دعا المشاركون في جلسة «إعلام المراحل الانتقالية.. متطلبات التطوير» في إطار فعاليات اليوم الأول لمنتدى الإعلام العربي لضرورة إصدار ميثاق إعلامي عربي جديد يضمن الحريات، وتحاملوا على الإعلام في الوقت الراهن ودفعوا بأنه يعاني حالياً من فوضى لعدم وجود ضوابط تحدد بوصلته، وأن الإعلام الكلاسيكي فقد هيبته وقيمته وأصبح الإعلام الجديد هو صاحب مبادرة السبق الآن لما يتيحه من مميزات لما يسمى بـ»إعلام الجمهور أو البديل أو الحر».
وناقشت الجلسة الوضع الإعلامي الراهن في ظل المتغيرات الحديثة والتي طرأت جراء ظاهرة «الربيع العربي» التي طالت العديد من الدول وشهدت على أثرها حالة إعلامية وصفت بأنها حالة فوضوية.
وفي بداية الحديث منح مجيد مدير الجلسة الكلمة لمهيرة عبد العزيز إعلامية في قناة الجزيرة للتحدث عن الاستديو الرقمي وتفاعل الجمهور للتغريد على شبكات التواصل الاجتماعي لافتة إلى أن هذا النوع الجديد من الإعلام قد حول التلفزيون إلى مسرح حيث يصل رد الفعل فورا إلى المذيع والقناة في اللحظة.
وبدأت المتحدثة حاملينها البرعصي الكاتبة والإعلامية الليبية ، أن الإعلام له الفضل في إنجاح الثورة في بلادها، ولولا الإعلام خصوصا العربي منه قد ساهم كثيرا في نقل الحالة الليبية والمشهد الليبي، وأكدت بأن معظم الأحداث في ليبيا كانت واقية وليست من صناعة الإعلام، فالإعلام استطاع أن يجابه المقاومة الشرسة من النظام وقتها حتى تحقق الثورة الليبية أهدافها.
ودفعت البرعصي بسيطرة فكر القذافي على كل شيء في ليبيا حيث كان 70% من الليبيين يعانون العزلة والانغلاق والحرمان، بل ويعيشون على الهامش ومحرومون من التعليم الراقي والسفر وتعلم اللغة الانجليزية التي تحول كل من يعلمها ويتعلمها إلى خائن يحاكم وعقوبته قاسية.
فوضى إعلامية
وحول الوضع الإعلامي قالت حاملينها إن الفوضى هي عنوان المرحلة حاليا لدى معظم العاملين في القنوات والمؤسسات الإعلامية في الساحة الآن و هم من المبتدئين الذين يفتقدون المهنية والكفاءة وبعضهم يعملون كمراسلين ومذيعين، لان بعض هؤلاء عملوا أثناء الثورة بمجهوداتهم الشخصية ثم تحول إلى العمل في قنوات مراسلاً أو مذيعا.
وأكدت البرعصي وجود 20 قناة فضائية تعيش حالة فوضة في ليبيا، وأكثرها في العاصمة، وأن من مظاهر هذه الفوضى هو حصار بعض المؤسسات، وان سببها هو الحرية المطلقة التي نعيشها الآن في شتى المجالات بما فيها الإعلامية، متمنية أن تنتهي حالة الفوضى في اقرب وقت.
وقالت البرعصي بأن غياب القانون والدستور في ليبيا هو أول سبب في الفوضى، كما طالبت باستحداث دستور البلاد وسن القوانين والتشريعات المنظمة والمحاسبة لكل من يخالفها. وتناولت ما تعانيه الصحف والمؤسسات الإعلامية من خطف أعضائها وتهديدهم بالقتل والتشريد وهو ما يعوقها كثيرا في تأدية مهامها.
سقوط الأقنعة
ونقل توفيق مجيد دفة الحديث إلى الدكتور خالد الفرم أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الإمام بالمملكة العربية السعودية، الذي بدأ بأن الواقع وسقوط الأنظمة السياسية العربية أفضى إلى سقوط الأنظمة الإعلامية بشكلها الكلاسيكي، وبأن هناك وسائل ومنتجات جديدة برزت على الساحة تعبر عن هموم المواطن والثورة الحديثة في شبكات التواصل الاجتماعي أتاحت فرصة كبيرة لمن لم يمارسوا العمل الإعلامي والتواصل المباشر.
