الاحتفاء ببولانسكي رسالة تضامن مع السينما ضد القمع

«دب برلين» يذهب إلى «عسل» التركي

صورة

ربما تكون المفاجأة الوحيدة المتعلقة بنتائج مهرجان «برلين السينمائي الدولي» في دورته الستين، تتمثل في الجائزة الكبرى، الدب الذهبي، التي انتزعها الفيلم التركي «عسل» لسميح أوغلو، في سابقة تعد الأولى منذ أكثر من نصف قرن، عندما فاز بها فيلم «صيف بلا مياه» لإسماعيل متين في عام 1964. بعض الهمس الذي اعتاد أن يربط مسيرة «الدب» بأفلام ذات خصوصية محددة، مثل تلك التي تتناول موضوعاتها معاداة النازية، توقع للفيلم الألماني «سوس اليهودي» الجائزة، لكن ذلك لم يحصل.

أما قائمة الجوائز الأخرى، فلم تخل من أفلام كان متوقعاً فوزها بقوة، مثل فيلم رومان بولانسكي «الكاتب الشبح»، الذي نال جائزة الدب الفضي، وهو التكريم الذي تريد إدارة «برلين» منحه لمبدع يلاحقه القانون ويضعه تحت الإقامة الجبرية بسبب تهمة تحرش جنسي مضى عليها عقود.

فوز الشبح: احتفاء «برلين السينمائي» ببولانسكي، مثّل احتفاء بالسينما ذاتها. وقد سبق الجائزة رواج الكثير من الأخبار، على مدى أكثر من عشرة أيام، أسهمت بالترويج للفيلم، وربطه «عاطفياً» بالجائزة! بدءاً من الحكايات عن معاناة طاقم العمل في إكمال فيلم مخرجه في الزنزانة، مروراً بتصريحات المخرج المؤثرة، وصولًا إلى شائعات حول تدخل جهات سياسية عالمية بالتحريض على سجن المخرج، كون الفيلم يمثل إسقاطاً سياسياً واضحاً على سيرة رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير ودور جهاز الاستخبارات الأميركية في توجيهه في سياسته الداخلية وحربه على العراق.

كذلك فإن فوز الروماني فلوران سيربان عن فيلمه «إذا أردت أن أصفر سأصفر»، بجائزة التحكيم الكبرى، لم يخيّب آمال الجمهور العريض، الذي منح الفيلم، منذ اليوم الأول لعرضه، جائزته الخاصة. ولم يتأخر بولانسكي عن التعبير عن فرحه وشكره، إذ أعرب في رسالة نقلها منتج الفيلم مباشرة أثناء الحفل، عن أن حصوله على هذه الجائزة «يسعده جداً ويشرفه». وقال المنتج الفرنسي الآن سارد في مؤتمر صحافي للفائزين بالجوائز «تحدثنا إليه بعد الحفل مباشرة. إنه سعيد جداً ويشرفه الحصول على جائزة ثالثة» من هذا المهرجان.

وكان مهرجان برلين منح بولانسكي جائزة الدب الذهبي في 1966 بعد سنة من منحه الجائزة الخاصة للجنة التحكيم.وكان سارد قال مازحاً عند تسلمه الجائزة باسم بولانسكي «آسف لعدم وجوده معنا هذا المساء، لكنه قال لي إنه لن يأتي في كل الأحوال، لأن المرة الأخيرة التي توجه فيها إلى مهرجان وجد نفسه في السجن».

وينتظر بولانسكي، الذي أوقف في 26 سبتمبر عند وصوله إلى زيوريخ لحضور مهرجان سينمائي، في منزله في غشتاد، حيث فرضت عليه إقامة جبرية، تسليمه على الأرجح إلى الولايات المتحدة، حيث يلاحقه القضاء بتهمة «إقامة علاقات جنسية غير شرعية» مع فتاة قاصر في 1977.

وكتبت المجلة الأميركية المتخصصة بالسينما «هوليود ريبورتر» السبت، أن هذه الجائزة «الأكثر إثارة للجدل» قد تكون «مبادرة تضامن مع المخرج السينمائي».من جهتها كتبت الصحيفة الألمانية «دي فيلت» أن «الدب يشكل مبادرة تضامن على ما يبدو». وأضافت أن «مهرجاننا تحول إلى مشاكل لبولانسكي»... وآخر هو «مهرجان برلين رد اعتباره على الصعيد الفني على الأقل».

ومنح مخرج فيلم «عازف البيانو» «ذي بيانيست»، الذي حصل على ثلاث جوائز أوسكار، بينها جائزة أفضل مخرج في 2003، الدب الفضي لفيلمه «ذي غوست رايتر»، المقتبس عن رواية لروبرت هاريس حول رجل مستوحى في شخصيته من توني بلير الذي يلعب دوره بيرس بروسنان. وطغى بولانسكي على جائزة الدب الذهبي 2010 التي منحت إلى فيلم تركي للمرة الأولى منذ 1964 عندما فاز بها فيلم «صيف بلا مياه» لإسماعيل متين.

