عندما عرضت على زوجي الذي يقيم في دبي منذ 15 عاماً حضور إحدى فعاليات مهرجان دبي للتسوق بدأت المباراة المحتدمة المعتادة في كل مرة ننوي الخروج، وبدأ الشد والجذب. اخترت الأسلوب السلمي للحوار عبر جدول المهرجان خلال هذا العام فقمت بقصه خصوصاً بالألوان من الصحيفة وحملته معي إلى البيت ووضعته مع صفحات انتقيتها بعناية تتضمن أخبارا وصورا عن المهرجان وألقيت الشباك.

 وضعت الصحيفة على طاولة الطعام وأخذت بفردها وكأنني أبحث عن الخبر الذي نشر باسمي اليوم، وعندها اشتغلت الخطة الأولى وبلع أبنائي الطعم حيث تجمعوا حولي بمجرد دخولي البيت، وراحوا يتأملون الصور.. خبر عن سيرك مونت كارلو وآخر عن فعـــــــاليات شارع الرقة وثالث عن شارع الســــيف، وكانت الصور ســـــلاحا قويا لمصلحتي.

بدأ الأبناء في تفحص الصحيفة وجروا بها إلى والدهم الذي بدا غير مهتم إلا بمتابعة الأخبار، وفجأة ألقيت القنبلة المدوية.. "ما رأيك في اصطحاب الأولاد إلى السيرك اليوم" ومرت ثوان عديدة لم اسمع فيها ردا سوى نظرات عينه المتجولة حتى بدأ الصراع المعتاد.

وبتهكم قال "نعم.. أي سيرك" وهنا حضرت مهمة الاقناع الدورية مع كل مشروع فسحة. لحسن حظي أن لدي أبناء يلتقطون طرف الخيط ويقومون باللازم من دون توجيه أو جهد. بدؤوا في عرض الصور والصحف على صاحب القرار الذي تنازل اخيرا عن ريموت التلفاز ليبدي شيئاً من الاهتمام ولو كان صوريا.

أعلم أن امامنا ساعة واحدة ليبدأ العرض الثاني لسيرك مونت كارلو في شارع الرقة، ومازالت المهــــــــمة شاقة لإقنـــــاع الــزوج بالتخلي عن مشاهدة التلفاز وقضاء 3 ساعات متواصلة كأسرة خارج البيت. عشرون دقيقة تقريبا انقضت وبدت ملامح نجاح الخطة، نهض زوجي وارتدى ملابسه على مضض نزولاً عند رغبة الأغلبية، مؤكداً علــــــينا ضرورة العودة للبيت سريعاً حتى يتابع البرنامج المفضل لديه على إحدى القنوات، وافقنا ولكن على مضض ايضا.

كانت الـــــــمرة الأولى التي نخرج مــــــــن البيت بعد مدة طـــــــــــويلة. توجهنا إلى شارع الرقة، وكانت المفــــــاجأة الأولى الزينـــة والأنوار والأضواء التي كست أوراق الشجر الخضراء من الخارج لتــــــــــصنع من شارع الرقة لـــــوحة جمــــيلة تتفوق على كثير من شوارع دول أوروبية ذائعة الصيت، وعثرنا على الخيمة الكبيرة التي نصبت لتســـتضيف ســــيرك مونت كارلو العالمي.

بطولة

كان زوجي بطل العرض الأول حيث اختاره المهرج من بين الحضور الكثيف ليساعده في تقديم عرض ساخر ممتع، ومنحه المهرج ثمرة بطاطا ووقف في منتصف المسرح ثم طلب منه أن يلقيها على شوكة وضعها في فمه، حاول زوجي استخدام مهارته في التصويب وألقى البطاطا إلا أنها وقعت على الأرض وتحطمت، نظر المهرج لزوجي بغضب راسماً تعابير الحزن مما أثار الضحكات من حوله وحقق الهدف. اقترب من زوجي مجدداً واضعاً يديه على جيبه وكأنه سيخرج سلاحاً أو على الأقل بطاقة حمراء، لكنه أخرج ثمرة بطاطا أخرى وطلب منه إلقاءها مرة أخرى على فمه.

استبسل زوجي وسط توقعات الأبناء بقدرات والدهم على التصويب لإصابة الهدف هذه المرة، لكن البطاطا اصطدمت برأس المهرج الذي سقط على الأرض مقدماً عرضاً مبهرجاً، وقام بعد ثوان متوجها إلى زوجي بغضب أكبر وأخرج من جيبه حلوى "اللولي بوب" ومنحه إياه وسط ضحكات الجمهور.

