اختيار القائمين على مهرجان دبي للتسوق لـ"ساحة التراث"، في بيت التراث بمنطقة الشندغة التاريخية، أشبه بتجليات في جعل الأماكن تعبق بتاريخها، باعتبار أن الثقافة وحدها تستثيرنا للبوح، مجسدةً إنسانية هذه الأرض، وكاشفةً أن التجارة التقليدية أسست قيمةً تاريخية، من تجارة البهارات والالتقاء البحري مع الهند، إلى فن الصوت في الخليج، واستيراد آلات "المشتخته"..

وصولاً إلى أول دار عرض سينمائية في عام 1945 بمنطقة المحطة التابعة لإمارة الشارقة، ما أدى إلى توافد أجهزة (البروجكتر)، لعرض الأفلام، حيث أعادت النماذج الحيّة لأشكال الأسواق القديمة في الإمارات، قبل قيام الاتحاد، في ساحة التراث، مناقشة مشروع المتحف المحلي الجوال، وأهمية ابتكار وسائل الاستثمار الترويجية للتراث وتاريخ المنطقة..

كون الأخير شكل في العديد من البلدان العربية والإسلامية، إلى جانب الدول المتقدمة، أحد المحاور الحيوية في دعم الدخل القومي للدول، والمثير للانتباه في جولة "البيان" لساحة التراث، هو تعرف الزائر على البعد الاقتصادي في تحديث الحراك المجتمعي في مدينة دبي، لما تميزت به المدينة من موقع استراتيجي..

إضافة إلى انفتاح الأفراد على مبدأ التنوع، الذي ارتبط بالدرجة الأولى بمفهوم العيش والظفر بالحياة الكريمة، لينتقل بعدها إلى تنظيم نسق الحياة اليومية على مستوى العادات الفكرية، والتقاليد المجتمعية، والمساهمة في تشكيل عدة أنماط ثقافية وفنية، والتساؤل الأهم يبرز في مدى إمكانية مهرجان دبي للتسوق في خوض غمار الثقافة التاريخية وتحويلها إلى منصة استراتيجية، توثق هوية المنطقة العربية، مستثمراً قوة نهضتها الاقتصادية واستقطابها العالمي؟

استثمار العبق

يستقبل الزائر عند المدخل الرئيسي، رائحة العود المبخر، وبديهياً ستنتشي الذاكرة عائدةً إلى بداية القرن العشرين، بحسب توثيق بعض المصادر. فحينها كان يقايض تجار الخليج اللؤلؤ بالعود الأصلي، من خلال تجارتهم مع الهند، لتصبح بعدها موروثاً لأشكال الضيافة والاستخدامات العطرية الشخصية. وتكمن جماليات الحديث عن العود، في انتقال حرفة صناعته إلى نساء المنطقة في الخليج، وتحديداً في الإمارات..

ورجوعاً إلى معيار مشاريع الأسر المنتجة في الإمارات، فإن صناعة العود والبخور المعطر، تمثل الأقدم والأغلب بين الصناعات اليدوية، حيث تفتخر صانعات البخور بمهنتهن وحرفتهن في المجال، ومنهن فاطمة المهيري، إحدى المشاركات في مهرجان دبي للتسوق، عبر "ساحة التراث"، قائلةً:

"انظروا إلى هذا العود، إنه أصلي. استخدم الكثير من المواد العطرية لمزجها مع العود، تستطيعون تجربة بعضها، لتحكموا عليها بأنفسكم". تتوسط فاطمة العطور والبخور، مُشَكلة لوحة فنية، وضع بجانبها الـ"مندوس"، وهو صندوق خشبي كان يستخدم لحفظ الأغراض الثمينة، والشبيه بما يسمى محلياً بـ"التجوري"، وإلى جانبه وضعت منضدة مزركشة، وضعت عليها مجموعة من العطور.

خلطة «العود»

الوقوف بجانب المنطقة المخصصة لبيع البخور في ساحة التراث، وتأمل مشهد فاطمة، وهي تحتفي بالزوار، مدعاةٌ للبحث في إيقاع تلك السيدة وانفتاحها وتساميها، إذ هل هي تعويذات العود وسحره على الأشخاص، الشغوفين بتحضيره وبيعه، بالرغم من كبر سنهم؟

وللنساء العاملات في المجال أسرار تتعلق ببعض الخلطات، سعياً لتحقيق الخصوصية والبحث عن العلامة التجارية المسجلة، باعتبار الأخير معيارا حيويا في عالم "البزنس".

دكان "الفريج"

يمر زائر ساحة التراث، في منطقة الشندغة التاريخية بصانع الحلوى العمانية، والأكلات الشعبية من مثل "الرقاق" و"الخمير" و"الجباب" و"اللقيمات"، مروراً بمحلات بيع الأواني التقليدية، ومعرض مصغر لصور فوتوغرافية تاريخية، وصولاً إلى نموذج يجسد شكل "الدكان" قديماً، وهي البقالة التي تهتم بجلب الاحتياجات الأساسية للأفراد..

فقد كان في كل "فريج" دكان معروف، يرتبط بعلاقة مودة مع الأشخاص، خاصةً أن صاحب الدكان يستوعب أوضاعهم المالية، ويؤجل دفع الحساب لشهور طويلة، وما يلفت في المجسم، الترتيب المنظم للبهارات في الدكان، وذلك البعد التاريخي، الذي أثاره مشهد الدكان في ساحة التراث، يرجعنا أيضاً إلى سوق البهارات التقليدية في دبي، الذي لا يزال يوثق مشهد العطارة، والحراك الاقتصادي للمدينة، حيث يتقاطع موقع السوق مع مشهد تاريخية منطقة "ديرة" بدبي.

 الوقع السينمائي

النظر إلى أشكال "البروجكتر"، المصفوفة فوق بعضها، بين محال ساحة التراث، يثير ذكريات السينما في الإمارات، ليس وقوفاً عند أول حالة سينمائية في مطار الشارقة بالمحطة، والذي كان يتبع الانتداب البريطاني وقتها، بل العرض الأول في منطقة الرولة في الشارقة في عام 1939 أمام الحصن، بحسب توثيق الباحث الإماراتي ناصر العبودي، وهو زمن يرجع إلى المرحوم الشيخ سلطان بن صقر القاسمي حاكم الشارقة آنذاك..

حيث كانت آلة العرض مركبة على سيارة لاندروفر، وكان الفيلم إنجليزياً صامتاً. ومن جهته وصف الباحث الإماراتي عبدالعزيز المسلم، أن السينما كانت عبارة عن جهاز متنقل للعرض "بروجكتر" يعرض مادة فيلمية على الجدار، لم يتم تجهيزها بكراسي مخصصة لجلوس الجماهير، بل استخدموا "أيباب الكاز"، علب معدنية للكيروسين تملأ نصفها بالرمل وتوضع على الأرض لكي يجلس عليها الناس.

إن المرور بتاريخ آلة العرض (البروجكتر)، والنظر في أشكال بكرات آلة العرض الممزوجة برائحة ماضي المنطقة يستحق التمعن في أبعاد التداخل الاقتصادي، ودوره في تعزيز التنامي والفكري لأهل المنطقة في الخليج العربي.