من إجمالي عدد فرص العمل في الإمارة مع نهاية العقد الحالي.
وفي السياق ذاته، يشكل عام 2020 وهو تاريخ استضافة الدولة لمعرض إكسبو، منعطفاً تاريخياً مهماً بالنسبة للقطاع السياحي، حيث يتوقع مجلس السياحة العالمي ان ترتفع قيمة الاستثمار في القطاع السياحي الإماراتي إلى 224 مليار درهم بحلول العام 2020 وهو سيشكل ما نسبته 43.2% من إجمالي الاستثمارات في الإمارات حينها، وتوقع المجلس في تقرير حديث أن تبلغ نسبة مساهمة قطاع السياحة والسفر في الناتج المحلي الإجمالي للإمارات خلال العام الحالي نحو 16.6%.
فوائد تجارية واقتصادية
ورغم القيمة المعنوية الكبيرة لاستضافة الإمارات «إكسبو الدولي 2020»، إلا أن نجاح الدولة في هذا المعترك، يشكل محورا رئيسيا ضمن محاور إنجاز رؤية الإمارات 2020، بالنظر إلى فوائده ومردوداته الإيجابية الضخمة، ومن بينها التالي:
أولاً: التأكيد على مكانة الدولة كفاعل رئيسي في النظام الاقتصادي الجديد، حيث تمكنت الدولة على مدار أربعة عقود من بناء نموذج للتنمية الاقتصادية والاجتماعية يعد فريداً ومتميزاً في سياقه الإقليمي، وتستحق تجربتها المتميزة في التحول إلى مركز مالي وعالمي مرموق على الساحة الدولية أن تعرض بمختلف جوانبها على محفل عالمي، وبطبيعة الحال، يعد معرض إكسبو 2020 الساحة المثلى لإظهار جوانب التفوق والتميز في نموذج الإمارات التنموي، وهو أمر من شأنه أن يطلق رسالة بأن الإمارات قد أصبحت دولة فاعلة إقليمياً وعالمياً، وبالتالي، تجني المكسب الذي جنته دول كثيرة سبقتها في هذا المجال، وهو الفوز باعتراف دولي بالمكانة الجديدة التي ارتقت إليها على سلم الارتقاء والتطور.
ثانياً: التحفيز على تطعيم نموذج الإمارات في التنمية بمقومات النمو المستدام في المستقبل، وتتجلى أهمية هذا الهدف في النجاح الذي حققته الدولة في بناء نماذج للمدن العالمية وهي أبوظبي ودبي، وذلك استناداً إلى مفاهيم المستقبل التي كانت سائدة في حقبة التسعينات من القرن الماضي. وبالتالي، فإن السير على طريق استضافة معرض إكسبو 2020 يمثل قوة محفزة على التفكير الإبداعي والخلاق لجعل نموذج التنموي للدولة منسجما مع مفاهيم المستقبل للقرن الحادي والعشرين.
ثالثاً: تقديم خبرة إنسانية متميزة في صهر الشعوب في بوتقة تعايش واحدة، وتكمن قوة هذه الخبرة في نجاح دولة الإمارات في خلق بيئة تعايش بين ما يزيد على مئتي جنسية في العالم، تنحدر إلى خلفيات ثقافية ودينية متعددة، وهي بذلك تقدم نموذجا للتعايش والتواصل الحضاري والديني، ويكمن وجه تفرد هذا النموذج في كونه ينتمي حضاريا وجغرافيا وثقافيا إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي جرى توصيفها بأنها مستعصية على قيم التآلف والتسامح الحضاري والديني.
رابعاً: عرض مساهمة الدولة في تغيير الموروثات والقيم التقليدية المتعلقة بمزاولة الأعمال في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً فيما يتصل بالدور التبشيري الذي نهضت به في مجال إرساء بيئة أعمال تتماشى مع أفضل الممارسات الدولية، وهي في هذا المجال لعبت دوراً في قوة التغيير ضد الممارسات التقليدية في مزاولة الأعمال من خلال دعمها المتواصل للقيم والأفكار الجديدة المتعلقة بالحوكمة والشفافية والإفصاح.
