عندما تقدم لخطبتي قبل 11 عاما لم يكن ذلك العريس المنتظر أو بالمصري "اللقطة"، إلا أنه كان يمتلك إصرار كبيرا على الارتباط بي وحاول 3 مرات متتالية اقناع أهلي وبالفعل نجح في ذلك بعدما نجح في الوصول إلى قلبي، تحت أسباب رفض أهلي له وبقيت مشكلة كبرى خاصة وأننا في الصعيد كنا نحرص على أن تتزوج البنت بأحد أقاربها، وهي السفر للإمارات بعد الزواج حيث رفعت والدتي راية الرفض مرة أخرى متذرعة بأنها لا ترغب أن تعيش ابنتها في الغربة ووافقها أبي الذي قال وقتها " سفر وغربة لأ "، وتدخلت ورفعت راية العصيان على أهلي مبدية رغبة جامحة في الزواج والسفر إلى الامارات التي لم أكن أعرف عنها إلا القليل.
مرت الايام وتزوجت وحضرت إلى الامارات وتحديدا إلى دبي ومنذ السنة الاولى بدأت رحلة الانبهار أو بالاحرى الانصهار، حيث بدأت صورة أمي وهي تبكي قبيل سفري تتغير ومع سهولة الاتصال ايقنت انني لا أعيش الغربة، وما اكثر من يعيشونها في أوطانهم ، كنت دائمة الالحاح على أمي للحضور إلى دبي إلا أنها كانت تؤجل هذه الخطوة حتى انتقلت إلى رحمة الله، ولكنها لم تكن تكرر طلبها المعتاد لي بالعودة إلى مصر مرة أخرى بعدما رأت ولمست على مر سنوات طويلة ما أنعم به ودائما ما كنت أقول لها الغربة داخلنا وليست خارجنا.
مرت 11 عاما اتذكرها وكأنها أمس ومنذ أكثر من 4 أشهر بدأت الالحاح المستمر على أبي للحضور وزيارة دبي، ولكنه وعدني أنه سيقوم بزيارة أخي في كندا ثم يحضر إلى دبي، ووافقت فرحة جدا، أمضى أبي 25 يوما في كندا عند أخي وفي كل مرة كنت اتصل به كان يحاول ابهاري بالحديث عن التطور الذي تشهده تلك الدولة ولكنني لم أجد أي إبهار ولم أجادله في الامر وقتها خاصة وانه خرج من صعيد مصر إلى كندا مباشرة فهو معذور.
حانت لحظة قدوم أبي حيث حجز له أخي قبل 20 يوما على الطــائرة المتجهة إلى دبي، واستقبلته وزوجي وأبنائي حيث خرج من المطار ليتحدث عن الابتسامة التي قوبل بها على عكس حالة الانزعاج التي عانى منها عند ذهابه لاخي بحجــة الاحتياطات الامنية، وخرج من البوابة إلى الشارع وكان الوقت التاسعة مساء، حيث بدأت المقارنة بين الرحلة الــسابقة والرحلة الحالية ووقتها كنت متحـمسة ومتأكدة أنني سانتصر على أخي في الاختيار وعلى أبي في الاقناع.
لم تكن الاضواء التي ملأت شوارع دبي احتفالا بمهرجان دبي للتسوق بشيء بسيط أن يمر مرور الكرام حيث أكد أبي أنه يشعر أنه خرج من الكهف مشيرا إلى أن كافة الشوارع هناك لا تضاء ليلا وبالتأكيد لا تضاء نهارا، وأنها متهالكة بعض الشيء، ولكن الامر الذي كان يؤرق ابي كثيرا لدى زيارته لاخي أسلوب معاملة الناس هناك فيبدو أنه من شدة البرودة تجمدت المشاعر على حد قوله.
كان برنامج اليوم الاول لابي مزدحما للغاية فقد جلسنا بعدما استراح حيث اجتمع مجلس الشورى لمناقشة أين تكون الوجهة؟ وفضلت أن أضرب عصفورين بحجر واحد وأن أقوم بكتابة خبر عن إحدى فاعليات المهرجان وبالمرة اصطحب أبي وأبنائي إلى هناك، ووقع الاختيار على شارع السيف حيث يعشق أبي كباقي الصعايدة الشاي حيث تنوعت النكهات والهدف واحد تعريف الجمهور بأكثر من 35 نوعا من الشاي من مختلف دول العالم ( ماعدا الشاي الصعيدي) وضيافتهم في الهواء الطلق وكان التذوق سيد الموقف، ولم يكن شارع السيف شارعا بالمفهوم التقليدي بل تحول إلى مكان مختلف حيث تنتشر الالعاب الترفيهية والمهارية والاكشاك والعربات ذات الاشكال المختلفة.
عدنا إلى البيت وطوال طريق العودة بدأ النقاش حول أحد شوارع دبي في أيام مهرجان دبي للتسوق، ولم يتكلم أبي كثيرا حيث لاحظت وللمرة الاولى أنه لا يجد كلمات توصف ما رأى، ولم اتكلم معه كثيرا لانني ايقنت أن العين تخــتصر آلاف الكلمات، واتفقنا على برنامج اليوم التالي في فستيفال سيتي حيث يعشق أبنائي الذهاب إلى هناك.
