حذّر عبد اللطيف المناوي مدير قطاع الأخبار السابق في التلفزيون المصري في حوار مع "البيان" من اتجاه النظام الحاكم في مصر ممثلاً بجماعة الإخوان المسلمين الحاكمة في مصر لفرض قرارات واستراتيجيات جديدة للتضييق على حرية الإعلام والتعبير عن الرأي في حال وصول الجماعة إلى تطبيق نظرية التمكين التي تنادي بها في أدبياتها والخشية من وصول الأمر إلى ما يشبه (محاكم التفتيش) في أوروبا القرون الوسطى، وكشف المناوي بعض التفاصيل التي دارت في كواليس مبنى ماسبيرو (التلفزيون المصري) خلال الأيام الأخيرة لنظام الرئيس السابق حسني مبارك، مؤكداً أن ما يسمى بحرية الإعلام أو إعلام الدولة يسقط قناعه في حال تعرض النظام لأزمة أو عاصفة مثالية مثل الذي جرى ليلة 28 يناير في الأحداث المعروفة بميدان التحرير.
وأكد عبد اللطيف المناوي أنه دخل إلى التلفزيون بحلم التغيير للانتقال إلى ما أسماه مسبقاً بتلفزيون الدولة والتي تشمل مصر بصورتها الكلية، وكانت هناك بعض النوايا لدى بعض أركان النظام للمسير بهذا الاتجاه نحو التغيير ، وأتحدث هنا عن الإعلام حصراً وجرى ما جرى منذ الساعات الأولى من يوم 25 يناير فحين تأتي الأزمة وتحل في ساحة النظام تظهر الحقيقة ساطعة وتسقط الأقنعة بأن ليس هناك ما يسمى (تلفزيون دولة) ما لم يكن هناك إرادة ونية سياسية حقيقية عليا في هذا الشأن، وجرى ترجمة ذلك بصورة فعلية على تغطية التلفزيون المصري للأحداث والتظاهرات التي وقعت.
وأكد المناوي أنه لا يمكن فصل الإعلام عن إمكانيات المجتمع الذي يحتضنه، والإعلام لن يغير ولن يستطيع تغيير أي مجتمع ولكنه يلعب دوراً بعكس مشاكله والتفاعل معها.
وحول مجرى الامور داخل التلفزيون المصري في بداية الثورة كشف المناوي بأن الضغوط آنذاك بدأت تتزايد بأن لا يتم نقل أي صور للتظاهرات أو آراء المتظاهرين وناقش ذلك مع المسؤولين ونصح وزير الإعلام آنذاك أنس الفقي بضرورة فسح المجال لشباب الاحتجاجات أو بعض القيادات السياسية المعارضة للحديث من التلفزيون مباشرة إلا أن رجال جمال مبارك لا يحبون الناصحين وكانوا يتصورون أن الأمور مسيطر عليها. وأعتقد أن لغة السلطة تجاه الشعب المصري كانت استعلائية ولم تقرأ الأمور بصورة صحيحة.
وحول رأيه في الانتقادات التي وجهت للتلفزيون المصري الحكومي في متابعتها للاحتجاجات والأحداث أثناء الثورة، كشف المناوي أنه لو لم يكن هناك تحول في قطاع التلفزيون لم يكن هناك انتقادات من هذا النوع، والسؤال هو؛ كم شخص توقف لانتقاد التلفزيون التونسي أثناء الثورة هناك على سبيل المثال وكم شخص توقف وانتقد موقف الصحف القومية المصرية إزاء ذات الفترة، حيث جاءت هذه الصحف بعد الخطاب الثالث لمبارك بعناوين :"تحدث الرئيس حسني مبارك وقال الرئيس.." وفي اليوم التالي جاءت العناوين "الشعب أسقط النظام".
