تُغطى "السجادة الأنتيك" بشكل جيد، ومتابعة دقيقة من المشرفين على المعروضات الخارجية للشركات المشاركة في فعاليات "واحة السجاد"، لا يلتفت إليها الزائر لمهرجان دبي للتسوق، بشكل مباشر، إلا برغبة حثيثة لاقتنائها، تستلزم استشعار تاجر السجاد بتلك الرغبة، ليكشف المخبأ من المنسوجات النادرة المصنوعة من الحرير والصوف اليدوي، أو ما يتفق المقتنون على تسميته "التحفة".
مشكلاً مشهداً استثمارياً لمنظومة تنامي مدينة دبي وتحولها لمقصد تنافسي طويل الأمد لاستثمار فنون (القطعة الواحدة)، وهي مكاشفة توصلت إليها (البيان) أثناء زيارة نحو 60 شركة متخصصة في صناعة السجاد اليدوي، في "واحة السجاد".
وتحديداً عند سؤال المشرفين على البيع: ما هي أهم قطعة فنية تشاركون بها في "دبي للتسوق"، لتتمحور الإجابة في أنهم هنا يعرضون مجموعاتهم الخاصة عموماً، ولكن تبقى ميزة القطعة الفريدة، أنها لزوار المهرجان (الخاصين جداً) والمهتمين باقتناء السجادة، والوعي بقيمتها التاريخية والاجتماعية، بعيداً عن الاستهلاكية.
"دبي" الأبرز
فرصة الالتقاء الثقافي، سبق المنجز الاقتصادي، في استمرار القائمين على مهرجان دبي للتسوق بتنظيم فعالية "واحة السجاد"، بالقرب من مركز "دبي فيستفال سيتي" بدبي، والمقاربة تكمن في البعد الفكري لزوار الحدث، فمجرد تخيل كم المعرفة الفنية التي يتلقاها التجار ومقتنو السجاد اليدوي، في ملتقاهم السنوي، على مستوى تطور الصناعة، والتبادل التاريخي، ومعوقات نشاطها المحلي، عبر أبرز الدول المصنعة من مثل إيران وتركمانستان وأفغانستان والهند وباكستان وتركيا وكشمير.
يجعل من مدينة دبي المنطقة الأبرز لاستيراد وتصدير وتنشيط الصناعات اليدوية في منطقة الشرق الأوسط للعالم، تبعاً لنسب الاستثمارات العالمية، إلى جانب ارتفاع نسبة السياحة التجارية والفنية بشكل منهجي ملحوظ، باعتبار السياح هم أكثر الزبائن المهتمين بصناعة السجاد اليدوي ذي الصبغة الحضارية الإسلامية، مبينين أن الذائقة العربية والأوروبية باتت تشكل سير مضمون شكل السجاد وتنوعه، المرتبط بأُسر وعائلات توارثت المهنة في البلدان الأصلية المصنعة للسجاد.
توارث أسري
القدرة على التفريق بين السجادة المصنوعة في منطقة (قم) و(تبريز) و(كاشان) و(طهران) في إيران، مسألة سهلة لدى تاجر السجاد تحديداً، فكما أوضح أمير رسول من شركة "عالي قابو"، أنها خبرة تراكمية امتدت لأكثر من 70 أو 80 سنة أهلت عائلته لذلك.
أمير يمثل نموذجاً لفعل التوارث الأسري لمهنة صناعة وبيع السجاد، موثقاً بمشاركته في "واحة السجاد" عقوداً من التلاحم بين جده وأبيه وصولاً إليه، محققين استمرار معتقدهم في أن السجاد ينتمي لقدسية الأرض، وليست قطعة مفروشة هباءً في غرف المعيشة المنزلية.
وقال أمير من تأملاته وهم يشاركون للمرة الثامنة في معرض واحة السجاد: "هنا نخلق علاقات طويلة الأمد، أثناء مشاركتنا في واحة السجاد، نضطر أن نقفل محالنا الخارجية لمدة شهر، مقتنعين تماماً أن الحدث يستحق كل هذا العناء، والحضور. في المعرض نتعرف على موقعنا في السوق، ورغبات زبائننا الجدد، خاصةً بعد التغيرات الجذرية للتفكير والنمط السائد عن السجاد في المنطقة".
وفي حديث متواصل، حول تطور صناعة السجاد اليدوي، يطرح رسول نماذج حيّة لمعروضاته، ومنها خصائص تحول السجاد من الحشد المطرز إلى البساطة، مقتنعاً أن الجيل الجديد وخاصة الدارسين في مجال التصميم والجرافيك، بدؤوا يوجهون صناع السجاد إلى خيارات مستحدثة، مع بقاء قيمة كفاءة المادة المستخدمة ضمنياً.
ويعود مسمى شركة "عالي قابو"، للباحث في التاريخ الإيراني، إلى أيقونة قصر (عالي قابو) في مدينة أصفهان، ذي الزخارف والنقوش المنحوتة على جدرانه، والذي يصدح في أحد طوابقه بموسيقى العازفين والمغنين الإيرانيين، متحدثاً أمير أنهم استثمروا البعد التاريخي للاسم، دعماً لمنتج فن السجاد التراثي والثقافي.