إنقاذ الطبيعة

أما فيلم «عسل» صورة طفل يكشف له والده المزارع أسرار الطبيعة. وقال سميح قبلان أوغلو «46 عاماً» خلال تسلمه الجائزة من رئيس لجنة التحكيم «من الواضح أن الدببة تحب العسل!». وأضاف «قمنا بالتصوير في منطقة رائعة فيها مناظر جميلة يمكن أن تدمر لأن محطات لتوليد الكهرباء ستبنى فيها»، معبراً عن أمله في أن «تسهم هذه الجائزة في حماية البيئة هناك».

ويروي الفيلم الذي صور على سواحل البحر الأسود في جنوب شرق القوقاز قصة يوسف يقوم بدوره بوراس التاس، يبلغ من العمر سبع سنوات يحلم بأن والده مربي النحل توفي.و«عسل» يكمل فيلمين سابقين بعنوان «بيض» «2007» و«حليب» «2008» لقبلان أوغلو، يتحدثان أيضاً عن العلاقة الروحية بين البشر والطبيعة.

وفازت اليابانية شينوبو تيراجيما التي تبلغ من العمر 37 عاماً، بجائزة الدب الفضي لأفضل ممثلة لدورها في فيلم «كاتربيلار» للمخرج كوجي واكاماتسو.ومنح الروسيان غريغوري دوبريغين «23 عاماً» وسيرغي بوسكيباليس «43 عاماً» جائزة الدب الفضي لأفضل فيلم مناصفة لدورهما في «كيف أنهيت هذا الصيف»، فيلم التشويق للمخرج الكسي بوبوغريبسكي الذي منح أيضاً جائزة الصورة. وحصل فيلم يروي قصة منحرف في دار للإصلاح بعنوان «إذا أردت أن أصفر فسأصفر» للروماني فلوران سيربان الجائزة الكبرى للجنة التحكيم، وجائزة ألفرد بوير الخاصة بتشجيع الإبداع.

يوميات وأحداث

وحفلت الدورة الستين من المهرجان بالكثير من الأحداث المهمة، التي لاحقتها «البيان» يوماً بيوم.وبعد أكثر من سنتين، جاء المخرج مارتن سكورسيزي، في دورة أفلام المهرجان الستين، وفي فيلمه الجدلي «شاتل آيلند»، بالرد البليغ على فيلم جدلي آخر، يتعرض للنازية، هو «أنجلوريوس باستر» لكوينتن تارنتينو، الذي يقلب الأدوار المتعارف عليها في هذا النوع من السينما، فيظهر اليهود في دور النازيين.

في فيلم تارنتينو، الذي نال هجوماً شرساً من جماعات الضغط اليهودي، نرى اليهود يضربون رؤوس النازيين بمضارب البيسبول، ويحفرون الصلبان المعقوفة على جبهات الضحايا الذين يبقونهم على قيد الحياة. وفي فيلم سكورسيزي، الذي حضر مع أبطاله عروض افتتاحه في برلين، نرى أن البطل الذي يعيش عقدة ذنب تجاه النازيين الذين قتلهم دفاعا عن اليهود، ما هو سوى مريض نفسي ومتوهم.

ومن الأحداث أيضاً، المشادة التي حصلت بين صحافيين عرب ومتعاطفين إسرائيليين وعنوانها «غزة». فبعد أن انتهى عرض الفيلم الإسرائيلي التوثيقي الذي حمل عنوان «فيلم لم يكتمل»، ودار حول الأيام الأخيرة لليهود المعتقلين في «غيتو» في بولندا، قبل إعدامهم من قبل النازيين، فاجأت إحدى الحاضرات في الصالة، متحدثة بالألمانية، الجمهور، بتعليق يسخر من مقارنة «هذا الفيلم المؤثر، بما حدث في غزة العام الماضي.. أجد فعلاً أن المقارنة سخيفة». الأمر الذي استدعى احتجاج صحافي عربي، فتنامت من الزوايا المختلفة للقاعة» إخرس.. إخرس.. إخرس..».

وأيضاً كان لافتاً وجود وزيرة حقوق الإنسان العراقية أثناء عرض الفيلم العراقي «ابن بابل» لمخرجه محمد الدراجي، الذي عرض فيلمه مقترناً برسالة مسجلة لرئيس وزراء العراق نوري المالكي، الأمر الذي ولد الاستياء عند بعض النقاد، وتحديداً العرب، الذين لم يفهموا رغبة الدراجي بربط فيلمه برسالة سياسية. إلا أن المخرج الواعد أوضح أن عرض الفيلم في برلين جاء في لحظة متوازية مع إطلاق حملة وطنية للتفتيش عن المفقودين ونبش المقابر الجماعية التي صنعها الرئيس السابق صدام حسين، «لذلك كانت الرسالة المسجلة لها معنى ولا علاقة بها بدعم الفيلم»، الذي يتناول موضوعاً متعلقاً برسالة الحملة.

