دائماً تدهشنا دبي بالمفاجآت والمشاهد المفعمة بالمرح والتشويق والإثارة، لأنها مدينة العجائب، تكسب رضا كل الزوار بلا استثناء، وبالكشف عن تفاصيل مهرجان دبي للتسوق، يدرك الجميع أنها مدينة «ألف ليلة وليلة»، نظراً للحكايات الرائعة، التي تسرد تفاصيلها في ظل امتداد جسور بشرية جوية من صحراء العالم وأدغالها المختلفة. في دبي «البدو» يشدون الرحال من أقاليم وقارات ودول كثيرة، لرسم صور ومشاهد حية من نسيج المجتمعات البدوية في العالم، لتضاف إلى رصيد مهرجان دبي للتسوق تظاهرة تراثية عالمية تثري دانة الدنيا، وفكرة غير مسبوقة، يشار إليها بالبنان، تقام على شارع السيف بالقرب من مياه خور دبي وسط ناطحات السحاب.
قرى وضيافة
قرى عديدة ضمها الحدث، الذي يستمر طوال فترة المهرجان، لنقل نمط حياة أهل البادية في بعض الدول، مثل كينيا وموريتانيا والهند والجزائر، ودولة «بوركينا فاسو»، والكثير من الدول من بينها أرض الكنانة، التي مثلها مجموعة من أهل البادية في صحراء سيناء، يجلسون في خيمة عربية شاهدة على أصالة وكرم ضيافة، فقد تحدث محمد سالم رئيس المجموعة عن عادات وتقاليد أهل البادية في مصر، التي استعرضها مع أفراد المجموعة المشاركة أمام الزوار، مثل رقصة «الدحية» المشهورة عند بدو سيناء وبعض القبائل البدوية العربية الأخرى، إذ يؤدي أبناء القبيلة رقصتهم الشهيرة غالباً في الأفراح، إلى جانب رقصة أخرى، يطلق عليها «صلية»، يؤديها الرجال باستخدام مجموعة من الإبل ذهاباً وإياباً أمام منزل العروس.
ثلاثة قضاة
لعل ما يميز أهل البادية في جنوب سيناء، حسب ما أوضح رئيس المجموعة المصرية، حل المشكلات والقضايا بينهم من دون الحاجة إلى الوصول للمحاكم، فكما استمع الزوار هناك ثلاثة قضاة رئيسين في المجتمع البدوي بمصر، يطلق على الأول «سليلمي» خاص بقضايا العراك والدم، وقاضي آخر يطلق عليه «قاضي الضرايبي»، يحكم بين المتخاصمين أو الذين حصل بينهم قذف في الكلام، أما الأخير فيطلق عليه «قاضي الكبار»، وهو الذي يفصل بين كبار القبائل لحل المشكلات بينهم.
كان «بدو» سيناء يتشاركون طريقة اللبس نفسها مع أهل البادية في دول أخرى، مثل المملكة الأردنية الهاشمية، التي كان لها نصيب في قرية البادية على شارع السيف، إذ قدم عماد حداد رئيس مجموعة التراث البدوي الأردني، والأعضاء المشاركون معه من الأردن لوحات تراثية وفنية، تعكس أصالة بلدهم، وقد يثيرك جلوس الزوار بجانبهم تحت بيت الشعر، لتقديم شرح واضح ومكثف عن طريقة طلب الشاب يد الفتاة للزواج، المتمثلة في عدم شرب فنجان القهوة إلا بعد الموافقة على طلبه.
«بيت الشعر»
وارتشف بعض الزوار القهوة الأردنية، التي تتميز بلونها الأسود الداكن، وتقتضي غليها سبع مرات بواسطة شخص خبير ومتخصص في إعدادها، يجلس بجانب موقد النار، ومن الواضح أن تفاصيل حياة البادية في الأردن دفع ببعض الزوار للاستماع عن أهم الملامح العامة لحياة الإنسان البدوي، مثل استحالة تربيته للأبقار، وإهداء بعض شيوخ القبائل أثناء الزفاف الخيمة «بيت الشعر» للعروس مهراً لها، واستقرار الزوجة الأبدي لدى عشيرة زوجها، حتى وإن طلقت، لكن يسمح لها بالمغادرة إذا طلب شيخ القبيلة منها ذلك أو وافق، وجمع النساء للحطب وجلبهن المياه، وغيرها الكثير من العادات، التي ذكرها رئيس مجموعة التراث البدوي الأردني للزوار.