خرجنا من الخيمة لنجد في انتظارنا الفرق المتجولة بعروضها الكرنفالية المختلفة وموسيقاها الرائعة وحمل أحد العارضين ابنتي الرضيعة وقد كانت فرحة جدا.

 

سحر العروض

عدنا إلى البيت في منتصف الليل وكان الحديث طوال الطريق عن الفقرات المتنوعة والعروض العديدة، وتوجه زوجي من فوره إلى التلفاز، وكانت المفاجأة بأنه أخرج بطاقة ذاكرة الكاميرا ليشاهد ما التقطته العدسة بيديه وبدا مستمتعاً، المفاجأة الأجمل أنه نسي برنامجه اليومي المفضل، وكانت المرة الأولى منذ شهور يمر علينا يوم من دون متابعة أخبار نفحات "الربيع العربي".

لقد استطاع المهرجان منذ انطلاقته تغيير وجهتنا اليومية وتبديل نمط حديثنا التقليدي اليومي ليكتسي بصبغة أخرى وصيغة أكثر تفاؤلاً وأكثر فرحاً.

 

الخطة الثانية

بدأت تراودني الرغبة لزيارة واحة السجاد، فكان العزف على أوتار المنتجات المفضلة من السجاد خطة الانصياع التالية، لكون زوجي يهتم بأنواع كثيرة من السجاد اليدوي الفاخر ولطالما حلم باقتناء واحدة.

بدأت الصفقة بعرض مغر للتوجه إلى واحة السجاد والمشاركة في شراء السجادة، نجحت الصفقة وحان قطافها إذ كنا متوجهين إلى هناك وكانت المرة الأولى يزور زوجي فيها الواحة، علامات الانبهار على ملامحه كانت درجة النجاح الذهبية، وفرصتي للسيطرة على الموقف. غادرنا واحة السجاد بسجادة من الحرير ذات تصميم خلاب واتفقنا على وضعها في صدر صالة بيتنا في مصر، لتكون أحدث تحفة فنية تزينه.

 

غنائم

أما أجمل غنائم المهرجان فكان طقماً من الذهب أهداه لي زوجي بعدما رأى تحقق أحلام الكثيرين بلا عناء من خلال سحوبات المهرجان.

ولم تكن تلك الغنيمة الوحيدة، بل مبادرات الزوج العنيد حتى وقت قريب باقتراحاته لزيارة بعض الفعاليات، خاصة مع مشاعر الفخر التي انتابته بعدما حصل على الكثير من تعليقات الأصدقاء الجميلة إثر تحميل صور الفعاليات على "الفيس بوك" .

ويكمن جمالها في أنها جلبت أغلب أصدقاء الدراسة من هولندا وكندا، الذين شددوا على ضرورة دعوتهم إلى زيارة دبي، وبدوا غير مصدقين لما رأوه، لدرجة أن أحدهم علق على صورة ظهر معبر الخليج في خلفيتها وقد أخذت من أمام فيستيفال بروميناد بقوله: "حلو الاستديو اللي متصور فيه" متخيلاً أن الخلفية لأحد الجسور الشهيرة في العالم.

 

سحر الأنغام

وفي البروميناد سادت الأنغام الموسيقية العذبة أرجاء المكان وكانت مفاجأته "الرجل الفرقة" كما أسميته، حيث حمل أحد العارضين أكثر من 10 آلات موسيقية مختلفة يعزف عليها جميعا في نفس الوقت، ومنه انطلقنا لزيارة بعض مراكز التسوق الأخرى، وحضرنا حفلات ليالي دبي الفنية، وأشجانا صوت شيرين عبد الوهاب .

حيث تميز الحفل بإحماء الحنين إلى الوطن خاصة عندما غنت "ما شربتش من نيلها" ثم تدير وجهها وتجهش بالبكاء، ثم لا تلبث أن تعود لتبدع من جديد، وبدا زوجي مستمتعاً، طبعا، لأنه من معجبيها ولم يكن يتخيل حضور حفلها في مصر إلا أنه حضرها في دبي، كما أطربنا فضل شاكر. ولا يزال عطاء المهرجان يتدفق بحلم الثلاثين يوما الذي يطرق أبواب دبي كل عام جالبا الفرح والهدايا بلا حدود.