بين الوجوه المختلفة والعيون الخضراء والبشرة السمراء ومختلف الجنسيات التي تعج بها دبي كل يوم لم نواجه عناء في العثور على وجوه خاصة ومقابلات حصرية تحكي عن انطباعات صادقة من القلب، وحقائق ربما تكون بسيطة إلا أن جوهرها عميق ومضمونها قوي.
استعراض
لا يختلف اثنان على أن دبي مدينة الابهار الدائم فهي بحق المدينة المتلألئة على الدوام، حيث تزهو الشوارع والميادين بالزينة والأضواء وأماكن الفعاليات، فكافة قاطني شارع الرقة والذين يقيمون قرب خيمة سيرك مونتي كارلو العالمي اصبحوا يعرفون موعد اطلاق المهرجان، واصبح يومهم مختلفا خلال هذه الفترة فشرفة المنزل من أكثر الاماكن زيارة والشارع يعاد اكتشافه بل واصبح هؤلاء يفتخرون بمواقع سكنهم وانهم محظوظون بهذه المواقع، وان شققهم العادية اصبح لها طعم اخر، وان كثيرين يحرصون على دعوة اصدقائهم ومعارفهم يوميا لحضور المهرجان والمشاركة فيه من أمام المنزل.
دارس
انتقلنا من شارع الرقة إلى المخيم البري وهناك التقينا بايروس القادم من فرنسا والمتخصص في دراسة تطور وتاريخ الحضارات العربية حيث يزور دبي للمرة الثالثة ولكنها الثانية خلال مهرجان دبي للتسوق فقد ايقن منذ زيارته الماضية أن ما يبحث عنه في تاريخ المنطقة العربية وتاريخ الإمارات يوجد بجرعات مكثفة خلال مهرجان دبي للتسوق، فيؤكد ايروس أن المهرجان يوفر عليه الكثير عبر عرض التراث الاماراتي من صناعة السفن واكتشاف اللؤلؤ والتطور التاريخي للدولة وصولا إلى العالمية وإلى برج خليفة اعلى مبنى في العالم، مرورا بمراكز التسوق التي تزيد كل عام بمعدل لا يمكن ايجاد مثيله على مستوى العالم، حتى واحة السجاد جاءت لتحكي تاريخ صناعات وتراث حضاري ممتزج بصور شخصية ومناظر طبيعية واخرى دينية تمت حياكتها بمهارة.
وطوال حديثنا مع ايروس الذي غلب عليه طابع الاشارة إلا أنه لم تفارقه طوال فترة تجوالنا معه القلم والاجندة والكاميرا فالتفاصيل البسيطة كانت الصفة المسيطرة على حديثنا لدرجة اننا كنا نستعين بصديق في شرح ما يستفسر عنه ايروس.
اكتشفنا خلال هذا اللقاء ان ايروس الزائر الى دبي يتفوق علينا في كم المعلومات التي يعرفها عن التراث الاماراتي وبعض العادات والتقاليد والصناعات القديمة مما اضطرنا إلى اللجوء إلى جاسم الشاب الذي يحضر يوميا إلى المخيم البري ليشرح ويجيب عن الاسئلة عن تاريخ بلده الامارات متقنا العديد من اللغات اضافة إلى لغة الاشارة طبعا.
كلاكيت ثاني لقطة
لم يكن الأب والأم الألمانيان هانز وباربل يتصوران أن محطة اللقاء القادمة بابنتهما كلوديا التي غابت عنهما لنحو عام ونصف ستكون في دبي، وأنهما سيلتقيان خلال مهرجان دبي للتسوق في المدينة التي احتضنت أحلام الكثير من الناس بغض النظر عن جنسياتهم أو دياناتهم أو انتماءاتهم المختلفة، ونجحت في مزج الكثير من الثقافات وتحاور العديد من الحضارات بين ربوعها.
فكلوديا التي تعمل في دبي، تركت وطنها الأم منذ حوالي 18 شهرا قادمة إلى دبي، للعمل في إحدى الشركات بمجال السياحة، وبدلاً من أن تقضي إجازتها السنوية في وطنها الأم خارج دبي، فضلت أن تقضيها مع من تشتاق إليهم داخل دبي.