لا شك في أن صوت الربابة الأردنية جذب الكثير من المارة في شارع السيف، نظراً لما تطلقها الأوتار من أصوات رنانة، عادت ببعض المستمعين إلى الوراء، علاوة على فن «المهيجنة» البدوي، لكن في الوقت نفسه تعتبر الخيمة الأردنية متحفاً يضم العديد من الأدوات القديمة، التي يعود صنع بعضها إلى أكثر من 150 عاماً، وقد حظي الزوار في بعض الأيام بفرصة لتناول الطعام الأردني مثل «المنسف»، الذي يعد من الأرز واللبن، فضلاً عن خبز «شراك» الرفيع.
رقصة «الشمرة».
أما المملكة المغربية، فاستعرضت مشاهدة حقيقية وحية عن حياة البادية المغربية، وتحديداً من بلدة «امحاميد الغزلان»، هذه المنطقة، التي تبعد نحو 800 كم من العاصمة المغربية ويفصلها قرابة 40 كم عن حدود الجزائر، أتى منها المشاركون برئاسة عبد الحليم السباعي مسؤول مجموعة «الشمرة» التراثية، الذي أعد برفقة المشاركين الشاي المغربي ذي النكهة الرائعة الممزوج بالقليل من الأعشاب الطبيعية، إذ وقف المتفرجون أمام الخيمة بين متشجع وآخر متردد، لاحتساء فنجان الشاي المغربي الساخن.
انفردت الخيمة المغربية بعرض إحدى الرقصات الشعبية التراثية يطلق عليها «الشمرة»، تؤديها بعض القبائل العربية في المغرب، خاصة قبيلة «اعريب»، وتتمثل طريقة أداء الرقصة بالتفاف مجموعة من الرجال، للتصفيق بمشاركة قارع الطبل، ثم تدخل وسطهم فتاة في سن الزواج أو طلقت مبكراً تضع اللثام على وجهها، ثم يتفاعل الشباب مع دخول الفتاة المفاجئ، لتعلو أصوات التصفيق، يرفع اللثام أحد الشباب عن وجه الفتاة كي يرى الجميع جمالها للتنافس على طلب الزواج من ذويها.
الفتاة المغربية
هذا المشهد السابق لرقصة «الشمرة»، عادةً ما ينظمه أبناء البلدة أو القبيلة في ساعات الأصيل قبل غروب الشمس، لكن يبدو أن هذه الرقصة لم يكن لها موعد محدد في مهرجان دبي للتسوق، إذ يتجدد المشهد باستمرار منذ الساعة الرابعة عصراً، وحتى الساعات المتأخرة من المساء. ثمة الكثير من المعلومات كشف عنها مسؤول مجموعة «الشمرة» التراثية المغربية للزوار، تتعلق ببعض الأعراف في المجتمع البدوي المغربي تحديداً، مثل استمرار حفل الزفاف لثلاثة أيام أو أسبوع في الماضي، وزواج المرأة المبكر سابقاً، وإذا بلغت الفتاة في الماضي سن العشرين ولم تتزوج، يصف المجتمع أهل الفتاة حينها بأنهم محظوظون كونها تزوجت في هذه السن، لكن هذا التفكير السلبي تغير مؤخراً إلى الأفضل بعد تطور المجتمع البدوي فكرياً، وانتشار التعليم على نطاق أوسع.
وسط هذه التظاهرة التراثية والثقافية، يملأ صخب الفن اليمني حتماً المكان، ويشد الأسماع والأبصار لمشاهدة رقصات أهل «اليمن السعيد»، وأشهرها «السركالي»، و«الهبيش»، التي انسجم معها بعض الزوار لاسيما الأجانب، ليشاركوا أعضاء الفرقة رقصتهم، ويشعلون بدخولهم حرارة التصفيق لدى الجمهور. متعة خارج عن المألوف، شعر بها خالد باعيسى رئيس المجموعة اليمنية أثناء مشاركته في مهرجان دبي للتسوق، نظراً لفرص الالتقاء بالكثير من الناس من مختلف أنحاء العالم.
