حرضني مهرجان دبي للتسوق 2012 لابتكار فكرة غير مسبوقة، لكن أين أعثر على ما يعتبر لافتاً وغير معتاد، ولاحت الفكرة من خلال عبارة مدرب الأسود محمد الحلو في سيرك مونتي كارلو، إحدى الفعاليات الفريدة في المهرجان دبي حين عجز عن تفسير شعوره بقوله "إنه شعور لا يوصف" بعد سؤالي وهو محاط بملوك الغابة أمام الجمهور خاصة وأن جده ـ رحمه الله ــ لقي حتفه داخل القفص بأحد العروض.
البداية
عندما شاهدت عرضه المثير مع الجمهور، ولمحت الشرر الذي يتطاير من عيونه أثناء وجوده مع الأسود في القفص الحديدي المقفل بإحكام بالحبال السميكة والسلاسل الحديدية، قررت المخاطرة وطلبت أن يعلمني المبادئ الأساسية لترويض الأسود، لأدخل عرينها. لم أتوقع موافقة عائلتي بالطبع، حيث ظنوا أنها مزحة ليس إلا، الأمر الذي أسعدني كثيراً واعتبرته الضوء الأخضر لأبدأ بالفعل التواصل مع المعنيين.
سهيل عبيد مدير عام سيرك مونتي كارلو العالمي، تفاجأ بشدة من طلبي، وأكد أنه قفص حديدي موصد بإحكام لا مجال للهرب مطلقاً، وما بداخله حيوانات مفترسة شرسة لا تحسبيها قططاً أو كلاباً أليفة، مشدداً على أنها مسؤولية كبيرة لأن المدرب محمد الحلو لا يمكنه ضمان سلامتي أو حتى حماية نفسه من غدرها، ولا التحكم بعدوانيتها، لكن أمام اصراري وروح الثقة في نفسي وافق على تنفيذ الفكرة وخوضي التجربة الحية.
تدريبات
التدريبات النفسية والجسدية التي خضعت لها بواسطة المدرب محمد الحلو، ومعرفة القواعد والأساسيات الهامة في عملية ترويض الأسود، لم تستغرق سوى ساعتين من الزمن، وكان تنفيذ الفكرة والقيام بالتجربة في اليوم نفسه، وذلك حسب الحلو حتى لا يكون هناك مجال للخطأ أو النسيان.
يقدم سيرك مونتي كارلو عرضين يومياً الأول من الساعة السادسة والنصف وحتى التاسعة والنصف مساء، والثاني من الساعة التاسعة والنصف وحتى الثانية عشرة ليلاً، وقد كان الاتفاق أن يفرغ الحلو نفسه لتهيئتي نفسياً وذهنياً وبدنياً قبل بداية العرض الأول.
وبالفعل طلب مني التركيز في كلامه وقام بتلقيم دماغي معلومات مكثفة وضرورية عن الأسود، وتعليمي كيفية التصرف في حال زأر أحد الأسود في وجهي أو حاول الاقتراب مني أو قام بمهاجمتي في أسوأ الظروف، على أن تبدأ المغامرة بعد انتهاء العرض الثاني وخروج الجمهور من السيرك لتأمين سلامتهم.
حتى لا أكون فريسة
استمعت إلى ملاحظات الحلو بدقة حتى لا أكون فريسة لأسوده التي تتناول يومياً 25 كيلوغراماً من اللحم، وحين مر الوقت سريعاً وحان وقت العرض الثاني، حذرني الزميل المصور عماد علاء الدين، من خطورة التجربة وطلب مني إعادة النظر والانسحاب، لأن دخولي القفص مع المدرب سيكون بحضور موظفي السيرك فقط ولن يستطيع المسعفون التدخل في اللحظة المناسبة لو وقعت كارثة.
ولعل مشهد العاملين في السيرك وهم يقومون بتجهيز القفص من جديد بعد خروج الجمهور، ويتأكدون من ربط الحبال والسلاسل الحديدية حول أعمدته، قد أثر في كلينا للحظات، ولكنني أكدت لزميلي أنني مطمئنة نفسياً وقادرة على إكمال المشوار الذي بدأت به.
تحذيرات صارمة وإلا
في منتصف الليل وبعد ما أخذ الحلو قسطاً من الراحة لدقائق معدودة، خرج من الكواليس على عجل وهو بحالة مزاجية سيئة ليخبرني أن النمر والأسدين (الذكور) بحالة غير جيدة، لأنها مرهقة للغاية وبحاجة ماسة إلى الراحة والاسترخاء، مؤكداً أن أسوده قطعة منه والمكروه الذي يصيبها يزعجه ويؤثر على أدائه.
