حين خرج الشاب الفلسطيني مهدي فليفل من أبوظبي، أكتوبر الماضي، محمّلا بجائزتين من مهرجان السينما، عن فيلمه الوثائقي الأول "عالم ليس لنا"، كان يعرف أن وجهته المقبلة ستكون برلين. وها هو، بعد خمسة شهور، يحمل قضية رقعة صغيرة من جغرافيا جنوب لبنان اسمها "عين الحلوة" الى رقعة "كبيرة" تقع على بعد آلاف الكيلومترات، اسمها برلين.

هدر الإنسانية

بين الرقعتين قصة فيها من سخرية التاريخ، أكثر من منطقية الواقع. "عين الحلوة"، حيث ولد وتربى المخرج قبل هجرته الى الدانمارك في عمر الفتوة، ما هو، بوصفه، الا "مخيم اعتقال كبير.. ولكن بأبواب مفتوحة". الاعتقال الذي يقصده يتجسد في ظروف التخلي الموجعة التي يعيشها أبناء وقاطنو هذا المخيم، من قبل كل الجهات الفلسطينية واللبنانية والأممية، التي لم تعد تكترث لهدر إنسانية يومي يحياه اللاجئون، الممنوعون من حقوق كثيرة، هناك.

من جهة أخرى، برلين، أول ما تقابلك، ستقدم اليك باقة ورد سوداء مكتوب عليها "هولوكوست"! إذ إن الأنصبة التذكارية للذين قتلتهم النازية من يهود أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، تملأ المدينة. كل متحف وكل شارع وكل فيلم وكل فكرة. أنصبة ترمز الى التحرر من زمن الجلاد وأفكاره، وترمز الى معاقبته المستمرة، لكنها تحتجز برلين.. الى الأبد.

عن تلك الأنصبة قرأ فليفل، أثناء دراسته في الدنمارك، واستقراره فيما بعد في لندن، وفهم ما لم يكن يعرفه من قبل.. كما يعرف اليوم أن هناك جيلا من الشباب الأوروبي "لم يعد مغمضا عينيه عن اللاعدالة التي تمارس ضد الشعب الفلسطيني المحتلة أرضه، والمهدورة انسانيته في خارجها، وتحديدا في مخيم عين الحلوة". يقول في لقائه مع "البيان":" انه الأسوأ على الاطلاق، وضع الفلسطيني في عين الحلوة الأكثر سوءا من وضعه في أي شتات آخر".

نقطة احتجاز

قضيته إذاً التي حملها الى برلين، حيث الضوء الاعلامي الكثيف، بما فيه الاعلام الاسرائيلي، هي ليست "القضية الفلسطينية"، بالمعنى الذي اعتدنا على مطالعته في التجارب السينمائية العربية خلال النصف قرن الماضي، ولكن هي مسألة الهزيمة والإحباط والبؤس الذي يعيشه الشباب الفلسطيني اليوم في مخيم "عين الحلوة": طبعا، تشغلني القضية الجوهرية وهي احتلال الارض، ولكن تشغلني بشكل مواز، ولا يقل اهمية، عقلية اللبناني الذي يتحمس للتظاهر دفاعا عن انسانية أبناء غزة وسوريا والعراق، لكنه لم يفكر في يوم من الأيام أن يذهب الى نقطة التفتيش عند مدخل المخيم في مدينة صيدا ويتظاهر من أجل حياة كريمة لأبنائه "المحتجزين".

يقول:" في لندن، ألتقي بلبنانيين، أسألهم عن عين الحلوة، عن داري والمكان الذي ولدت فيه، لا يعرفون، واشعر بعدم رغبتهم بالمعرفة ولا زيارة المخيم.. قلت في النهاية: حسنا، اذا كنتم لا تريدون أن تذهبوا لعين الحلوة سوف آتي به إليكم".

رحلات أبو إياد

لكنه، في عروضه الثلاثة ضمن برنامج "بانوراما- الوثائقي"، في "برلين السينمائي"، خاطب المخرج جمهورا أبعد بكثير من اللبناني.

في الفيلم نرى أبو أياد شخصية محورية تنهشها الهزيمة، والأحلام المهدورة، والقوة الهشة، كما أنها شخصية كارزماتية، تشبه في أدائها، برأي المخرج، الأداء "الروبرت دي نيرو"، تمكنت من جذب انتباه المشاهد طوال التسعين دقيقة.

ثمة في الفيلم صور قوية ولغة سينمائية بأسلوب "الهوم موفيز" تبشر بمخرج واعد يريد، كما يصرح، أن يتخصص في أفلام تتحدث عن اللجوء والمنفى، كنوع من "الرحلة الداخلية الشخصية التي تهمني".

 

 

عين الحلوة

 

 

 

ثمة صور لأيقونات فلسطينية، يعتبرها العربي رمز مقاومة، وربما الغربي رمز إرهاب، تزهر في ظلامية "عين الحلوة" في الوحل ملطخة بالعار.. علينا أن ننتظر كيف ستتعامل رقعة برلين مع هذا الأمر في صالات عرض أفلامها..