الريادة اليمنية
بدأت الحكاية مع عبدالسلام العديني من شركة "قوم للسجاد العجمي والتحف" بمزحة طريفة أبداها أثناء مناقشة (آثار الحدث السنوي على إيقاع السوق الخليجي) قائلاً: "نحن اليمنيين سبقنا الإيرانيين في استيراد السجاد إلى الإمارات"، ليتحول تصريحه إلى موضوع تاريخي، لافتاً أن التجار اليمينين، بحسب معاصرته للمجال، شاركوا بفكرة الاستيراد مبكراً، وتطورت إلى تجارة عالمية في الخليج، ليقبل بعدها الإيرانيون للعمل محلياً، في وقت لاحق».
وبدأت شركتهم منذ عام 1980 في نشاط استيراد السجاد الإيراني تحديداً، مؤكداً أن هناك ما يقارب 80% من المستثمرين والأفراد ينتظرون "دبي للتسوق" للاطلاع على مستجدات سوق السجاد في المنطقة، موضحاً أن ميزة الحدث في دعمه لمسألة الوعي بالتفريق بين السجاد اليدوي والسجاد المصنوع بالآلة أو ما يسمى "سجاد الماكينة".
وقال العديني: "نمتلك سجادات أنتيك يتراوح متوسط عمرها ما بين 100 عام إلى 300 عام، بينما تكلفتها قد تتجاوز 500 ألف دولار، وكلما كانت السجادة أقدم، زادت قيمتها وجماليتها وجاذبيتها من ناحية الاقتناء".
التنوع في أشكال وصناعات السجادة الإيرانية أبرز الأسباب بحسب العديني في شهرتها، فلكل عائلة في مناطق إيران شكلٌ خاص فيها، يعتمد تقنياً على أسلوب (العقدة الواحدة) المستخدم في صناعة السجاد والمعروف بين صُناعها الأصليين.
تتعامل الشركة التي يعمل فيها العديني مع المصنعين في القرى بشكل مباشر، ولا يفضلون استيراد السجاد عن طريق وسيط، مرجحاً أن سبب غلاء أسعارها يعود أخيراً إلى هجرة الأيدي العاملة في مجال صناعة السجاد، والتحول إلى التكنولوجيا.
(شطارة)
سرد العديني قصة امرأة عربية اشترت سجادة إيرانية بقيمة 60 ألف درهم، وتعرضت السجادة إلى حادث بسيط أثناء توضيب السيدة لبيتها، حيث سكب عامل الدهان الطلاء على السجادة، قائلاً: "جاءتنا السيدة تبكي بعد رؤيتها لما آلت إليه السجادة، فقد اختفت ملامحها بالطلاء.
استلمنا السجادة ونقلناها مباشرة إلى منطقة الصنع في إيران، وتم تلميعها وتجديدها، وفعلاً عادت كما كانت. إني هنا لا أقدم تسويقاً لبيع السجاد، بل أود تبيان (شطارة) الحرفيين في هذا المجال، الذين يعتنون بقيمة (جودة) السجادة، لا الصناعة لمجرد التجارة فقط".
ماركة مسجلة
"التحول إلى علامة تجارية، مرتكز الشركة للاستمرار في ميدان صناعة السجاد"، هنا صالح إقبالي من شركة "خان فرش عظيم" يؤكد أهمية الثقة التجارية لتعزيز مكانة صناع السجاد، خاصةً أن شركتهم أطلقت قطعة سجاد فارهة في معرض "واحة السجاد" بقيمة تصل إلى نحو 6 ملايين دولار، بميزات وخصائص نوعية.
معتبراً إقبالي أنه تأكيد مستمر على القوة الاحترافية للحرفيين الإيرانيين في المجال، أمام تدخل التقليد الصيني، الذي يكاد يقترب من التشابه النسبي للصناعة اليدوية للسجادة، إلا أنه مؤمن بأن للخصوصية أحكامها، لافتاً أن الصينين بدؤوا يهتمون بالسجاد اليدوي بشكل مثير للانتباه، حيث إن معدل مقتني السجاد من الصينيين العاملين في إيران على وجه الخصوص يصل إلى نسبة 99٪، وذلك لمعايشتهم الجمالية الكامنة في السجادة الإيرانية.
جدلية تاريخية
جاءت جدلية الأحقية التاريخية في تصدر بعض الدول لصناعة السجاد، عبر كشف أرسلان أحميدوف من شركة "تركمان هولاي - الشرق الأوسط" بعض الصور التوثيقية لأول سجادة في العالم، مبيناً أنها انطلقت من تركمانستان، فهل هذا النقاش سيثير حفيظة باقي الدول المصنعة للسجاد.
أجاب أحميدوف أن للتاريخ غالباً محطات عديدة للتأويل في ذلك. وفي أوج البحث بين الفروق النوعية لسجادة تركمانستان المشاركة في مهرجان دبي للتسوق 2014، يبدي أحميدوف بعض الدلائل لتميز سجادتهم من خلال بعض الرموز والأشكال النوعية، التي تم تقليدها، حيث تقدم شركتهم إلى جانب السجاد، منسوجات يدوية أخرى من مثل الحقائب والقفازات التي وصفها أحميدوف بأنها صحية.
