ليس هناك مؤشر أو مقياس ما يمكن أن يرصد لنا أثر الثقافة الترفيهية في تعزيز بنية النشاط التسويقي والأداء الاقتصادي للمراكز التجارية، لكن بكل تأكيد تلعب العروض الترفيهية والفنية الجوالة وكذا الكرنفالات الراقصة والموسيقية دوراً ملموساً في استقطاب المتسوقين وفتح شهيتهم على الشراء في المراكز التجارية المختلفة في دبي.

ومثلما ينثر مهرجان دبي للتسوق الفرحة والبهجة على ربوع دبي، فإنه يجلب معه سلسلة من العروض الفنية والفعاليات الاستعراضية إلى المراكز التجارية لتنتعش على خلفيتها حركة الشراء. هذه العروض إذاً تعد جزءاً استثمارياً تفاعلياً، يصنع فرجة جماهيرية، ويستهدف صناعة بيئة تكاملية تحقق المتعة للأفراد والعائلات، متجاوزاً روتين إيقاع التسوق اليومي في المول التجاري، خاصة أن هدف المستهلك بالدرجة الأولى من التبضع هو شراء مستلزماته الرئيسية أو الكمالية في بيئة توفر له أكبر قدر ممكن من الاستمتاع.

حدث جاذب

مهرجان دبي للتسوق هو حدث جاذب لأكبر أشكال الثقافة الترفيهية العالمية، والمُطّلع على نشاط المراكز التجارية في دبي يلمس بوضوح حرص القائمين على المراكز على تعزيز أجندتها بمختلف أشكال العروض الحيّة.

من هذه العروض على سبيل المثال العرض الروماني في مركز "سنست" مول، حيث رصدت "البيان" فرقة "فلوريل بيهورولي أنسامبلول فولكلوريك" الرومانية، لتلحظ مدى الجمالية البصرية التي تنسجها الرقصات وسط المركز التجاري حتى يتسنى للراغب في حضور العرض، الوصول إليه مباشرة.

وقف مجموعة من زوار المركز، واطلعوا على العرض، مستخدمين هواتفهم الخليوية لتسجيل الحدث، في إشارة على نجاح العرض الموسيقي في الترويج والتسويق غير المباشر لحدث المهرجان، وتوثيق العلاقة المستمرة بين المركز التجاري والمستهلك.

شراكة استراتيجية

وبحسب الدراسات الاجتماعية، فإن الأماكن العامة، تعتبر مواقع أساسية لممارسة الأنشطة الترفيهية، ورجوعاً إلى قطاع السياحة، فإن العروض الترفيهية تمثل استثماراً مجدياً لجذب الزوار، خاصة أن العديد من دول العالم، كالولايات المتحدة تصنف العاملين في قطاع الترفيه، في إطار الدخل القومي للدولة، حيث يصل مستوى مساهمة القطاع فيها بـ 730 مليار دولار سنوياً، إضافة إلى توفيرها نحو 6.5 ملايين وظيفة جديدة.

نجاح

وما حققته مدينة دبي تحديداً عبر مهرجان دبي للتسوق هو نجاحها في تشكيل منظومة استقطاب لصنّاع الترفيه حول العالم، وتحريك دفة الحركة التسويقية، عبر عالم الترويج الفني، وعلمياً فإن مؤسسات تعليمية بدأت تطرح بكالوريوس للآداب في إدارة الترفيه. وأشارت ليلى سهيل، المدير التنفيذي لمؤسسة دبي للمهرجانات والتجزئة، في تصريحات سابقة إلى شراكة استراتيجية مع الصناعة الترفيهية، خاصة أن المهرجان مليء بالكثير من الفعاليات المشوقة.

كما أن ذلك يتجسد في شعار الحملة التسويقية للمهرجان وهو "التسوق بكل روائعه". وأكدت ليلى سهيل أن المهرجان إعادة اكتشاف لمفهوم التسوق، لافتة إلى أن تحقيق غالبية المحال التجارية ما نسبته 25% إلى 30% من المبيعات الإجمالية خلال الحدث في الأعوام السابقة، يُعد مؤشراً نوعياً لمفهوم الثقافة الترفيهية والترويجية ودورها في النمو الاقتصادي خلال شهر من الدورة الشرائية.

رومانيا في قلب جميرا

وترتبط العروض الترويجية عادة بالفنون الموسيقية، لبعدها الثقافي من جهة، ودورها الاجتماعي في التأثير على المزاج العام للمستمعين، فمن خلال عرض فرقة "فلوريل بيهورولي أنسامبلول فولكلوريك" الرومانية، في "سنست" مول ضمن مهرجان دبي للتسوق، لا يحصل المتلقي فقط على ساعة من المتعة، بل يمتد شعوره إلى المرح البصري..

حيث يمتزج العرض برقصات تعتمد على الإيقاعات الجسدية للراقصين، مع استخدام تعابير الوجه والإيماءات وضرب الرجلين على الأرض. وتقدم الفرقة أكثر من فاصل غنائي راقص، تستثمر فيه الباحة الأمامية للمركز كمنصة مفتوحة لعرض منتجها الفني. الذي يجلب الثقافة الرومانية في قلب جميرا، حيث تنتمي الفرقة إلى منطقة "أوراديا" الواقعة في الشمال الغربي لرومانيا.

تنوع

إن ما تصنعه دبي من احتضان للتنوع الثقافي الترفيهي من خلال الفنون الموسيقية الجوالة هو انفتاح متجدد على التعايش الحضاري، ويبقى التسوق التجاري ركيزة في المضمون العام لـ "دبي للتسوق"، بل وسبيلاً في استمراره كعلامة استثمارية، لكن الواقع الاستهلاكي لمفهوم السوق يجلب معه تدافعاً ثقافياً مهماً. وفي مدينة حيوية كدبي، لا نستطيع الفصل بين التراكم الثقافي والنهضة الاقتصادية.

شوارع فنية

 فكرة مشاهدة العروض الجوالة في المراكز التجارية، تطرح مفهوم العروض الجوالة المرتبطة عادةً بالهواء الطلق، إلا أن مدينة دبي، المليئة بالمراكز التجارية المغلقة، كأيقونة اقتصادية في المنطقة، نجحت في تحويل البعد الترفيهي داخل المركز إلى نمط يجعل المتابع يلحظ تحول مساحات "المول" التجاري إلى شوارع فنية، يدعمها وجود مناطق ترفيهية ثابتة؛ مثل حلقات التزلج على الجليد، وباحات الألعاب الترفيهية في العديد من المراكز التجارية، ليسهم التكوين المناخي للإمارة في تعزيز مقومات الابتكار الترفيهي.