وقرر لحظتها الاعتماد على لبؤتين ضخمتين وزن كل منهما 170 كيلو غراماً لتنفيذ العرض، وذكرني بضرورة التحلي بالجرأة، وتنفيذ أوامره داخل القفص بدقة، والمشي بخطوات واثقة عندما يطلب مني التقدم، والتركيز على النظر في عيون اللبؤتين حتى لا تشعران بخوفي، وعدم إعطاء ظهري لهما مهما حصل، أو الصراخ في حال زأرت إحداهما حتى لا تتشجعان على افتراسي، كما نبهني من خطورة التقدم عليه داخل القفص لأن اللبؤتين غير معتادتين على رؤيتي.
وحيدة في القفص
وبعد أن تجمع العاملون في السيرك حول القفص ليشاهدوا العرض، قام المدرب محمد الحلو بإدخالي القفص لوحدي أولاً، حتى أهيئ نفسي جيداً وانسجم مع الأجواء، خاصة وأن ما يفصلني عن اللبؤتين اللتين أراهما بوضوح أمامي باب حديدي. ولكنني لم أكن متشائمة حينها ولم أفكر بالخطر الذي قد يصيبني، بل كنت منشغلة بمساعدة المصور على اختيار الزوايا المناسبة للتصوير وإعطائه بعض التعليمات حتى يتمكن من أخذ اللقطات الجيدة.
قرار حاسم
وحين همّ المدرب محمد الحلو بدخول القفص، جاء سهيل عبيد مدير عام سيرك مونتي كارلو العالمي، وطلب إلغاء كل شيء لخوفه الشديد عليّ خاصة وأنني غير مؤهلة للتعامل مع الأسود، كما عبر عن ندمه للسماح لي منذ البداية بالتفكير بالموضوع، وعدّ موافقته ضرباً من الجنون، ولكنني استحضرت الأسلوب النسائي المعروف وهو (النق) أي الإلحاح المتكرر فأثمر الأسلوب وأدى الغرض ونجحت في إقناعه بالموافقة مرة أخرى وبصعوبة كبيرة.
مغامرة حقيقية
حاولت أن أبدو طبيعية لحظة دخول اللبؤتين إلى القفص وإقفال بابه بسلسلة حديدية، ولكن هيهات.. فسرعان ما اضطربت من هيبة اللبؤتين وضخامتهما مقارنة بحجمي الصغير، فاصفر وجهي للحظات وجيزة من خطورة الموقف، ومن سيعتقد بأن المدرب قام بتخدير اللبؤتين أو حتى تقييد أقدامهما فهو مخطئ، لأنها مغامرة حقيقية الهدف منها إشعار القراء بأنهم في قلب الحدث، وليس لمجرد التسلية والفضول.
معاً في عرين الأسود
أمسك المدرب بيدي وتقدمنا سوياً بالقرب من اللبؤتين، وهمس قائلاً (لا تخافي أريهما جرأتك، تقدمي وعيشي اللحظة بكل ما فيها إثارة)، أمدني بشحنة شجاعة وقمت بتقليد حركاته وخطواته بسلاسة ومرونة، لكن زئير إحدى اللبؤتين بشكل مرعب حبس أنفاسي وكاد يبدد شحنة الشجاعة لكنني تمالكت نفسي لأخرج بتجربة واقعية مميزة من المهرجان.
وما هي إلا دقائق حتى زأرت اللبؤة الأخرى بقوة لكنها لم تكن تختبرني هذه المرة فلم تهدر وقتها بل تقدمت نحوي في هيئة استعداد للانقضاض، الأمر الذي أثار فزع الجميع، ورفع درجة توتر المدرب محمد الحلو الذي كان يقف بجانبي، وفوراً كان أمره لي بألا أتحرك وبأن أنظر إليها مباشرة وبحزم، وأنا أردد معه «يلا نامي»، المدهش أن اللبؤة تحولت من وضع الهجوم إلى وضع الجلوس وسرعان ما تمددت في وضعية النوم.
أكثر قرباً من اللبؤة
عادت اللبؤة إلى مكانها وتقدمنا المدرب وأنا باتجاهها لمداعبتها، وقرب الحلو عصاه الحديدية منها، فكشرت عن أنيابها الحادة والمرعبة، في حين كان يشرح لي مميزات حواسها الخمس وقوة مخالبها التي تعادل 30 كيلو غراماً من الحديد. نعم كل ذلك وكل تلك القوة البدنية التي حباها بها الله، والتي وفقني الله بالخروج من التجربة بسلام. ولنعلم أن الإنسان بعلمه وعقله استطاع أن يطوعها، ليمتع بها بني جنسه، كما فعلت عائلة الحلو الأشهر على الإطلاق في ترويض الوحوش للمشاركة بها في مهرجانات العالم ومنها المهرجان الأطول «دبي للتسوق».