ومن جهته اعتبر سمير أحمد من شركة "آسيا بيرل" القادمة من كشمير وتمتلك مكتباً في الشارقة أن صناعة السجاد في كشمير تعترف بأحقية وأقدمية الدول الأخرى والسباقة في المجال أمثال إيران، ولكنه مؤمن أن تطور الصناعة في كشمير بدأ يتخذ موقعه، كونهم يقدمون منتجاً بتكلفة أقل وكفاءة تعتبر نسبياً جيدة، لاعتمادهم على استيراد الحرير من الهند مثلاً، فإنه عامل مساهم في انخفاض سعر السجادة، لافتاً أن مجمل مضامين المواد المستخدمة في صناعتهم توازي الصناعة اليدوية في سوق السجاد إقليمياً.
مبادرة إماراتية
لم تخل "واحة السجاد" من بيان أوجه التعاضد الإنساني لمبادرات دولة الإمارات في العالم، وخاصةً في ما يدعم مجال صناعة السجاد اليدوي، فمن خلال زيارة الجناح الخاص بالمنتجات الأفغانية في المعرض، يبرز مشروع الشيخة فاطمة بنت محمد بن زايد آل نهيان، الهادف إلى التكامل بين العمل والرأفة للوصول إلى مستقبل مشرق.
والذي أطلقته لتوفير الموارد والدعم المعنوي والفرص لمساعدة النساء في تحرير أنفسهن من الأعباء الاقتصادية، عبر التركيز على استخدام مهارات الحياكة والغزل التي يمتلكنها مسبقاً وتطويرها مهنياً، حيث تم بموجب المبادرة تزويد النساء بالمصادر التي يحتجنها لصناعة السجاد، ويعمل في المبادرة حوالي 3 آلاف من أصحاب الدخل المحدود، تشكل النساء فيها نسبة 70٪.
ويعرض الجناح نموذجاً لآلة المغزل لزوار المعرض، ليتلمس فيها الزائر القيمة الإنسانية لصناعة السجاد وأبعادها التنموية، وبجانب المغزل، تموضع الصوف والحرير المستخدم للحياكة، لصناعة مشهد حقيقي لطبيعة العمل في المجال.
الذائقة و(المنمنمات)
أما الوقوف عند معروضات شركة محمد أميرزاده، تعيد المتلقي إلى الفنان الإيراني العالمي محمود فرشتشيان، الذي اشتهرت أعماله بالبعد الشعري الكلاسيكي وتأثرٍ عميق بالكتب السماوية، والمصادفة الخلابة أن والد فرشتشيان كان تاجر سجاد، ويكمن التلاقي بين معروضات شركة محمد أميرزاده ولوحات فرشتشيان، في حضور فن (المنمنمات) أو ما يسمى "المينياتور".
وهي صور مزخرفة في مخطوط أو ما يمثل فلسفة التصوير في الإسلام والذي يجمع بين العالم المادي والروحي، مبيناً ميرزاده أن المقتنين من مختلف دول العالم، أصبحوا أكثر اهتماماً بهذه الثقافة ببعدها الروحي، موضحاً أن هناك تحولا في صناعة السجاد تحت رغبة الجمهور.
خصوصاً أن صناع السجاد يبحثون في الذائقة العربية والأوروبية، قائلاً: "نعلم أن العرب يميلون إلى الألوان القوية أكثر"، بينما لا يفضل بعض الأوروبيين اللون الأخضر المتعارف عليه في السجادة الإيرانية مثلاً، لذلك أصبح التغيير ضرورة».
«تربية» السوق
في لقاء عابر بجانب الملحق الخاص بشركة "مالاكوتي للسجاد"، يستقبل الزوار يافع بعمر 18 سنة اسمه مزيار مالاكوتي، أتى مع والده ليتعلم "صنعة" بيع السجاد اليدوي، ويشرح مزيار للقادمين ويقول :استطعت التفريق بين سجادة وأخرى، ومدى جودتها في الصناعة، أعتقد أنه جزء من تربية السوق.
أحاديث جماعية
في بواكير صباح افتتاح معرض "واحة السجاد" خلال أيام مهرجان دبي للتسوق، يشهد المتابع لحركة سير تجار السجاد، وهم يرتبون وضعية السجاد في جناح العرض، حيث يتجمهر عدد من التجار عند أحدهم ويطلعون على منتجاته، فعند الوقوف بجانبهم، يتكشف شعور بالزهو، وهم يشاهدون السجاد قطعة قطعة، كأنهم يقلبون صفحة كتاب نادر.
ويشترك صناع السجاد في سمات عديده أبرزها اهتمامهم بالسجاد كمثل اهتمامهم بأبنائهم، يدخل الزائر إلى مواقع معروضاتهم، ليجدهم يتلمسون قطعة السجادة ويحنون عليها، بينما تجد في البعض النفس التجاري للبيع، حيث يتفق معك مباشرة على القيمة والتكلفة.