خامساً: تحقيق عوائد تجارية واقتصادية: حيث أظهرت بعض تجارب استضافة معارض إكسبو أن هناك مردودا اقتصاديا بالإمكان تحقيقه، وتفيد الأرقام هنا أن عدد الزوار في معرض إكسبو أوساكا الذي جرى تنظيمه في اليابان في عام 1970 وصل إلى حوالي 64.2 مليون زائر، وارتفع هذا الرقم في معرض إكسبو شنغهاي 2010 إلى 73 مليون زائر، إلى جانب مشاركة 250 دولة ومنظمة دولية، ويشكل هذا الحجم الضخم من المشاركة قوة داعمة لاقتصاد الإمارات من خلال إنعاش قطاعات السياحة والضيافة والعقارات، وهو ما يشكل قوة داعمة لاستراتيجية الدولة الخاصة التنويع الاقتصادي بعيداً عن النفط.
وهكذا، يتزاوج معرض «إكسبو الدولي 2020» مع رؤية الإمارات 2021 ليعبرا عن استراتيجية كبرى تنتهجها الدولة ليصبح احتفالها باليوبيل الذهبي لتأسيسها أي مرور 50 عاماً على نشأتها بمثابة تأكيد على أنها قطعت بحق وحقيقة شوطا بعيدا في التقدم، بعدما كانت دولة صغيرة محدودة الموارد.. ولكنها ملكت أحلاماً وطموحات لا تحدها حدود.
دبي.. ثراء ثقافي يعلي قيمة الإنسان
تألقت دبي على مدار التاريخ بوصفها نموذجاً بارزاً ورائداً على مستوى العالم للتعايش بين ثقافات وجنسيات متعددة ومتنوعة، والتي رأت في الإمارة مقصداً للعيش الكريم الذي يعلي من قيمة الإنسان دون النظر إلى خلفياته وانتماءاته الجنسية والعرقية واللغوية، بل وثمنت هذا التنوع على أنه أحد مكامن قوتها وانطلاقتها نحو الآفاق الرحبة للتقدم والتحديث، ولهذا اختارات دبي شعار «تواصل العقول.. وصنع المستقبل» عنواناً لحملة استضافة معرض إكسبو 2020. باعتبار أن هذا العنوان يجسد أحد محركات نهضتها في مختلف المجالات، وهو إعلاؤها لقيمة الإنسان من خلال توفير بيئة اجتماعية واقتصادية وقيمية تحفز على التواصل بين الحضارات والثقافات دون أي استعلاء لإحداها على أخرى.
دور ريادي
وبفضل حقيقة الدور الذي نهضت به دبي بوصفها مركزا تجاريا رائدا على الصعيدين الإقليمي والعالمي، فإنها ظلت تاريخيا ساحة مثالية للتنوع الحضاري والثقافي والديني والعرقي، وظهرت تجليات إعلاء الإمارة لقيم التسامح والتآخي في فتح أبوابها على مدار مراحل التاريخ لاستضافة عشرات اللغات والأديان، فضلاً عن ما يزيد على 180 جنسية، فعلى الرغم من صغر مساحتها، تمثل صورة مصغرة لقارات العالم الست بتنوعها الحضاري والديني واللغوي.
وتتفق التحليلات الصادرة عن المراكز البحثية والهيئات الحكومية المعنية أن العمالة الوافدة تشكل النسبة الأكبر من إجمالي عدد العاملين في دبي، بل إن الصورة السائدة في مختلف مناحي الحياة بالإمارة هي فرق العمل المتنوعة الجنسيات والثقافات والتي يتشارك أعضاؤها في النهوض بمهام العمل، وتمثل قوة العمالة المتعددة الجنسيات أحد المحركات الرئيسية لنمو قطاعات اقتصادية حيوية كالسياحة وتجارة التجزئة، ويذهب بعض المحللين إلى القول بأن تنوع قوة العمالة في الإمارة يمثل إحدى الركائز الداعمة لتحقيق استراتيجية الإمارة المتعلقة بتنويع هيكلها وبنيانها الاقتصادي بعيدا عن العقارات، حيث يكون بالإمكان التواصل والتحاور وخدمة الشركات الدولية المتنوعة المشارب والجنسيات.
بوتقة التعايش
ويشير «تقرير اقتصاد دبي 2012» إلى أن عدد سكان دبي عام 2011 قد تجاوز مليوني نسمة، منهم 90.8 بالمئة من الوافدين. ويوضح تطور كل من الوظائف والسكان خلال الفترة 2006 و2010 بمعدلات نمو مشابهة، وهو ما يعني أن نمو سكان دبي ناجم عن الطلب على العمالة. ويشتغل أكثر من نصف السكان العاملين في قطاعات الصناعة والتجارة والخدمات والبناء.
