قال أمين عام مجمع اللغة العربية، فاروق شوشة، إن اللغة العربية تواجه مشكلة بسبب أسلوب التدريس في المدارس مما يخلق علاقة سيئة بين الطفل واللغة، مطالباً بإنهاء أسلوب "الهرم المقلوب" في التعليم العربي الذي يبدأ بتدريس الطفل لغة لا تنتمي إلى عالمه. وأشاد شوشة في حوار مع "البيان" على هامش منتدى الإعلام العربي، باعتماد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، بتقرير تحديث تعليم اللغة العربية، لافتاً إلى أهمية الاعتناء بثقافة وسائل التواصل الاجتماعي بالنسبة للغة العربية. إلى تفاصيل الحوار:
رغم عوامل القوة التي تتمتع بها اللغة العربية، إلا أن هناك حديثاً دائماً عن مشكلات تواجهها، هل فعلا تواجه اللغة العربية مشكلة؟.
طبعاً.. ولا يواجه المشكلات إلا الأحياء. ولأنها تواجه مشكلة فهي حية. مشكلات اللغة كثيرة، أولها ما يتعلق بمناهج التعليم في الدول العربية.
المرحلة الأولى من التعليم هي المسؤولة عن عاطفتين، حب اللغة أو كراهية اللغة. وبالتالي يجب أن يتوفر في التعليم تدريس لغة بأسلوب مشوق سهل عصري، يستخدم لغة يسمعها الطفل في البيت والتلفزيون والشارع.. إذا شعر الطفل أنه يتعلم لغة قديمة جداً فهو انفصل عن الواقع، ويشعر بالغربة التي تتبعها العداوة. وهناك مشكلة الندرة في المعلمين الأكفاء، الذين يتمتعون بثقافة عصرية تجعل من اللغة وسيلة حياة، وأحد فروع الجمال فيها.
في هذه الحالة كيف يمكن التوفيق بين استخدام لغة معاشة يومية جذابة، والتواصل مع التراث المكتوب بلغة قديمة؟.
هذا التواصل حتمي ، لكن ينبغي أن يأتي في وقته الصحيح. البدء بالحاضر ثم بالماضي. نحن قلبنا الهرم. الأصل الصحيح هو أن تبدأ بما أنت فيه. أنا أقرأ صحيفة تستخدم لغة أفهمها، وهي لغة تسبقها لغة قديمة كان يكتب بها الجاحظ وابن المقفع.. والقصيدة اليوم كان لها مثيل يكتب فيها شاعر قبل ألف عام. مع نضج العقل أستطيع الوصول إلى وعي ما تعنيه اللغة التراثية التي هي أصل اللغة، بدونها لا أستطيع أن أفهم لغة الحاضر. لغة التراث ضرورية لكن لا يُبدأ بها .. لا بد من تعديل الهرم المقلوب تعليمياً وتربوياً.
مشكلة القواعد
إضافة إلى الهرم المقلوب.. هناك أيضاً مشكلة قواعد اللغة.. هل اللغة هي وسيلة تواصل أم نحو؟ .. هل الفجوة مرتبطة بتلبية مطالب جودة قراءة النص استناداً لقواعد النحو؟
نحن شغلنا انفسنا بالنحو أو القواعد، واختصرنا اللغة في النحو، ثم اختصرنا النحو في قواعد الإعراب.. وعندما يكون لدينا درس في اللغة العربية في هذه الأيام، فهي النحو والرفع والنصب... لكن هذه ليست اللغة، اللغة هي النص.. هي المتن.. هي الخطبة .. القصيدة.. الرواية.. النقد الأدبي.. إذا مرّنت نفسي على القراءة السليمة سأكتشف مع مرور الوقت بعض القواعد من دون الحاجة إلى معلم، بدليل وجود كثيرين لم يتعلموا اللغة من حيث القواعد، لكن تكون لديه سليقة لغوية مما يُحسن الاستماع عليه، وخاصة القرآن الكريم.. نحن نريد أن يجيء النحو من خلال النص، وليس درساً مستقلا اسمه المفعول المطلق او الحال..لكن متى أصل إلى هذا؟ عندما أقرأه وأحلله وأفهمه.
