ليس سهلاً ترك ذكريات الطفولة بعيدة، وأن ترتحل إلى مجتمع لا يمت لعاداتك وتقاليدك وحتى لغتك بصلة، وكم هو الوقت المستغرق للتخلص من صدمة المجتمع الجديد. هذه الشكوك ساورت «تيجان ستريز» قبل أن يأتي إلى دبي، وهو موسيقار ايرلندي شاب، التقيناه حيث كان يعزف على الآلات الموسيقية في مسارح الفستيفال «بروميناد».

المحطة الأولى

قضى تيجان وعائلته 12 عاماً في جنوب أفريقيا وهي المحطة الأولى في حياته، أقام خلالها الكثير من الصداقات، وعاش فيها أجمل أيام طفولته، ولم يضع في مخيلته أن يعود إلى وطنه الأم «إيرلندا»، أو ينتقل إلى دولة أخرى. ولكن اللحظة التي لم تكن في الحسبان قد جاءت، وزف له والده خبر الانتقال إلى مدينة دبي في عام 2007، مما جعل تيجان يعيد ملامح قراراته التي وضعها في جنوب أفريقيا. وبعد فراق ووداع، سافر تيجان متجها إلى دبي، ومن الطائرة كان يختلس النظر من خلف ستار نوافذها، لمشاهدة المدينة التي سمع عنها الكثير عبر مواقع الانترنت، وتيقن أن ما شاهدته عيناه حقيقة وواقعا، اطمأن به ريثما تحط الطائرة.

بريق مطمئن

يقول تيجان منذ أن وطأت قدماي أرض الإمارات، خطفت دبي أنظاري ببريقها الأخاذ وأضوائها المتلألئة. انتقلت بي السيارة إلى المكان الذي سنقيم فيه بجوار برج خليفة، أعلى صرح عمراني على وجه الأرض. المكان جميل، والهدوء الذي يخيم عليه يبث الاطمئنان في القلب، ولكن ظلت عقدة شائكة في نفسي، كيف سأنسجم مع أهل البلاد، لاسيما وأنها دولة عربية خليجية. هكذا كانت الأسئلة تتبادر في ذهني، ولكن سرعان ما جاءت الإجابة، حيث انتسبت إلى إحدى الكليات في الإمارة، وانسجمت مع أصدقاء جدد منذ يومي الأول في الدراسة، وشعرت بأريحية لا سيما وأن وقت وصولي إلى دبي تزامن مع مهرجانها السنوي للتسوق، مما أتاح لي الفرصة لمشاهدة الناس عن كثب.

انخرطت في فرقة موسيقية كانت والدتي إحدى العضوات فيها، ومارست الهواية ضمن مهرجان دبي للتسوق قبل ثلاث سنوات، ومنذ ذلك الوقت وأنا أواظب على هذا النشاط حتى اليوم، وتحديداً على ضفاف خور دبي شاطئ الفستيفال بروميناد، الذي استطعت من خلاله تنمية مهارة أخرى، وهي قيادة السيارات الصغيرة «الباجا» عبر أجهزة التحكم عن بعد.

أصدقاء جدد

ويضيف تيجان أصبح لي أصدقاء جدد، من الشباب المواطنين الذين حرصوا على تنمية مواهبهم وهواياتهم وانا معهم، لأصبح أحد أهم المتسابقين في هذه الفعالية، وكلما وجدت وقتاً عرجت لممارسة هوايتي على رمال الشاطئ، وأصبحت متنفساً لي سواء خلال أيام المهرجان أو بعده، مكتشفاً بذلك أن بيئة البلاد ونشاط أبنائها، صنع هوايات جديدة، لعل أهمها التزلج على رمال الكثبان، التي طالما تمنيت أن أقوم بها، إلى جانب فرصة التخييم في الصحارى التي كثيراً ما سمعت أنها رحلة تعج بالمغامرات والأحداث الممتعة والمثيرة، لاسيما وأن مرتاد المناطق البرية يقضي أوقاتاً ممتعة في قيادة الدراجات النارية، والتنزه بين الكثبان الرملية الفريدة.

استنتاج

يقول العازف الايرلندي، كنت أخشى من صعوبة الاندماج مع سكان الإمارات، وعندما انخرطت في مجتمعه اكتشفت نقيض ذلك. بل وحققت خلال خمس سنوات نجاحات مبهرة، أهمها ممارسة هوايتي وعملي معاً في مهرجان دبي للتسوق، والدراسة في إحدى الجامعات المتميزة في دبي، والحصول على خيارات كثيرة للترفيه عن النفس، مما فاق توقعاتي قبل أن تهبط بي الطائرة على المدرج.