ولا يمكن إغفال وجود شركة عربية وحيدة لإنتاج السينما ضمن «سوق الأفلام الأوروبي»، وقد تمثل ب«الشركة العربية» للإنتاج السينمائي، التي أنتجت فيلم المخرج المصري داوود عبدالسيد الذي عرض في صالات السوق، وليس ضمن العروض الرسمية. وسعت الشركة، من خلال تواجدها، إلى تكريس فاتحة جديدة، أو متجددة، للسينما المصرية، مع «رسائل البحر» و«عصافير النيل» و«بنات مصر» (قيد الإنجاز) وأفلام أخرى يحضر لها (بعضها جذاب للغاية ولكن الإعلان عنه لايزال مبكراً).

وتريد الشركة تسويق منتج بمواصفات عالمية، خالٍ من التشوهات والادعاءات والكليشيهات، ودوامة المؤامرة والضحايا، أو نقيضها جلد الذات حد الذل، أمام الآخر. وتسعى الشركة إلى أن تعيد الثقة إلى جيل من المبدعين، تحديداً جيل الثمانينات، الذي تمرد قبل ثلاثين عاماً على الخيبة السياسية، فصنع أجمل الأفلام (عاطف الطيب، رضوان الكاشف، مجدي علي، داوود عبدالسيد)، قبل أن يحاصر بتردي ذائقة الجمهور (بفعل انهيار الاقتصاد والقمع السياسي المتواصل)، فيحتجب ويشكك في كل شيء حتى قدراته! «دب برلين»، بعد أيام عاصفة من السينما والضجيج، سيذهب إلى خبائه، ولا يعود قبل الشتاء المقبل!

أرقام

282 ألف تذكرة و300 ألف زائر

بختام الدورة الستين من مهرجان برلين السينمائي، تظهر أرقام مبيعات التذاكر والزوار، معدلات قياسية لم يشهدها المهرجان من قبل. إذ بلغ عدد التذاكر المباعة خلال عشرة أيام أكثر من 282 ألف تذكرة، فيما بلغ عدد الزوار 300 ألف في الفترة ذاتها. أما حفل الختام، الذي وزعت خلاله الجوائز، فقد حضره أكثر من 1600 مدعو، من النجوم وصناع الأفلام والصحافيين وذوي العلاقة. وعرض فيلم ياباني في ختام المهرجان يحمل اسم اوتوتو (عن شقيقها) لأحد كبار المخرجين اليابانيين يوجي يامادا (كابي).

وتميزت هذه الدورة بحضور عدد كبير من نجوم السينما الهوليودية من بينهم جوليان مور (فيلم الأطفال بخير)، وليوناردو دي كابريو والمخرج مارتن سكورسيزي وبن كنغسلي (شاتر آيلند)، ويوان ماغريور وبيرس بروسنن (الكاتب الشبح)، وشاروخان (اسمي خان)، وبن ستيلير.. إضافة إلى العشرات من نجوم السينما الأوروبية مثل جيرارد دو بارديو وإيزابيل أدجاني وغيرهم.. وكان متوقعاً حضور النجمة بينلوبي كروز، التي انتظرها الجمهور حتى اليوم الأخير، والتي يعرض لها المهرجان فيلم «تسعة» للمخرج روب مارشال (سبق أن كان فيلم الافتتاح في مهرجان دبي السينمائي الدولي)، لكنها لم تحضر.

تحكيم

مَيْل رئيس اللجنة إلى الطبيعة دعم جائزة «عسل»

يتوقع النقاد أن يكون رئيس لجنة تحكيم «مهرجان برلين السينمائي الدولي» في دورته الستين، المخرج الألماني المخضرم فرنر هرتسوغ، قد لعب دوراً كبيراً في الاحتفاء بالفيلم التركي «عسل»، ما أدى إلى رفع حظوظ الفيلم بدرجة عالية بالفوز بالدب الذهبي. ويعتبر هذا المخرج أحد أكبر المخرجين السينمائيين العالميين، وقد أخرج هرتسوغ أكثر من 50 فيلماً روائياً ووثائقياً خلال العقود الخمسة من مسيرته الفنية، واعتبرته مجلة «التايمز» واحداً من أهم 100 شخصية مؤثرة في العام 2009.

ومن الأفلام المهمة التي أخرجها هرتسوغ فيلم «دروس في الظلام» و«الضابط السيئ» و«فجر النجاة». وعلى غرار مقاربة أوغلو في «عسل»، حيث الطبيعة هي المحرك الرئيس للأحداث، تتناول أغلب أفلام هرتسوغ علاقة الإنسان بالطبيعة في ظروف مختلفة، ولعل السمة الأساسية في أفلامه اهتمامه البالغ بالعفوية في خلق مشاهد تطرح أسئلة أساسية. ويعتبر المخرج الألماني من أشد المتحمسين للتجارب الآسيوية في السينما، وهو من مناصري السينما التركية الحديثة، وكذلك الإيرانية، فهو، على سبيل المثال، يعتبر أن فيلم المخرج الإيراني عباس كيارستمي لقطة قريبة (ٌَُّم صِ) أعظم فيلم وثائقي شاهده عن السينما.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات