المنحى الذي اتخذته جلسة الاعلام الساخر هل تتسع له صدور العرب، والحرص الشديد من قبل اغلب الحضور على التواجد لسماع الدكتور باسم يوسف مقدم برنامج البرنامج على قناة سي بي سي، وتمحور معظم الحوار في الجلسة حوله، يدفع للتوقف والتساؤل، ما سر الاعلام الساخر؟ وما هي الاسباب التي جعلت من طبيب جراح كان يقدم برنامجه الخاص على يوتيوب أن يصبح واحدا من اكثر 100 شخصية مؤثرة بحسب مجلة التايمز، هل هو تعطش الناس للضحك، ام ان السخرية لون جديد لم يعهده الاعلام العربي، فأتى برنامج باسم يوسف ليسد الثغرة؟ "البيان» التقت عددا من الاعلاميين المشاركين في المنتدى للإجابة على هذه التساؤلات.

مجرد تقليد

أكد ظاعن شاهين المدير التنفيذي للنشر في مؤسسة دبي للاعلام، أن برنامج باسم يوسف ليس باللون الجديد بل هو تقليد بحت لبرامج اجنبية مشابهة ومعروفة، لكنه بنسخته العربية، وبنكهته المصرية التي يفرضها الواقع السياسي والمشهد العام في مصر، موضحا أن الاتجاه إلى الأسلوب الساخر هو المتنفس للناس، اذ مل الجميع من السياسة واكتفوا من المشاكل والاخبار وصخب الحياة وتعقيداتها، لذا يتجهون للسخرية للهروب من واقعهم الحالي.

وأضاف: "في السابق كانت الاخبار تستقى من وسائل معينة، أما الآن في ظل التواصل الاجتماعي والمواقع الاجتماعية المختلفة لم يعد هناك ما يفصل للناس الحقيقة بين الاشاعة والخبر، مما يجعلهم مشبعين بالاخبار والاحداث على مدار الساعة، فيجدون في البرامج الساخرة متنفسا لهم من كل ذلك، وهو أمر طبيعي".

السخرية والتهريج

عبد الحميد احمد رئيس تحرير صحيفة الغلف نيوز أشار إلى وجود فرق بين الاعلام الساخر وبين التهريج، فهناك +++شعرة كشعرة معاوية بين الفن الساخر وهو فن راق يدخل في اطار السهل الممتنع الذي يتمكن من انتزاع الابتسامة من فم القارئ او المشاهد دون ايذائه، اما التهريج فممكن أن يدخل في اطار المبالغة ويمكن أن يؤذي ويتعين التفريق بينهما، مشيرا إلى وجود كتاب عالميين كتبوا ادبا عالميا وقصصا ساخرة ومقالات وادبا ساخرا.

وقال حول غياب الأدب الساخر في عالمنا العربي في الوقت الحالي إن الادب الساخر بشكل عام قليلا ما يتم تحمله، وغالبا ما يساء فهمه مضيفا: "نحن لا نملك رحابة صدر لتقبل النكتة بشكل عام على موقف او شخصية أو وضع، على عكس الغرب الذين يعتبرون الأمر مقبولا ضمن حرية التعبير، فنحن ثقافتنا لم ترتق لهذه الدرجة، على الرغم من أن ادبنا العربي القديم فيه الكثير من الأدب الساخر، لكن في ثقافتنا الجديدة لم يعد موجودا".

وتابع: استثني من ذلك لبنان باعتباره بلدا ديموقراطيا وقائما على حرية التعبير من الاساس، ومن الصعب الآن التراجع في لبنان عن هذا الأمر بعد كل تلك السنوات الطويلة من الحرية اذ لطالما كانت الساحة اللبنانية هي الساحة القائدة في مجال حرية التعبير.

قضايا سياسية

الكاتبة الاماراتية ميساء غدير قالت: أصبح الاعلام الساخر متنفسا للناس للتعبير عن حقيقة الاشياء التي يتألمون منها فيتحولون إلى الأسلوب الساخر، لأنه قد لا يؤخذ على محمل الجد فيتحول إلى قضية قانونية قد يحاسبون عليها لاحقا، وعلى سبيل المثال باسم يوسف لا يمكن الجزم بأن ما يقوله ساخرا 100%، فهو يعبر عن قضايا سياسية تثير جدلا على صعيد الوطن العربي كله لا مصر وحدها والدليل ملايين الناس الذين يتابعونه.