وأضاف الفرم بأن سقوط الأنظمة أفضى إلى الأزمة الحالية والتي تشهد تحررا كبيرا في الخطاب العربي الشعبي وخروج الجمهور لأول مرة من الإعلام الرسمي إلى الإعلام الجديد الذي يخلق العلاقة المباشرة والغير محدودة مع الناس، بعد أن فقد السياسيون والإعلاميون للبوصلة المسيطرة على وسائل الإعلام التقليدية.
«إعلام المواطنة» أطلق عليه خالد الفرم، وهو الذي سبق أنه تقدم على إعلام الحكومات فأصبح يحرر ويكتب ويصور ما يريد ويبثه على الملأ عبر الفضاء الفسيح الذي أتاح للناس التواصل عبر العديد من الوسائل منها التواصل الاجتماعي واليوتيوب وغيرها، وذكر بأن الانقسام الشديد للإعلام حدث بعد الثورات التي مرت بالوطن العربي، فظهرت قنوات بشكل جديد وسقطت أيديولوجيات ورافقها سقوط كبير للإعلام الرسمي حيث لا توجد حاليا مؤسسات إعلامية رسمية قادرة على التأثير و الانتشار.
وقال: فالانقسام يؤثر في المجتمعات العربية فضلا عن الإهمال والفساد الذي تسبب في السقوط المريع الذي عانى من الشللية والفساد المالي والإداري، وأشار الفرم الى ان محركات الأزمة هو سيطرة رجال المال والدين والسياسة على الإعلام واغلب القنوات الفضائية غير الرسمية، مؤكدا على أن غياب التقويم المهني ساعد في فوضى الإعلام.
ولفت الفرم إلى أن الشرق الأوسط حول كثيرا على استخدام الإعلام البديل بحيث يبلغ 70 مليون تغريدة شهريا وقريب منها مشاهدة قنوات اليوتيوب، واختتم الفرم حديثة بوضوح»انتهى عصر الوراقون» فالإعلام العربي بحاجة الى انبثاق جديد وتحول الإعلام الحكومي إلى مجالس الأمناء، وتفعيل مؤسسات ومنظمات العمل المدني.
مراجعة النفوس
ووصف راكان المجالي وزير الدولة لشؤون الاتصال والإعلام الأسبق في الأردن، الإعلام في الوقت الراهن بأن بين أمرين هما القائم والحصيد وطالب المجالي الإعلاميين العرب بمراجعة النفس للوقوف امام الذات المهنية أولا حيث تعرض الإعلام لتحد كبير من دون ان يقوى على مواجهة المتغيرات .
وأعرب عن تفاؤله بإمكانية الانطلاق من دبي لإصلاح الشأن الإعلامي العربي بعيدا عن المراوغة بين السياسة والإعلام والتي نعيشها الآن بشكل واضح.
ونقل توفيق مجيد الكلمة بعد ذلك إلى كمال العبيدي رئيس الهيئة والوطنية للإصلاح و الإعلام والاتصال بتونس، الذي قرر وجود الانفلات الإعلامي العربي ليس بدعة عربية بل شاهدها في أوروبا الشرقية عند التحول وكذلك في أمريكا اللاتينية وهذا ما عرضه سمير عطاالله الصحافي والكاتب العربي الكبير وقال إن الانفلات المتعايش حاليا هو احتكار وصناعة عربية بامتياز. وطالب بأن تتضمن الدساتير للدول على ضمانات الحريات والالتزام بالمعايير الأخلاقية، مؤكدا على أهمية استحداث ميثاق جديد لضبط الانفلات الإعلامي الراهن.
جلد الذات
اختتمت الجلسة مع الإعلامي المصري ياسر عبد العزيز الذي انتقد عمليات جلد الذات للإعلام العربي وتوجيه لغة الحوار إلى الأشياء السلبية ، واقترح أن يكون سؤال كيف ننظم الإعلام العربي ليكون اكثر حرية واكثر نجاحا ؟ مشيرا إلى أننا خرجنا مما نحن فيه بما يسمى عربة الموسيقى وهي من الأكاذيب الكبرى، فالإعلام لا يمول من رجال الإعلام ولم يخلق لذاته وإنما هو تعبير عن مصلحة ويجب أن نفهم ذلك.
ورفع ياسر عبد العزيز شعار ان الإعلام للتطوير لا للتطهير محددا أضلاع مثلث للنهوض بالإعلام وهي اعتبارات الصناعة والقيم المهنية والسوق مشفوعا بالنظام العام للدولة ويكون الإعلام على مسافة واحدة من كل ذلك، وان تمنح له الحرية وحق الصدور وعدم الإغلاق لأخطاء شخصية، مطالبا الإعلاميين بأن ينظموا انفسهم بالتعاون مع الهيئات الضابطة والمتوازية من الدولة.