مواقف واتجاهات
وحول مواقف بعض الشخصيات الاعلامية تجاه ما يدور في مصر كشف مدير قطاع الأخبار السابق في التلفزيون المصري كشف أنه كان يتمنى بقاء كل شخصية إعلامية أو سياسية على مواقفها وعدم التلوّن والتقلب الذي شهدناه بعد سقوط النظام السابق، حيث أن هناك من يمكن تسميتهم (المتحولون) أو المتقلبون، لأني أعتقد أن ليس هناك ما ينبغي أن نقف لنتطهر منه، لأن التجربة السابقة لها إيجابياتها ولها أخطائها، وأنا مع مبدأ النقد الذاتي وهنا أستعير جملة شعرية للشاعر مظفر النواب حين قال (لا أستثني أحداً) فإذا ما كان هناك خلل فالكل مشارك فيه.
وحول كواليس الخطابات الثلاثة للرئيس السابق خلال الـ 18 يوماً التي سبقت السقوط كشف المناوي أن الرئيس السابق «مبارك» كان عليه أن يتحدث مساء 25 يناير بخطاب يتضمن إقالة الحكومة، وحل البرلمان وكان يدعم هذا الاتجاه وزير الصناعة والتجارة، رشيد محمد رشيد، وحسام بدراوى، لكن جمال مبارك وأحمد عز أوهما الرئيس بأن الأمور تمام وتحت السيطرة، وتأخر الخطاب ليوم 28 يناير وحسبما تضمنت مسودة الخطاب كان مقرراً إلقاءه السبت 29 يناير، لكنني قلت لأنس الفقي إن تأخيره ليس مجدياً، وتضمن الخطاب إقالة الحكومة وللأسف جاء التشكيل بعد ذلك كارثياً.
الخطاب الثاني كنت قد اقترحت لمبارك خطاباً وأرسلته لإحدى الجهات السيادية، لكنه اختار الخطاب العاطفي وأحدث تأثيراً، وفوجئنا بعدها بموقعة الجمل، وقبل الخطاب الأخير ذهبت لأنس الفقي وقلت له الوضع سييء ولابد أن يتحدث الرئيس ولكنه تحدث بطريقة أغضبت الجماهير، وقلت بعدها: إن هذا أسوأ خطاب في حياته وقد وصلت الأمور إلى النهاية.
بين العسكر والإخوان
وحول الصورة التي يتوقعها عبد اللطيف المناوي لمسار الأحداث في جانب الحريات الإعلامية بصورة خاصة، أكد المناوي أنه لم يتفاجأ كثيراً ولكن سرعة الأحداث والتطورات هي المفاجأة، وتوقع أن تيار الإسلام السياسي الذي ركب موجة الثورة وسيطر على مفاصل الدولة المصرية بحكم تراكم خبراته تاريخياً ولكونه الأكثر تنظيماً بفضل ضرب الأنظمة السابقة في مصر للتيارات السياسية المدنية القوية من ليبراليين وقوميين ويسار وما إلى ذلك، أتوقع أن هذا التيار سيقوم في المستقبل القريب بإعادة مصر إلى قرون غابرة في حال إتمامه لخطة (التمكين) التي يحلم بها وأخشى من ظهور حالة تشابه (محاكم التفتيش) التي كانت سائدة في أوروبا في القرون الوسطى.
وكشف المناوي أن العلاقة بين الجيش والإخوان كانت الخط العام الذي يحكمها هو «خداع الجماعة»، ويأتي ذلك لأن الإخوان المسلمين أعطوا انطباعاً للجيش بأنهم القوة الوحيدة التي يمكن التعامل معها، وقبل المجلس العسكرى التعامل معهم، ولما أخذوا ما أرادوا من المجلس العسكرى عادوا مرة أخرى للوقوف فى الشارع ضد الجيش، وللأسف أن بعض القوى الثورية والأحزاب رأوا أن الجيش طامع فى السلطة فى الوقت الذى كان فيه هو الحامي الوحيد للسلطة، ثم كانت ميول بعض أعضاء المجلس العسكرى سبباً فى تمكين الإخوان من السلطة. تدخلات
أوضح عبد اللطيف المناوي مدير قطاع الأخبار السابق في التلفزيون المصري بأنه اتخذ قراراً بترك منصبه يوم 2 فبراير، ولقد اتصلت بعدة جهات وأخبرهم إما أن يتصرف بحرية في نقل أخبار الشارع المصري وما يجري في الواقع أو يقدم استقالته، وكان قراره بمغادرة الوظيفة منذ ذلك اليوم لأن تجربته لم تنجح.
