صحيحٌ أنه ليس بمقدور وسيلة إعلامية ما أن تَحل مَحل أخرى، فظهور التلفاز ورواجه لم يؤدِ بحالٍ إلى غياب الإذاعة «الراديو»، بينما أعيد بعد ذلك ترتيب الأولويات، فحلّ التلفاز في المرتبة الأولى، بينما تهاوت مكانة الراديو، لكن لم تغب، وما زال له جمهوره الواسع.

كذلك الحال في الصحافة، فمع تنامي التكنولوجيات الحديثة وتوسيع نطاق الإنترنت، تدخل الصحافة الإلكترونية في حربٍ ضروس مع الصحافة المطبوعة، وهي حربٌ على تفضيلات الجمهور، الذي بدا تواقاً لمعرفة كل ما يدور حوله في اللحظة التي يقع فيها الحدث، ما يُرجِّح كفة الصحافة الإلكترونية، ويتيح لها المجال المناسب، بينما تتمسك الصحافة المطبوعة بريادتها، وتذود عنها، الأمر الذي يُظهر خططاً واسعة المدى، من أجل مواجهة الصحافة الرقمية، يُبرزها بعض الضالعين في الشأن الإعلامي المصري.

السبق الخبري

في البداية، يقول نقيب الصحافيين المصريين الأسبق الكاتب البارز مكرم محمد أحمد، في تصريحات خاصة لـ «البيان»: إن الصحافة الرقمية تتميز بالسرعة في السبق الخبري، وتنقل وتبث من على أرض الحدث نفسه، وفي نفس اللحظة، هذا الأمر قد يُشكّل خطراً على الصحافة الورقية المطبوعة، في الوقت نفسه لن تفقد الصحافة الورقية في مصر أو الوطن العربي قيمتها، في حين إذا نظرنا إلى الصحافة العالمية، سنجد أن صحفاً مثل «النيوزويك» قد توقفت عن إصدار نسخ مطبوعة، واتجهت إلى الإعلام الرقمي.

ويقلّل نقيب الصحافيين الأسبق، من المخاوف التي تتردد بشأن اختفاء الصحافة المطبوعة، لأن نسبة الأمية، سواء في التعامل مع التكنولوجيا الرقمية أو القراءة، ما زالت مرتفعة في مصر، علاوة على أن هناك نوعاً من الاحترام الموروث للكلمة المطبوعة، التي لها نوع من القداسة المستمدة من القرآن الكريم، ضارباً مثالاً بتجربة مؤسسة «اليوم السابع» الصحافية، التي استطاعت الموازنة بين الإصدار الورقي والرقمي، لذا، فيتوقع أن تتعايش الصحافة الإلكترونية مع الورقية لأطول فترة ممكنة.

وفي إطار الأساليب المتبعة والخطط الموضوعة لتطوير العمل الصحافي، بما يحقق النجاح في مواجهة الصحافة الرقمية، يستطرد «مكرم»: يجب أن تكون الصحافة المطبوعة أكثر عمقاً في تناول الموضوعات وتحليلها للقارئ في صورة مبسطة وسهلة، وأن تسعى إلى استقطاب كتاب صحافيين أصحاب رؤى عميقة، كذلك أن تتجه إلى الصحافة الخدمية، أكثر منها ترفيهية، كي تجتذب فئات كبيرة من القراء، إضافة إلى توسيع دائرة حوارها مع القارئ، كل هذه الأسباب ستدفعها إلى تطوير نفسها، والصمود لأطول فترة ممكنة في مواجهة الصحافة الرقمية.

وسيلة كلاسيكية

وبدوره، يرى أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة الدكتور محمود علم الدين، أن الصحافة الورقية لن تختفي في مصر، لكنها ستصبح وسيلة كلاسيكية لها جمهور قليل، لذا، فعليها أن تطور من نفسها دائماً، وتحاول أن تقدم المزيد من الوجبات الدسمة إلى القارئ في البحث عما وراء الخبر، وتطوير الجانب الاستقصائي.

ويُضيف «علم الدين» في تصريحات خاصة لـ «البيان»: دورة حياة الجريدة الورقية 24 ساعة، أما دورة حياة الصحيفة الإلكترونية دقائق وثوانٍ، إذ إنها في قلب الأحداث، وتنقل الخبر لحظة بلحظة، لذلك، فلم يعد القارئ يُريد معرفة ما الذي حدث، ومتى حدث، فو يريد أن يعرف الكواليس التي حدثت، ويُريد رؤية متعمقة للحدث، تشرح له التفاصيل الكاملة حتى يصل إلى جذور القضية أو الموضوع.

ويلفت أستاذ الصحافة، النظر إلى أن بعض الصحف الورقية تفرد مساحة أكبر للصور والعناوين، على حساب النص المطبوع، وهذا خطأ واضح، قد حذر منه الكاتب والمفكر عباس محمود العقاد منذ أكثر من 70 عاماً، لأن الوجبة الرئيسة للقارئ هي النص، أما «التوابل أو الملح» تتمثل في العنوان والصور، وإذا زاد الملح في الوجبة عن الحد المطلوب، فإنه سيُفسدها، لذلك، يجب تقليل استخدام الصور، لما له من مردود سلبي على القارئ، والمحرر الصحافي الذي بذل مجهوداً كبيراً في الموضوع الذي كتبه، وكل ذلك في إطار الجهود العملية من أجل تعزيز وضع الصحافة الورقية.

 ويؤكد علم الدين، أن الصحافة المطبوعة لن تختفي، لأن ظهور التليفزيون لم يُلغ الراديو، وظهور السينما لم يُلغ التلفزيون، وظهور الهاتف المحمول لم يُلغ التليفون الأرضي، فلكل استخدامه وجمهوره الخاص به.

صحف مجانية

أما نائب رئيس تحرير صحيفة الوفد اليومية طارق تهامي، فيرى أن الصحافة الورقية مهددة بالاختفاء عاجلاً أم آجلاً، وأوضح أن الحل الوحيد كي تحافظ على وجودها، هو أن تتحول كل الصحف إلى صحف مجانية، أي توزع بالمجان على الجمهور، ليس هذا وحسب، بل أن تكون صحافة محلية، بحيث يكون لكل محافظة جريدة ناطقة باسمها، لضمان استدامتها.

20

 

قال طارق تهامي أنه مهما طورت الصحافة المطبوعة من أساليبها، فلن تستطيع أن تصمد في وجه الصحافة الرقمية، لأن كل الدول مُجبرة على إدخال الأجيال الجديدة في بوتقة التكنولوجيا الجديدة، علاوةً على أن جمهور الصحافة الورقية يتضاءل يومياً، وبالتالي، فإن الأجيال التكنولوجية الجديدة لن تلتفت إلى الصحافة المطبوعة في ما بعد.

وتوقع أن تختفي الصحافة الورقية من المنطقة العربية في غضون 20 عاماً، إن لم تتبع تلك الخطوات العملية من أجل التطوير، لتفرض نفسها على القارئ.