هل تعني أن اللغة ليست هي الفصاحة في التعبير بل الوعي بدرجة التواصل..؟
الفصاحة ليست موجودة، بل انتهت، وباتت متروكة اليوم للتجويد القرآني. نحن نتحدث اليوم عن لغة صحيحة، لها منطقها وإعرابها الصحيح ومهيأة للكشف عن الجماليات.. لماذا نقرأ؟ نقرأ لنفهم، لنعلق ، لنحلل، لنرد على المكتوب، لنتعجب منه أو نسخر منه. نحن حصرنا القراءة داخل الحصة المدرسية لتعلم الإعراب.. فقتلنا ثقافة القراءة.
مشكلة الإملاء
هناك مدارس مختلفة للغة العربية.. واختلاف على قواعد اللغة بين دولة وأخرى.. كيف يمكن حل هذه المشكلة؟
هذا تقصير من التعليم العربي، لأن المفروض الاتفاق على أساسيات، ينبغي أن تكون هناك قاعدة واحدة يلتزم بها الجميع وتنتهي مشكلة الإملاء العربي. نحن لم ننظر إلى الاملاء كشيء جديد بالاهتمام. حتى درس الخط في الفصل الدراسي يتم احتقاره..لا الأستاذ يهتم، ولا التلميذ. يجب أن تعطى جماليات اللغة العربية حقها. الخط العربي كان وسيلة جمالية في العصور الإسلامية واليوم يتم إهماله.
كيف تقيم مبادرة تحديث تعليم اللغة العربية في الإمارات؟
أنا عضو في اللجنة التي قدمت التقرير الذي أشاد به صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله. يمكن أن يصبح التقرير دليل حياة في اللغة العربية، ويقول التقرير إنه لا بد من تدريب المعلمين تدريباً جديدا مختلفاً، أريد مدرساً هو ثقافة عصره، تدريب لغوي مختلف، يشجع الأولاد على علم السؤال. لا بد أن أشجع التلميذ على ثقافة الحوار، وأن يسألني و أن يعترض علي، ونصل في النهاية إلى ما يقنعه.. هذه الوظائف لن يقوم بها إلا معلم مختلف ومدرب تدريباً جيداً.
الأمر الثاني أن لا تكون مضامين المناهج قديمة، وغير منفصلة عن الحياة، وان يكون متضمناً لثقافات أخرى، وأن تتضمن موضوعات تاريخية وفلسفية بسيطة.
نحن واثقون أن هذا التقرير لن يهمل وسيجد طريقه للتطبيق.
اللهجة العامية
أصبحت هناك لهجة عامية أصبحت مكتوبة ولها قواعدها.. هل هي تهديد للغة العربية؟
هناك من يريد إحداث مواجهة بإثارة موضوع اللهجات. نستطيع ان نستخرج من مخزون العامية الكلمات الصحيحة، وهي نتاج لغات وثقافات المنطقة عبر العصور..يجب أن يتلقى الطفل في المدرسة حماماً لغوياً. الفرنسيون هم أصحاب هذا الاقتراح، فكرة الغمر أو الحمّام اللغوي، حيثما توجهت في المدرسة فإنك لا تقرأ ولا تسمع إلا لغة صحيحة. هذا سينتشلك ويجعلك أقرب إلى استخدام هذه اللغة الصحيحة.
كيف تقيّم دور وسائل التواصل الاجتماعي في التأثير على اللغة؟
الذين يكتبون التغريدات على "تويتر" هم صناع لغة، ، يبقى ان تعترف بهم المدرسة، اللغة ستدخل من خلال هذه الأجهزة إلى كل بيت. أنا متأكد أن أي شخص يمارس التغريدات مدة عام سيصبح مؤلفاً، لأنه يحرص أن لا يكتب إلا الجمل الصحيحة.
