يتملك الزائر لحظة دخوله معرض واحة السجاد والفنون بقاعة زعبيل في مركز دبي التجاري العالمي شعور مختلف، فللمكان عبقه وأجواؤه التي تعيده إلى زمن أسلافه أو إلى حكايات علاء الدين والمصباح السحري أو ألف ليلة وليلة. فما إن تطأ قدمه داخل معرض الواحة الذي يستمر حتى 14 يناير الجاري، حتى يجد نفسه محاطاً بألوان سحرية من النقوش والزخارف لسجاد من مختلف الأحجام من الحرير الخالص والصوف والقطن.

ما إن تحل السكينة على نفسه حتى يشد خطاه على أكبر سجادة من الصوف تعرضها الواحة منذ انطلاقتها عام 1996، يتردد في البداية أن تطأ قدماه ألوانها الزاهية الموشحة ببياض التفاؤل، لكن أحد المنظمين يشجعه على متابعة خطاه قائلاً، «السجاد اليدوي يجوهر كلما زاد مرور الناس عليه»، وبرهبة يتابع خطاه على مساحة السجادة البالغة 1300 قدم مربع، بواقع 160 مليون عقدة استغرقت حياكتها 11 عاماً لتبلغ قيمتها 3 ملايين دولار أميركي.

نسيج الولاء

وبعد تجاوزه الساحة الخارجية تطالعه في ركن قبالته شابة تجلس خلف النول وتحيك سجادة تحمل رسم وجه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي. وما إن يقترب من الركن حتى يدرك أنه أمام لوحة «نسيج الولاء» إحدى المبادرات الجديدة لجمارك دبي الجهة المنظمة لفعالية «واحة السجاد»، ويتعرف إلى مضمون المبادرة أو المشروع ذي القيمة الإنسانية الذي يقام تحت رعاية سمو الشيخة هند بنت مكتوم بن جمعة آل مكتوم، حرم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

حيث دعت الجمارك الأمهات في الدولة من مواطنات ومقيمات وزائرات للمشاركة في النسج وإضافة بعض الغرز التي تبدو سهلة للوهلة الأولى، لكن التعرف إلى تقنية الحياكة واختلاف الخيوط المنسوج عليه، يكشف دقة العمل وما يتطلبه من صبر وعمل دؤوب. ولا تترد النساء الزائرات في الجلوس أمام النول والمشاركة بالحياكة حينما يدركن أنها ستحمل أثراً منهن لدى إنجازها وعرضها، مع تسجيل أسمائهن في سجل شرف، ومنحهن شهادة مشاركة.

ومن المتوقع أن تضم لوحة النسيج ما يقارب مليوناً و50 ألف غرزة، ليصل عدد الألوان فيها لأكثر من 120 في مساحة لا تتجاوز 4.5 أمتار مربعة، بارتفاع 1.80 متر وعرض متر واحد، أما خيوطها فتجمع بين 50 % حرير طبيعي و50% من الصوف الطبيعي أيضاً.

تنمية مستدامة

وقبل بدء جولته في أجنحة الواحة يطالعه في الجوار جناح يحمل لافتة كتب عليها «مشروع فاطمة بنت محمد بن زايد»، وحينما يتصفح الكتيب يدرك أن السجاد المعروض بمختلف الألوان الدافئة والزخارف هو نتاج عمل النساء في أفغانستان، حيث ساهم هذا المشروع الإنساني في تخفيف الضائقة المادية عن كاهل النساء منذ سنوات عبر توفير الموارد والدعم المعنوي والمادي، ضمن إطار التنمية المستدامة. ويعمل في هذا المشروع حالياً 3 آلاف من أصحاب الدخل المنخفض.

عبق السحر

وتستمر الجولة ليتوقف الزائر الذي يقع أسير جماليات السجاد الذي يبدو كلوحات فنية آسرة بدقتها وزخارفها أمام أحد الأجنحة لتطالعه سجادة من الحرير بمساحة ثلاثة في أربعة أمتار، والتي لا يتجاوز وزنها 12 كغ فقط!

وأمام دهشة الزائر ينطلق عادل أزرق مدير جناح «أصفهان للسجاد» بالكلام بحماس وشغف قائلاً: «هذه زخارف بختيار القديمة من عهد البدو، ويتجاوز عمرها 40 عاماً، وتمثل الزخارف فصول السنة الأربعة، وتكمن جمالياتها في لمعة الحرير التي تختلف من الجهات الأربع». ورداً على سؤال الزائر عن قيمتها قال: «80 ألف درهم».

وما إن لمس أزرق الذي ورث مهنته عن أبيه وأجداده، اهتمام الزائر حتى فرد له سجادة أكبر من الصوف قائلاً، «عمر هذه السجادة 120 سنة وهي من الصوف وكما تلاحظ تحمل نقوش بختيار أيضاً»، وتابع، «لكل سجادة حكاية، منها أن أحد السجناء تعهد للسلطان بحياكة سجادة فريدة له خلال عام مقابل إطلاق سراحه.

وذلك ما تم»، ثم انتقل إلى تعداد مزايا السجاد الثمين، قائلاً: «سجاد الحرير الثمين مثلاً، لا يشتغل عليه سوى ناسج واحد لدقة خيوطه التي تبرز اختلاف الحياكة بين نساج وآخر. كما يستمد السجاد الثمين قيمته من جودة صناعته كنوعية الخيوط والدقة في العمل وكثافة التصميم. سوق السجاد كالبحر فيه ما نعرف وما لا نعرف بعد. ألوان السجاد الداكنة تصنع في البلاد الباردة مثل أفغانستان وكازاخستان وشمال إيران، أما الألوان الزاهية فتصنع في البلدان الأكثر دفئاً».

جناح الحرير

يتوقف الزائر مجدداً في جناح آخر أمام بريق الحرير وغموض سحره، ويشعر بالحيرة فكل سجادة آية من الجمال بزخارفها وبريقها الآسر، الأخضر العميق والأزرق اللازوردي والأخرى التي تشبه حدائق أحد السلاطين التي تفوق الخيال بتصميمها. ابتسم حسن مغازه أي، مدير الجناح القادم من مدينة قم في إيران، والذي يشارك كل عام، وقال كمن اعتاد نظرات الزوار المسكونة بالدهشة والإعجاب:

«هذه السجادة بمساحة مترين ونصف المتر في ثلاثة أمتار ونصف المتر تضم 45 لوناً، واستغرق إنجازها 4 سنوات، وتضم أكثر من 800 عقدة في الإنش المربع. ونقوشها الكثيفة تحفة فنية وتبلغ قيمتها 100 ألف دولار أميركي. وبدأ بعرض قطع أخرى عمر إحداها 100 عام وأكثر. ويضطر الزائر إلى اقتلاع نفسه من عالم الجمال الذي لا تمل ولا تكل العين من التشبع بألوانه وسحرها لمتابعة الجولة.

فنون الخط

وبعد لحظات من جولته عبر لوحات من السجاد تصور ركاباً مرتحلين على أحصنتهم عبر الطبيعة بكل وحشيتها ورقتها من الصخور الوعرة وجداول المياه والأشجار والعشب، إلى النسيج البارز لمنحوتات عالمية، يصل إلى واحة الخط العربي «آرابيسك» ليطالع الخطاطة والفنانة نرجس نور الدين التي كانت تخط لوحة كبيرة على الأرض في فن الحروفيات والتي قالت لدى سؤالها عن مضمون اللوحة، «أستلهم هذه اللوحة من قصيدة (فخر الأجيال) لسمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي».

 سجاد بختيار

 يستقر معظم البدو الرحل من بختيار في جبال زاغروس غرب أصفهان، ويصنعون السجاد من الصوف القوي التحمل، حيث يضربونه بقول قبل حياكته، ما يجعله سيمكاً ومتيناً، ويعتبر سجادهم الأكثر صموداً في وجه الزمن بين السجاد العجمي، والتصميم الفني الذي يشتهرون به هو «خيستي» أو تشكيل الحديقة، حيث تقسم مساحة السجادة إلى مربعات مع نباتات وحيوانات التي ترمز إلى الحديقة العجمية، مع ميداليات تضم رسم شجرة مستلهم من السجاد الأصفهاني، وتدعى نخبة السجاد في النوعية عندهم .

أكبر وأغلى

أغلى وأكبر سجادة من الصوف تعرضها الواحة منذ انطلاقتها عام 1996، وتبلغ مساحتها 1300 قدم مربع، بواقع 160 مليون عقدة استغرقت حياكتها 11 عاماً، وتبلغ قيمتها 3 ملايين دولار أميركي. أكبر سجادة بأخف وزن، وهي مصنوعة من الحرير بمساحة ثلاثة في أربعة أمتار ولا يتجاوز وزنها 12 كغ فقط.