عندما نتكئ على جدار الإصرار، ونطمح في قهر المستحيل، فإنه من السهل علينا أن نلامس آمالنا، ونصل إلى أحلامنا، فتصبح واقعاً نعزف على أوتاره أنغام حياتنا. ومهما كبرت الأحلام أو صغرت فهي مرهونة بإرادتنا وعزيمتنا على تحقيقها، لذلك يقال دائماً: (إن الأمواج الهادئة لا تصنع بحارة محترفين، لأنهم لم يتجرعوا طعم الصعوبات لكي يتذوقوا طعم الانتصار والنجاح).
وهذا ما أكده لنا ضاحي براك، وهو في العقد السابع من عمره، وقد شق طريقه من مملكة البحرين، متحدياً حداثة الحياة التي حاربت مهنته، وكادت أن تجعلها ذكريات تضمها كتب التاريخ، ولكنه بإصراره استطاع أن يوجد لها مكانة ومكاناً وإقبالاً، حتى بات يشعر وكأنه في زمن الغوص، ويضيف: إن صناعة أدوات الغوص من المهن القديمة التي كان يمتهنها سكان الخليج في السابق، وتعلمتها من جدي ووالدي منذ أن كنت في العاشرة من عمري، وكانت مصدر رزق وتدر خيراً وفيراً، ومع ظهور النفط تغيرت أنماط الحياه، وانصرف كثير من الناس إلى العمل في الحقول النفطية والوظائف الحديثة.
وعندما أصبح الإقبال ضعيفاً على الغوص وشراء أدواته، رفضت التخلي عن مهنة آبائي وأجدادي، ولكن بدأ القلق يساورني لأنني كنت أعيل أسرة، ولابد لي من مهنة تدر علي شيئاً من المال لكي أؤمن قوتهم، وتبادر إلى ذهني أن أتعلم صناعة أدوات صيد السمك، لأن المهنة كانت رائجة، إضافة إلى أنها قريبة من مهنتي الأساسية في صناعة أدوات الغوص.
ازداد تمسكي بمهنتي عاماً بعد آخر، وأيقنت أن تنازلي عن تراث أجدادي يعني اندثاره، لذلك أصررت على مواصلة صنع أدوات الغوص، وتوزيعها على الأقارب والأصدقاء، لكي يتسنى للأجيال التي لم تعاصرها أن تتعرف إلى أشكالها وأسمائها، لتبقى في ذاكرتهم ويعرفوا بها أجيالهم في المستقبل، وفي الوقت نفسه كنت أختزن جزءاً كبيراً منها، وبقدر تمسكي بمهنتي، يختلج الحزن أعماقي تجاهها، التي لطالما حلمت أن ترى النور، ولكنها في نهاية الأمر مجرد أمنية، أصبحت الحياة وتطورها تحاصرها.
مكثت على هذا الحال عدة أعوام، وتجرعت الكثير من الصعوبات والتحديات التي كانت تجبرني على التخلي عن حرفتي، ولكن كانت عزيمتي أقوى من ذلك، وشاء الله أن يبتسم لي القدر، عندما وجهني أحد أصدقائي للمشاركة في مهرجان دبي للتسوق قبيل بضعة أعوام، وأخذت الأمر على محمل الجد، وتوجهت إلى المنظمين للمهرجان الذين رحبوا بمشاركتي بحفاوة، عندها عرضت كميات كبيرة من منتجاتي التي كنت أختزنها، وكانت المفاجأة كبيرة، عندما شاهدت جموع الزوار تتوافد لشراء ما أنتجته، وبأسعار لم أحصل عليها حتى حين كانت المهنة في ذروتها في الزمن الماضي، صحيح أنهم لم يشتروها لممارسة الغوص، ولكن أخذوها كذكرى تحلق بأخيلتهم إلى ماض عاشه أباؤهم وأجدادهم، وليحكوه إلى أجيال المستقبل .
كانت مشاركتي الأولى في مهرجان دبي للتسوق، نقطة تحول مهمة أسهمت في تغيير مجرى حياتي، وانتصار كبير قدته بسلاح طموحي ورغبتي، أعادت لي أيام شبابي وقوتي، وقررت على إثرها أن أنتقل إلى العيش في الإمارات، لما وجدته من إقبال على المنتجات التي كنت في يوم من الأيام أختزنها خشية أن أنسى حرفتي، وهنا تغيرت أحوالي بعد ما كان القلق ينهش تفكيري تجاه المهنة والمصير، أصبحت أشعر بالفرح اليوم والامتنان لما أحظى به من إقبال السياح بمختلف جنسياتهم وثقافاتهم، فلم يذهب طموحي وصبري هباء الرياح، فمشاركاتي في المعارض، وتعليم أطفال اليوم أساسيات هذه الحرفة، تشعرني بسعاد غامرة.