وتقول كلوديا، إن أبويها قدما إلى دبي بغرض الالتقاء بها، لكنهما أحبا المدينة كثيراً وأحبا التراث الموجود فيها، حيث لم يكونا يتصورا أن دبي تنضوي على هذا الكم الهائل من التراث المثير للاهتمام بحسب رأيهما، مبدين اعجابهم الكبير بالأضواء والشوارع والأماكن.
ويعتبر هانز دبي مكانا مثيرا للباحثين في التاريخ، إذ أنه يمكن أن يأتي أحد هؤلاء الباحثين إلى المدينة ليرى كم التطور الهائل الذي شهدته خلال فترة قصيرة من الزمن بالنسبة لمدن وحضارات أخرى احتاجت مئات السنين كي تشهد تطوراً مثل الذي شهدته دبي.
ويقول إنه محظوظ نظراً لقدومه خلال فترة مهرجان دبي للتسوق، لأنه إضافة إلى كونها فترة تنشط خلالها الحركة السياحية داخل المدينة، إلا أنها فترة تبرز الثقافة المحلية للمدينة والتراث الموجود، لاسيما المأكولات الشهية التي تقدم، والتي يعتبرها مأكولات صحية مقارنة بما يتم تقديمه من وجبات سريعة في الوقت الحالي.
سعادة بالطقس
أما باربل، فيظهر بوضوح على وجهها عشقها للطقس المعتدل في دبي خلال هذا الوقت من العام، مما دفعها للقول إنها اتخذت القرار الصحيح بالمجيء لدبي خلال مهرجان التسوق، حيث الشمس الساطعة والشواطئ الجميلة والنظام المتميز الذي يمكن لمسه في المدينة والذي تعتقد أن له خلفية تاريخية بدبي، لافتة إلى أنها أحبت رؤية من يصنعون شباك الصيد في القرية التراثية، كما أبدت رغبتها بالخروج في إحدى رحلات الصيد البحرية التي يتم تنظيمها في دبي لرؤية عمليات الصيد وكيفية استخراج الأسماك من البحر.
بساطتها تؤكد تحضرها
باول، رجل أعمال دانماركي، يأتي إلى دبي سنوياً منذ حوالي 10 سنوات لإنجاز أعماله، لكن كل زياراته كانت سريعة وخاطفة.
هذا العام، يختلف مفهوم زيارة دبي عند بول اختلافاً تاماً، فبعد عشر سنوات من الذهاب والإياب، قرر اصطحاب زوجته أني في رحلة إلى لؤلؤة الشرق كما يطلق عليها، واختار موسم مهرجان دبي للتسوق للاستمتاع بجانب مهم من السياحة ينشط هذه الفترة في دبي وهو سياحة التسوق.
ويقول باول إن أهم ما يعشقه في التراث الإماراتي هو القيم المتأصلة للشعب في هذه المنطقة من العالم ومنها قيمة البساطة، والتي يتسم بها الشعب بالرغم من كل التقدم الذي أحرزوه في عدد من المجالات الاقتصادية، إذ أنه على الرغم من التقدم الهائل الذي تشهده دبي، إلا أن سكانها ومواطنيها لا زالوا يتمسكون بقيمهم وأخلاقهم وحتى الزي الوطني.
اهتمام
ويضيف أنه فضل أن يصطحب زوجته خلال هذه الزيارة نظراً لاهتمامها بالثقافات المختلفة، وعشقها لأن تعرف المزيد عن الثقافات العربية، إذ أنه بمجرد أن تلتقي ببعض المواطنين الجالسين على الأرض، فإنها تقوم على الفور بالجلوس معهم، ومحاولة التواصل بالإشارة أكثر منه باللغة، إذ أنها لا تتحدث الكثير من الإنجليزية.
وتتواصل آني معنا عن طريق بول بقولها إنها أحبت كثيراً الرقصات المحلية التي يصطف خلالها الشباب جنباً إلى جنب لتأديتها، إذ أن هذه الرقصة تدل على روح التكاتف بين أفراد المجتمع وتقاربهم جنباً إلى جنب في الحياة العملية.
