أكد المشاركون في جلسة الحروب الافتراضية ان تقنيات الاتصال تغيرت جذريا وغيرت من مفاهيم الحروب والأمن القومي، مؤكدين ان الدول استدعت قدرتها على حماية شبكاتها الإلكترونية وقدرتها على تعطيل شبكات الاتصال والمعلومات لخصومها، وان هذا الأمر يفرض تحديات جمة لاعتمادها على الشبكات.

أجمع المتحدثون في جلسة «الحروب الافتراضية» التي عقدت ضمن فعاليات اليوم الأول للدورة الثالثة عشرة لمنتدى الإعلام العربي على أن الهجمات الافتراضية أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه العالم ككل وعالمنا العربي بشكل خاص، لاسيما مع تطور الحروب من مفهومها وأدواتها التقليدية، وانتقالها من الدروب والوديان إلى البيوت مستهدفة عقول الشباب وهدم القيم والثوابت والمعتقدات.

ولفت المتحدثون في الجلسة إلى ضرورة إيجاد وسائل لحماية العقول قبل الشبكات من خلال بث مجموعة من القيم التي تقي فئات المجتمع شرور الهجمات الإلكترونية وما تتضمنه من أفكار هدامة.

شارك في الجلسة التي أدار الحوار فيها علي الخشيبان الكاتب في صحيفة الرياض، كل من الدكتور علي النعيمي مدير جامعة الإمارات، صباح ياسين إعلامي وأكاديمي من الأردن، والدكتور معتز كوكش، خبير تقنية المعلومات ومكافحة الجرائم الإلكترونية، إضافة إلى منصور الشمري كاتب وأكاديمي من السعودية.

وناقشت الجلسة عدة محاور أبرزها تعامل وسائل الإعلام مع تحدي الهجمات الافتراضية، وطرحت أسئلة حول قدرة وسائل الإعلام الخاصة على تحمل الأعباء المالية للحماية، إضافة إلى فرضية هل الأفراد والجماعات لاعب مهم في الحروب الافتراضية؟.

وأشار علي الخشيبان إلى أن الحروب الافتراضية أصبحت واقعاً جديداً فرض نفسه على الساحة الإلكترونية والإعلامية، تغيرت معه الجبهات الداخلية لتتلاءم معه وتتعامل مع أخطاره وتوابعه، مضيفاً إلى أننا أصبحنا في عالم افتراضي مفتوح لايمكن التحكم فيه أو السيطرة على أفكاره، وأن الدول المعادية لم تعد تحتاج إلى أسلحة ووسائل تدمير لغزو الدول المستهدفة، بقدر حاجتها إلى محترفي الهجمات الإلكترونية.

ومن جانبه عرّف علي النعيمي الحروب الافتراضية بأنها حروب غير أخلاقية لا تعترف بالقيم أو تخضع لقوانين، وأنها تهدف إلى هدم وتخريب مقدرات الشعوب، مشيراً إلى تطور المعارك الافتراضية خلال الخمس سنوات المنصرمة وأخذها بعداً أشمل كالحروب الاقتصادية والإعلامية، مؤكداً على تهديدها للسلام المجتمعي من خلال استهدافها للعقول والقيم المجتمعية، لافتا إلى تطور وسائل الحروب الافتراضية ودخول شبكات التواصل الاجتماعي كأحد الطرق التي تمرر من خلالها الهجمات الافتراضية ورسائل الفتنة، مشدداً على خطورة سلاح الكلمة الأكثر فتكاً من السلاح التقليدي.

وأكد مدير جامعة الإمارات على استخدام الحروب الافتراضية للخطاب الديني المتشدد لدغدغة مشاعر المستهدفين، وخدمتهم لأفكار وأهداف وأجندات معدة سلفاً، وهو ما يجب التصدي إليه من خلال تضافر جهود المؤسسات التعليمية مع الأسرة لتوعية النشء وخلق جدار عازل من القيم والمبادئ القويمة تتحطم عليه الأفكار الهدامة.

تحديات كوكبية

بينما أوضح معتز كوكش أن الأرقام تشير إلى تنامي الهجمات الافتراضية لتصل إلى معدل 16 هجمة في كل ثانية حول العالم، ما كلف اقتصاد الولايات المتحدة الأميركية قرابة 250 مليار دولار في عام 2013 ، كما تكبد الاقتصاد الخليجي ما يعادل مليار دولار في العام نفسه.

وأشار إلى التحديات التي تواجه المؤسسات الاقتصادية والإعلامية جراء الهجمات الافتراضية، حيث هوت الشائعات التي بثها مخترقون بورصات عالمية، وتكبدت وكالات إعلامية عالمية الكثير من الخسائر بعد الهجوم على مواقعها الإلكترونية.

وعرج كوكش على خدمة الحروب الافتراضية لأجهزة ومنظمات دولية، وظهور مجموعات من المرتزقة الإلكترونيين الذين يستأجروا لدعم أطراف بعينها على حساب دول وجماعات أخرى.