«الطوارق».. من صحراء أفريقيا إلى خور دبي
كثيراً ما نسمع عن «الطوارق»، أو ما يطلق عليهم بالرجال الزرق، لكن هذه الفعالية أتاحت الفرصة أمام الجميع كي يتعرفوا إلى أهم الخصائص والسمات، التي يتميز بها سكان الصحراء في الجزائر وتحديداً الطوارق، إذ جلس مجموعة من الرجال المتلثمين أمام الخيمة، يتوسطهم إياد حجي إبراهيم رئيس المجموعة، للتعريف بالمقتنيات المعلقة داخل الخيمة، مثل السيف وبعض الأواني المنزلية القديمة.
أما اللثام الذي جذب أنظار المتجولين في القرية، فيلتزم به الرجل حسب ما قال المشاركون من الجزائر، للوقاية من الرمال والأتربة في الصحراء، وفي الشتاء يساعد الرجال على التدفئة من البرد، وقد يلزم الرجل اللثام عند مشاهدة المرأة في الطريق احتراماً لها، لكن في المقابل، تتلثم المرأة أيضاً عند دخول الرجل الغريب إلى المنزل، ويبدو أن المرأة في المجتمع الجزائري البدوي، تحتل مكانة عظيمة، وتحظى بتقدير واحترام منقطع النظير من نظيرها الرجل.
أشهر الفنون الشعبية للطوارق والقبائل البدوية في الجزائر، فن «الصبيبة» و«تهمات»، وأخرى يطلق عليها «أليون»، وهي رقصة بالجمال، وعند أداء الرجال للرقصات، غالباً ما تكون النساء من يعزف، ويغني لبث الحماسة وتشجيع الرجال، وعلى شارع السيف في دبي، حرصت الفرقة الجزائرية المشاركة على أداء بعض الرقصات أمام الزوار.
«الطنبور» و«النقارة»
أما جمال جبارة من السودان، قال إن الرقصات الشعبية الخاصة بأهل البادية في السودان، استوقفت الكثير من الزوار، خصوصاً مع استخدام الآلات الموسيقية التقليدية التي صدحت بأنغام من التراث القديم، مثل «الطنبور» و«النقارة»، والأخير عبارة عن طبل مشدود، بواسطة جلد البقر، لكن الخيمة السودانية، كما يبدو، جذبت الزوار كذلك بسبب إعداد المشاركين القهوة البدوية الممزوجة بالقليل من السكر، فضلاً عن توقف الكثير من الزوار لطرح الأسئلة، مثل عدد اللهجات في السودان التي تم حصر 538 منها حسب ما أشار المشاركين.
استطاع الناس السياح التعرف إلى الكثير من السمات التي يتميز بها أهل صحراء السودان مع وجود المتحدثين عن ملامح تلك الحياة، لاسيما طقوس حفل الزفاف، التي تتطلب دفع مهر عبارة عن 300 بقرة أو 300 إبل، وقد يصل في بعض الأحيان إلى نحو ألف إبل، ويتعين على الزواج إقامة حفل الحناء في منزله، قبل حفل الزفاف بليلة، وكذلك أهل الزوجة يقيمون الاحتفالية في اليوم نفسه.
شاي بخاري
مشاركة المرأة في الرقصات اليمنية ضرورية، حسب ما أوضح باعيسى إلا في رقصات الصيد والرقصات الحربية التي يستخدم فيها الرجال «الخناجر»، وثمة الكثير من الفنون واللهجات والرقصات الشعبية في اليمن، لم يستطع رئيس المجموعة اليمنية حصرها، بدليل اختلاف الفنون بين المناطق المتقاربة. استراحة الشاي كانت بعد انتهاء الفرقة من أداء رقصة «السركالي»، لكن الشاي البخاري الحضرمي يختلف عن الشاي العادي بطريقة إعداده على الفحم، ويشتهر عند سكان المناطق التي تقع في الأودية الكبيرة.