وتشير آني إلى إعجابها الكبير بالسيدات المواطنات اللاتي يقمن بصنع المأكولات المحلية في كافة أنحاء دبي خلال مهرجان دبي للتسوق، إضافة إلى الأكشاك الموجودة بشارع السيف وشارع الرقة والتي تقدم أطعمة محلية شهية، وهنا تجد آني صعوبة في نطق كلمة "هريس" الذي أحبته كثيراً، كما تقول إنه يجب أن يأخذ جائزة كحد أفضل الأطعمة العربية التي تذوقتها.
وتذهب آني برفقة زوجها الذي يعرف شوارع دبي جيداً إلى مراكز التسوق للاستفادة من العروض المغرية الموجودة بها، والتي تحفزها على شراء كميات كبيرة من البضائع لتأخذها هدايا لأصدقائها وأقاربها في الدانمارك.
بعد عقد من الزمان
كال لاتي، فنلندي يبلغ من العمر 35 عاماً، يحب الفرار دائماً، لكنه لا يفر من رجال الشرطة كما عودتنا أفلام الحركة المثيرة، إنما يحب الفرار من برودة الطقس في بلده فنلندا بصفة سنوية ليذهب إلى إحدى الوجهات المشمسة.
ويروي كال حكايته مع دبي فيقول إنها الزيارة الثانية للمدينة الرائعة كما يسميها، حيث زارها قبل نحو عقد من الزمان، لكنه يرى اختلافاً كبيراً في المدينة منذ أن زارها قبل 10 سنوات، حيث يشاهد التحف المعمارية، والتي من أبرزها برج خليفة.
ويقول كال إن أفضل ما في دبي هو تطورها الدائم مع احتفاظها بهويتها كدبي، مشيراً إلى أنه أتى إلى دبي هذه المرة ليس فقط ليشاهد المعالم السياحية ويرحل، لكنه جاء بصحبة أسرته المكونة من ابنتيه سني وإيديت، وزوجته ماريان للتعرف أكثر على تاريخ دبي وتراثها التاريخي.
ويضيف أنه بدأ رحلته من شواطئ دبي، والتقى بعدد من كبار الصيادين الذين توارثوا منذ زمن بعيد عملية استخراج اللؤلؤ باستخدام السفن، وكيف تعايشوا مع الطبيعة وكانوا في كل مرة يتركون شواطئ المدينة للصيد يسلمون على أهلهم كأنهم راحلون إلى الأبد.
ويروي كال حكايته مع الصحراء، فيقول أنه أول مرة يرى الصحراء بمعناها الذي كان يشاهده في التلفاز كان في دبي، عن طريق ركوب الجمال في أحد الأماكن المفتوحة بالصحراء، والتي استاء منها في البداية بسبب الاهتزاز الشديد عند سير الجمل، لكنه استمتع بها بعد ذلك وعرف مدى معاناة العرب قديماً في السفر باستخدام هذه الوسيلة التقليدية.
ويضيف أنه أعجب بركوب الخيول والجمال وتمنى أن يعود إلى دبي ثانية، لكنه كان قد تزوج فقرر أن يعود مع الأسرة ليستمتعوا بالتراث المتميز والجو العربي الأصيل الذي يعيشونه في دبي.
حماس
وتروي الزوجة ماريان رحلتها فتقول إن الرحلة استغرقت نحو 6 ساعات حتى الوصول إلى دبي، وكنت متحمسة جداً لمعرفة المزيد عن تراث المدينة التي تحوي أطول ناطحة سحاب في العالم.
وتضيف: أحببت كثيراً الأكلات الشعبية مثل اللقيمات التي يتم تقديمها في شارع الرقة، إضافة إلى الرقصات المحلية التي يستخدم فيها المواطنون العصا ويصطفون سوياً ليقدموا استعراضات متميزة، مبدية اعجابا كبيرا بشعر الفتيات الصغيرات وهن يرقصن بطريقة رائعة لم تر مثيلا لها في أي مكان في العالم، معبره عن سعادتها الكبيرة وهي ترى هذا الفن الجديد نسبيا والقديم تراثيا.