وحول اسباب عدم وجود نسخ من برنامج باسم يوسف على مستوى الوطن العربي أشارت إلى ان ذلك يعود إلى ان العالم العربي اليوم عالم محبط، خاصة الدول التي تعرضت للثورات، كما أن العالم العربي بات مشغولا بهم يومه في البحث عن عمل، والحصول على رزقه او تأمين الصحة والحياة الافضل لأبنائه، وأضافت: همه الامن والعيش بامان، فلم يعد لديه متسع بين ذلك كله لروح الفكاهة.

وقالت غدير: "إن بحثنا عن اعلامي ساخر في ضوء المرحلة الانتقالية التي نعيشها وضوء الاحداث السياسية، نجد انه بات يواجه تحديات كبيرة ولا شك، ففي مصر على سبيل المثال، كثير من الصحف اغلقت، وكثير من الاعلاميين باتوا اليوم بلا عمل، فكيف يمكن البحث عن اعلامي ساخر في ظل كل تلك الظروف مجتمعة".

شعوب ساخرة

من جهته أشار عادل السنهوري مدير تحرير جريدة اليوم السابع المصرية إلى أن طبيعة الشعوب العربية تجذبها مثل هذه النوعية الساخرة من البرامج، لأنها تقدم جانبا تنفيسيا آخر عن المشاكل والقضايا التي يواجهها المواطن العربي في حياته اليومية، موضحا أن الشعوب العربية والشعب المصري بشكل خاص ساخرون من أنظمتهم على مر العصور، وهذا موجود في التاريخ وليس مستحدثا على التركيبة النفسية للشعوب العربية فبالتالي مثل هذه البرامج تكتسب اكبر نسبة مشاهدة لأنها تمثل تنفيسا عما يشعر به الناس، فيعبرون عنه سواء بالسخرية عبر الكاريكاتير، او الكتابة او البرامج التلفزيونية.

واضاف: "في مصر تحديدا بعد وجود المعارضة والاخوان المسلمين، بات هناك مادة ثرية للسخرية منها، واعتقد ان مثل هذه البرامج استطاعت ان تحقق لها وضعا في الساحة الاعلامية بشكل كبير جدا لانها بدأت تخاطب المثقفين، والبسطاء ايضا بالطريقة التي يريدون هم ان يشاهدوا بها التعامل مع القضية السياسية".

رسالة وهدف

ولم يعتبر السنهوري مصر استثناء في البرامج الساخرة خاصة في الوقت الحالي وخاصة في دول ما يسمى بالربيع العربي مثل تونس الآن، وقبل ذلك كله لبنان الذي يتعامل منذ زمن طويل مع السياسة بالكثير من السخرية وبسقف عال من الحرية، موضحا ان مشكلة هذه البرامج أن الانظمة الحاكمة لا تستوعب الرسالة او الهدف منها، مبينا أن من يخاف من هذه البرامج هي الانظمة المستبدة التي لا تريد تحقيق الديموقراطية الحقيقية في دولها، وعلى سبيل المثال ان هذه البرامج في الدول الاجنبية يتابعها رؤساء الدول انفسهم ويتفاعلون معها، ويعتبرونها مظهرا من مظاهر الديموقراطية.

واكد السنهوري أن هذه البرامج كانت موجودة بشكل او بآخر قبل الربيع العربي، وربط بين وجود هذه البرامج ووجود حراك سياسي بحيث انها تزيد وتظهر مع الحراك السياسي، اما في اوقات التيبس السياسي تختفي هذه النوعية من البرامج وتخف النكتة ايضا التي تعد واحدا من اشكال التعبير الشعبي عن الحاكم.

واوضح انه قبل الثورة في مصر مثل هذه البرامج لان الحالة تجاوزت السخرية ووصلت الى الغضب او الفعل الثوري، وبالرغم من التغيير الحاصل الا انه لا يلبي الطموح وبالتالي تتم السخرية منه بتلك الطريقة، مؤكدا ان العافية والحيوية لدى الشعوب وتفاعلها مع ما يجري على ارضها، وتوقف مثل تلك البرامج يعد مؤشرا خطرا جدا، وان الخطوة التي ستليها ستكون خطوة غضب.