وحول كيفية حماية وسائل الإعلام من الهجمات الإلكترونية والتكلفة التي تتكبدها المؤسسات لقاء ذلك قال: «على عكس ما يعتقد البعض فإن تكلفة صناعة الهجمات الإلكترونية زهيدة، لكن التصدي لها يكلف الملايين، مشيراً إلى أحدث الدراسات حول الحرب الإلكترونية أظهرت أن 57% من المخترقين هم من المراهقين، وأنهم يقومون بذلك بهدف التفاخر في أوساطهم الاجتماعية».

وأكد خبير تقنية المعلومات على حاجة العالم العربي إلى استغلال طاقات الشباب الإلكترونية والاستفادة ممن هم في مجالات البرمجة والحماية، مثلما فعلت بعض المؤسسات والشركات الإلكترونية الكبرى في أوروبا وأميركا.

الجهاد الإلكتروني

من جانبه أشار منصور الشمري إلى استخدام الجماعات المتطرفة إلى الحروب الافتراضية من خلال ما أسموه الجهاد الإلكتروني، وامتلاك هذا الجماعات لكوادر مدربة على أحدث التقنيات، ووصولهم إلى الكثير من المتابعين حول العالم عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

ونوه الشمري إلى توظيف الحروب الافتراضية لخدمة الحروب الدائرة على أرض الواقع، من خلال حشد الأنصار وإقناع المتواصلين معهم بأفكارهم، مستحضراً تصريح مسؤول أوروبي الذي أشار فيه إلى ان الجماعات المتطرفة أقنعت 700 أوروبي للذهاب إلى سوريا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، مشدداً على صعوبة تتبع هذه الجماعات لاستخدامها أسماء وشخصيات متشابهة مع الموجودة في الدول التي ينطلقون منها.

وحول كيفية التصدي للهجمات الإلكترونية قال: علاوة على الحلول التقنية التي يوجدها المتخصصون، نحن بحاجة في عالمنا العربي إلى إيجاد بيئة جاذبة للشباب تأخذهم بعيداً عن الشاشات والشبكات الافتراضية، وهو ما يلقي بالمسؤولية على الأسرة والمؤسسات التعليمية في خلق أجواء تكفل لهم التعبير عن آرائهم.

هجمات عالمية

ونوه صباح ياسين، إلى انه مع تنامي هجمات الحروب الافتراضية على مستوى العالم إلا أنه ليس هناك اهتماماً دولياً للتصدي لتلك الهجمات، ومحاولات بعض الدول العربية لوضع قوانين تحد منها مثل السعودية، والأردن، ومصر، مؤكدا ان إشكالية الحروب الافتراضية تكمن في جانبين أساسيين هما وضع قوانين رقابية، والتوصل إلى ميثاق شرف إعلامي عربي، حتى نستطيع التعامل مع معادلة أحقية الناس في التعبير والحصول على المعلومات، ولا نغفل التجاوزات التي يقترفها المتطفلون والمخربون.

وحول كيفية السيطرة على العالم الافتراضي وقضاء الشباب لساعات يومهم أمام الشبكات قال: أصبح للشباب عالمهم الافتراضي الموازي الذي لا يمكن إقصائهم عنه، لكننا نستطيع أن نعمل على تحصينهم بالقيم والأخلاق حتى يدركوا الخطر ويتصدوا إليه بشكل ذاتي.

ورداً على سؤال حول أثر الحروب الافتراضية على أرض الواقع قال د. علي النعيمي أن تأثيرها يعادل بل يفوق في بعض الأحيان الحروب التقليدية على الأرض، ما يدعونا إلى المزيد من العمل لصدها وتحصين شبابنا منها.

وقال صباح ياسين رداً على سؤال حول السيطرة على الحروب الافتراضية كدرب من دروب الخيال، أنه لا يمكن التصدي بشكل كامل للهجمات الإلكترونية، لأن مطلقيها غير معروفين الهدف والمكان، لكننا نستطيع العمل على الجزء الواضح من المعادلة وهو تدعيم أنفسنا وشبابنا.

عباقرة

 

أكد معتز كوكش خبير تقنية المعلومات ومكافحة الجرائم الإلكترونية ان مايكروسوفت تقوم بالبحث عن عباقرة تقنيات المعلومات وخبراء الانترنت في السجون الأميركية وتتبناهم لحماية أنظمتها الإلكترونية، لافتا إلى ان العالم العربي لا يتقن لغة الاستفادة من العباقرة الشباب الذين يمكنهم ان يبتكروا برامج لا مثيل لها. ولفت كوكش إلى ان الشباب العربي يتقن التعامل مع العالم الافتراضي لنجاحهم فيه اكثر من الواقع المرير الذي يعاني اغلبهم فيه من التهميش.