ويوضح الهيكل الحالي للعمر والجنس في دبي، زيادة عدد الذكور بشكل ملحوظ، لاسيما في الفئة العمرية بين 20-59 عاماً، فضلاً عن ذلك، فإن عدد الوافدين من الذكور هو أعلى بالمقارنة مع عدد الإناث، حيث تبلغ نسبة عدد الذكور إلى الإناث 4 إلى 1. وفي المقابل، تتساوى نسبة عدد الذكور إلى الإناث للمواطنين الإماراتيين.
ورغم حقيقة انطواء هذا التنوع على بعض التحديات والتي يبرز من بينها ارتفاع تحويلات العاملين الوافدين في الإمارات إلى الخارج من 11.19 مليار دولار في عام 2011 إلى 12.87 مليار دولار في العام 2012، أي بنسبة نمو مقدارها 15 %، وذلك بحسب تقديرات مركز الإمارات للصرافة، ورغم أيضاً أن هذه التحويلات تضر بالاقتصاد المحلي، وهو ما حدا ببعض الاقتصادات الخليجية كالمملكة السعودية إلى فرض قيود على تحويلات العاملين الوافدين إلى الخارج.
إلا أن هناك تقديرات تفيد بأنه ليس بالضرورة أن كل درهم يتم تحويله إلى الخارج يمثل خسارة بالنسبة لدبي، فهي يمكن أن تعود مرة أخرى لتغذي اقتصاد الإمارة، فمن شأن قيام العمالة الهندية بتحويل الأموال إلى الهند، أن يزيد القوة الشرائية لعائلات العاملين على نحو يحفزهم على شراء الصادرات الإماراتية، ورغم حقيقة أن الهند تعد أكبر متلق لأموال تحويلات العاملين الوافدين إلى الخارج، فهي تعتبر أكبر شريك تجاري بالنسبة للإمارة.
وبمعزل عن التحديات الاقتصادية والتي لا ترقى في أهميتها بأي حال من الأحوال إلى القيمة العليا والأسمى التي تشكل أبرز تجليات تفرد وتميز النموذج التنموي للإمارات، وهي كونها تنعم بثقافة متجذرة في تاريخها تميل إلى الاعتدال والتوازن والتسامح والانضباط الذاتي للتفكير والسلوك، وتحت مظلة هذا النسق القيمي يسود البلاد جو اجتماعي مريح للتعايش حتى بين أفراد الجنسيات التي تتقاتل فيما بين بعضها البعض في بلدانها الأصلية، فهي أعلت منذ البدايات الأولى مبدأ التنوع الثقافي، والذي تشترك من خلاله جميع الحضارات في الإيمان بقيم الإخاء والعدل والتسامح وهي مبادئ كونية، عملت الإمارات على الارتقاء بمضامينها وترسيخها في الضمائر والسلوك باعتبارها موروثاً إنسانياً جماعياً ينبغي التأسيس عليه لتحقيق تعايش سلمي بين الهويات الثقافية المختلفة.
مقصد سياحي
وعلى أرضية هذا النسق القيمي، برزت الإمارات ودبي بوصفها مقصداً لأمم وشعوب من مختلف أنحاء العالم، فهي تستقطب أكثر من ثمانية ملايين سائح سنوياً، وفيها أكبر عدد من الشركات العابرة للقارات، وقدر كبير من الاستثمارات الإقليمية والدولية.
كما تحتضن أكثر من 180 جنسية تعيش على أرضها، وتتآلف هذه الجنسيات فيما بين بعضها البعض وتتراص جميعاً في صف واحد وراء النهوض بالدولة لأعلى مستويات التطور والحداثة، حيث تلتحم أياديها لتصبح يداً واحدة في بناء نموذج للثراء الحضاري والاقتصادي في منطقة مستعصية حتى الآن على إدراك قيمة إعلاء إنسان على أي اختلافات حضارية أو ثقافية.
نجاح
نفض غبار الأزمة
بدا جلياً للمراقبين أن مضي دبي في خطاها نحو التحضير لما سوف تكون عليه خريطتها الاقتصادية خلال المستقبل المنظور غير منفصل الصلة بالنجاحات الاقتصادية التي سجلتها خلال العام 2012 والتي أعطتها المزيد من الثقة والتفاؤل بشأن آفاق مشهدها الاقتصادي خلال السنوات المقبلة، خصوصا وأن جل المؤشرات والتقييمات الاقتصادية أكدت تعافي دبي من التحديات الاقتصادية والمالية التي واجهتها خلال السنوات القليلة، وأنها باتت تسير على مسار النمو والازدهار بخطى ثابتة وسريعة، وهو ما عبر عنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد خلال لقاء إعلامي في شهر يوليو 2012، حيث قال سموه لمحاوريه الإعلاميين بالحرف الواحد: لقد تركنا هذه الأزمة خلف ظهورنا، ودولتنا والحمد لله بخير ومؤسساتنا نفضت غبار هذه الأزمة عن كاهلها.
ثقة
جدارة الفوز
تستند الآفاق الواعدة والمبشرة بفوز الإمارات باستضافة معرض إكسبو 2020 إلى مقومات وعناصر قوية باتت بينة وجلية للعيان، حيث تمتلك الدولة أرقى مستوى من مرافق المعارض، ولديها الخبرات الكافية والإمكانيات لاستضافة وتنظيم الفعاليات الضخمة، وتمتلك أحدث وسائل النقل والتموين والمواصلات، كما أن الإمارات تتميز بتنوع المنتج السياحي، فلديها السياحة الصحراوية والشاطئية والرياضية والترفيهية وسياحة اليخوت وغيرها، كما تتفوق دبي كمدينة على العديد من المدن العالمية في سياحة التسوق.
عولمة
تعزيز التبادل الثقافي بين الشعوب
مثل معرض إكسبو الدولي الذي جرى تنظيمه في نيويورك (1939 ـ 1940) علامة فارقة في تطور مسيرة معارض إكسبو، حيث تغيرت محاور ومجالات تركيزه، فمنذ هذا التاريخ وصاعداً، أصبحت معارض العالم تعطي تركيزاً قوياً لمفاهيم وتعبيرات ذات مدلول ثقافي، وبدأت كذلك في طرح قضايا تتعلق بالإنسانية، كما أضحت أكثر توجهاً نحو المفاهيم المتعلقة بالمستقبل والأفكار الخيالية، ورغم أن التكنولوجيات والابتكارات ظلت ملمحاً بارزاً لهذه المعارض، إلا أنها لم تعد الملمح الوحيد المهم.
حيث تم تنظيم معرض نيويورك (1939 - 1940) تحت مسمى «بناء عالم الغد»، كما تم تنظيم معرض نيويورك (1964 - 1965) بعنوان «السلام من خلال التفاهم»، كذلك انعقد معرض مونتريال (1967) تحت مسمى «الإنسان وعالمه»، وشكلت هذه التسميات مؤشراً إلى التحول الضخم في مسيرة معارض إكسبو، حيث أضحت بمثابة ساحة لتقاطع والتقاء الثقافات وتبادل الحلول، وشكل هذا التحول علامة بارزة في تطور معارض إكسبو، ويعد معرض مونتريال (1967) أكثر معارض هذه الحقبة أهمية، فمنذ هذا التاريخ، بدأ المنظمون في إطلاق تسمية «معارض العالم» على معرض إكسبو.
بناء علامات تجارية للأمم والشعوب
بدءاً من إكسبو 1988 الذي عقد في مدينة بريسبان الاسترالية، شرعت الدول في استخدام معارض العالم على نطاق أكثر اتساعا وقوة كمنصة تسهم في تحسين صورها القومية من خلال أجنحتها المشاركة، وتعتبر معارض إكسبو التي جرى تنظيمها في كل من فنلندا واليابان وكندا وفرنسا وإسبانيا كحالات تعبر عن هذه المرحلة الحيوية من مراحل التطور التاريخي لمعرض إكسبو، وأوضحت دراسة ضخمة أعدها تياكو والفيز بعنوان «معرض إكسبو هانوفر بالأرقام» أن 73% من الدول المشاركة في معرض إكسبو هانوفر 2000 استهدفت بشكل أساسي تحسين صورتها القومية.
وفي عالم اليوم الذي يعد فيه تحسين الصورة القومية أحد الأصول القيمة والثمينة، أضحت الأجنحة المشاركة بمثابة حملات دعائية، وأصبح معرض إكسبو قاطرة بناء العلامة التجارية للدول والأمم، وبحسب دراسة أعدها والي أولينز خبير العلامات التجارية، استخدمت إسبانيا معرض إكسبو 1992 في تسليط الضوء على صورتها الجديدة كدولة ديمقراطية حديثة، وفي تقديم نفسها كعضو بارز في الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي.