استغرق الطريق 15 دقيقة لم يشعر أبي بها حيث دخلنا موقف السيارات المكتظ بالزوار، واخذنا تذكرة بموقع السيارة وتوجهنا إلى منطقة البروميناد حيث منطقة الالعاب الترفيهية وسيرك اورفي، وبعدها توجهنا إلى عرض ال اند دبليو حيث رسمت البسمة والفرحة على وجوه الكبار والصغار وراح أبي الذي جلس على كرسي مجاني في وسط المول يتفحص الوجوه أنهم من مختلف أنحاء العالم، وسألني " هل هؤلاء أجانب أي سائحين؟" واخبرته أن اغلبهم يعيشون في دبي أو يزورون دبي خاصة خلال فترة انطلاق مهرجان دبي للتسوق كل عام حيث تزدان دبي بابتسامة من يزورها أو يقيم فيها، ولم يعلق أبي كثيرا إلا أنه أكد لي أن كندا لا يوجد فيها هذا الانسجام الغريب أنه يشعر أن الناس يعرفون بعضهم البعض فلا وجود للعابسين أو الاصوات العالية الناتجة عن الصراخ أو الضجر.
عدنا إلى البيت حيث تعمدت تذكير أبي بسبب رفضه لزواجي ألا وهو الغربة وسألته "هل ما زالت عند رأيك إنني أعيش في غربة؟ " وكان رده مقنعا جدا لي حينما قال "نحن من يعيش في غربة داخل أوطاننا"، امتد الحديث إلى ساعات الصباح الاولى حيث اتصل أبي بأخي في كندا ليبدأ في سرد وقائع بداية زيارة دبي وفوجئت أنه متحمس جدا في كلامه وأنه أقر أن مايراه هنا يفوق ما سمعه أو توقعه بكثير.
جاء يوم جديد مبتسما مشرقا في دبي حيث توجهت إلى عملي، وعدت سريعا لاصطحاب أبي إلى مردف سيتي سنتر حيث قررت التبضع لاسبوع كامل وفي نفس الوقت المضي قدما في برنامج أبي السياحي في دبي حيث حضرنا عرض موشي مونستر مع أبنائي، واكتسى المول بحلة بهية جميلة تحمل روح المهرجان وبهجته، حيث استراح أبي مضطرا راغبا في استكمال السير مشيدا بروعة المكان وضخامته.
استيقظ أبي صباح يوم الجمعة الماضي حيث توجهنا إلى منطقة الجي بي ار لتناول القهوة الصباحية حيث كانت جلسة تمنيت منذ سنوات ، وصارحني أبي بأنه غير رأيه في إلحاحه بأن أهاجر إلى كندا مثل أخي، حيث عقدت المقارنة العادلة ورجحت كفة دبي، وطلب أبي مني أن أجد عملا لاخي هنا، مؤكدا أنه لو كان شابا لطلب هو الآخر عملا في دبي.
كانت الايام الاولى لابي خالية من الجلوس أمام التلفاز بالساعات الطويلة ومتابعة الاخبار التي لا تنتهي ولا تشفي جرح حيث نسي ابي هذا الطقس اليومي واستعاض عنه بالخروج من البيت بصحبتنا ولاول مرة منذ سنوات يطلب أبي منى أن التقط له صورا لكي يعرضها على باقي العائلة والجيران والاهل في مصر، ولم ينس أبي اقناعي بشراء تذكرة سحب على سيارة انفنيتي مؤكدا لي أنه يمتلك حظا موفقا.
عاد أبي سريعا نظرا لحدوث ظرف طارىء بعدما اكتظ برنامجه السياحي بالزيارات التي لا تنسى، عاد ابي حاملا معه الهدايا التذكارية والصور التي حرص على تحميضها على الطريقة القديمة، وكالعادة استقبلته العائلة بكامل طاقمها حيث جلس في وسط المجلس وراح يحكي عن دبي وروعتها ويعرض الصور التي التقطها له، ولم يرغب في الحديث عن جدوله قبل ذهابه إلى دبي حسبما أفاد ابن عمتي الذي اتصل بي فورا راجيا إيجاد عمل له في دبي، وبين ليلة وضحاها تحول أبي من زائر إلى سفير.. عاشق دبي.
لماذا المهرجان؟
يجمع مهرجان دبي للتسوق في اسمه ومضمونه ثلاثية لا تقهر إنها مهرجان أي بهجة وابتسامة ومرح، ودبي مدينة أبهرت العالم ومازالت ، التسوق شيء لا يمكن الاستغناء عنه ولا غض النظر عن تخفيضاته وعروضه.
فلم يعد المهرجان تقليدا سنويا بل هو موعد متفق عليه لا يمكن أن يغيب، إنه يخرج جمال دبي الكامن ويضع اللمسات البديعة في كل اركانها وكأن ريشة فنان تضع ألوانها الزاهية على أهم مكامن الجمال، يمنح المهرجان الشوارع ألقابا ومعاني مختلفة، يجدول المهرجان خريطة المراكز التجارية، يمنح المهرجان الكبار متعة التسوق وفرصة ربح الالاف من الدراهم، كما يمنح الاطفال العديد من الاختيارات التي يصعب تجاهل إحداها.
إنه مهرجان دبي للتسوق الذي يمتلك ثلاثية النجاح الذي لا يقهر، ظل بلا منافس على مدار 17 عاما متتالية ومازال يتربع على عرش المهرجانات في المنطقة والعالم العربي يمنحنا الأمل في ربيع عربي حقيقي وسط أمن وأمان بعدما أصبحا عملة مفقودة في باقي البلدان.
